حين نتحدث عن سد ومحطة "جوليوس نيريري" الكهرومائية على نهر روفيجي فإننا لا نتحدث فقط عن مشروع ضخم لتوليد الكهرباء ولا عن منشأة هندسية تضاف إلى قائمة المشروعات الكبرى في إفريقيا فخلف الخرسانة والتوربينات والإنشاءات قصة أوسع قصة شراكة مصرية تنزانية اختارت أن تترجم العلاقات التاريخية بين البلدين إلى مشروع قائم على الأرض له تأثير مباشر في حياة الناس ومستقبل الاقتصاد والتنمية ويمثل المشروع واحدا من أبرز مشروعات الطاقة الكهرومائية في إفريقيا لكنه في الوقت نفسه يعكس شيئا آخر لا يقل أهمية وهي قدرة الدول الإفريقية على التعاون في ما بينها والاستفادة من الخبرات المتوافرة داخل القارة بدل أن تظل مشروعات التنمية الكبرى مرتبطة دائما بخبرات أو شركات من خارجها فعلى مدار سنوات ارتبطت العلاقات المصرية التنزانية بمستويات متعددة من التعاون السياسي والاقتصادي والتنموى لكن "جوليوس نيريري" يمنح هذه العلاقة صورة أكثر وضوحا لأن الشراكة هنا لم تتوقف عند إطار اللقاءات والاتفاقيات بل تحولت إلى مشروع ضخم يتطلب خبرات هندسية وتنفيذية واسعة وقدرة على التعامل مع تحديات فنية ولوجستية معقدة فالمشروعات الكبرى لا تنجز بالنوايا وحدها وإنما تحتاج إلى مؤسسات تمتلك الخبرة وشركات لديها القدرة على التنفيذ ودولة مضيفة لديها رؤية واضحة لما تريد تحقيقه وعندما تتوافر هذه العناصر معا تصبح الشراكة قادرة على إنتاج نتائج تتجاوز حدود التعاون التقليدي ومن هذه الزاوية أصبح المشروع أحد أبرز النماذج التي يمكن من خلالها قراءة تطور العلاقات المصرية التنزانية من التعاون السياسي إلى الشراكة التنموية.
وقد يبدو الهدف المباشر للمشروع واضحا وهو إنتاج الكهرباء وزيادة قدرة تنزانيا على تلبية احتياجاتها من الطاقة لكن آثار المشروع المحتملة أوسع بكثير من هذا الهدف المباشر تتعلق بقدرة الشركات المصرية على العمل في بيئة خارجية وتنفيذ مشروع بحجم وتعقيد استثنائيين فخلال السنوات الماضية تراكمت لدى قطاع التشييد والبنية التحتية في مصر خبرات واسعة نتيجة تنفيذ مشروعات كبيرة ومتنوعة ومع انتقال هذه الخبرات إلى الخارج تتحول التجربة المحلية إلى رصيد يمكن توظيفه في الأسواق الإفريقية وهنا لا يصبح وجود الشركات المصرية مجرد فرصة تجارية بل يتحول أيضا إلى وسيلة لنقل المعرفة والخبرة الفنية والمشاركة في بناء قدرات تنفيذية يمكن أن يكون لها أثر أبعد من المشروع نفسه كما أن نجاح الشركات المصرية في تنفيذ مشروعات بهذا الحجم يعزز حضورها في السوق الإفريقية ويفتح أمامها الباب للمنافسة على مشروعات جديدة في مجالات الطاقة والنقل والمياه والإسكان وغيرها من القطاعات التي تحتاج القارة إلى التوسع فيها خلال السنوات المقبلة ليمثل المشروع كذلك إحدى صور الحضور المصري في إفريقيا لكن بصورة تختلف عن الحضور الدبلوماسي التقليدي فالدول لا تبني نفوذها فقط عبر السياسة وإنما أيضا من خلال قدرتها على تقديم الخبرة والمساهمة في حل المشكلات التي تواجه شركاءها وعندما تدخل شركة مصرية إلى دولة إفريقية لتنفيذ مشروع استراتيجي فإنها تحمل معها خبرة مصرية متراكمة وتفتح في الوقت نفسه مجالا لتبادل المعرفة والخبرات مع الكوادر المحلية وهكذا تتحول العلاقات الاقتصادية إلى جسر إضافي للعلاقات السياسية والشعبية ويصبح نجاح مشروع تنموي واحد قادرا على خلق مساحات جديدة للتعاون في مجالات أخرى واللافت في "جوليوس نيريري" أن دلالته لا تتوقف عند حدود مصر وتنزانيا فنجاح المشروعات الكبرى في إفريقيا يمكن أن يقدم نماذج تستفيد منها دول أخرى تواجه تحديات مشابهة في الطاقة والبنية التحتية والقارة بحاجة إلى مثل هذه النماذج التي تثبت أن المشروعات العملاقة يمكن تنفيذها من خلال شراكات تجمع بين الإرادة السياسية والخبرة الفنية والموارد المحلية ومن هنا يمكن النظر إلى المشروع باعتباره تجربة تحمل أبعادا تتجاوز حدود الدولة التي أقيم فيها لأنه يفتح النقاش حول إمكانية توسيع التعاون الإفريقي في قطاعات استراتيجية أخرى فإذا كانت الطاقة قادرة على جمع الخبرة المصرية والموارد التنزانية في مشروع واحد فلماذا لا تتكرر الفكرة في النقل أو المياه أو التصنيع أو البنية الرقمية أو مشروعات الربط الإقليمي.
وفي النهاية ربما تكون الصورة الأكثر تعبيرا عن "جوليوس نيريري" هي تلك التي تتجاوز السد نفسه فالمشروع يروي قصة بلد يبحث عن طاقة أكبر لدعم اقتصاده وشركات مصرية تخوض تجربة تنفيذية كبرى خارج حدودها وشراكة بين دولتين إفريقيتين تتحول من العلاقات الرسمية إلى إنجاز ملموس وهنا تكمن القيمة الرمزية للمشروع أنه يثبت أن التعاون الإفريقي يمكن أن يكون عمليا ومنتجا وأن الخبرات الموجودة في القارة قادرة على أن تتكامل لصناعة مشروعات تغير الواقع وبالنسبة إلى مصر يمثل "جوليوس نيريري" شهادة على أن الخبرة المصرية فى البنية التحتية يمكن أن تتحول إلى عنصر فاعل فى مسيرة التنمية الإفريقية ويعد صورة لشراكة تتحرك من الأوراق إلى الواقع ومن العلاقات إلى المشروعات ومن الخبرة الوطنية إلى قيمة تنموية تمتد عبر الحدود.