أمينة رزق.. أم السينما المصرية
طفلة صغيرة تختلس النظر إلى ألعاب السيرك في مولد السيد البدوي، ثم تقلد ما تراه أمام جمهور لم تكن تعرف أنه سيكون أول محطة في رحلة عمرها، هكذا بدأت حكاية الفنانة أمينة رزق، التي قادها شغفها بالمسرح إلى مسيرة امتدت لأكثر من سبعة عقود، تنقلت خلالها بين المسرح والسينما والتلفزيون، وقدمت عشرات الشخصيات التي بقيت حاضرة في وجدان الجمهور، ومع مرور السنوات، ارتبط اسمها على الشاشة بدور الأم المصرية، وأصبحت صورتها جزءًا من ذاكرة السينما المصرية وواحدة من أبرز وجوهها التي يصعب أن تتكرر.
في الخامس عشر من أبريل عام 1910م، وُلدت أمينة رزق في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، لأسرة ميسورة الحال، والتحقت بمدرسة «ضياء الشرق» في السادسة من عمرها، وكانت طفلة تختلس النظر إلى ألعاب السيرك في احتفالات مولد السيد البدوي، فتقدّم استعراضات صغيرة على المسرح، وتبدّلت حياتها فجأة عام 1918م بوفاة والدها، فسافرت مع أمها إلى القاهرة وهي في الثامنة من عمرها، لتلتحق بخالتها الفنانة أمينة محمد التي كانت تكبرها بعامين فقط، وتبدأ فصلًا جديدًا من حياتها بعيدًا عن هدوء طنطا.
من كورس الغناء إلى فرقة رمسيس
عام 1922، وبعمر الثانية عشرة، وقفت أمينة رزق على خشبة المسرح لأول مرة، منشدة إلى جانب خالتها في كورس فرقة علي الكسار بمسارح روض الفرج. لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت عام 1924، حين انضمت إلى فرقة رمسيس المسرحية التي أسسها عميد المسرح العربي يوسف وهبي، وظهرت معه في مسرحية «راسبوتين» على مسرح رمسيس.
من هذه اللحظة، تشكّل ثنائي فني استثنائي جمع بين أمينة رزق ويوسف وهبي، ارتبطت به أستاذًا وفنانًا، وشاركته أغلب مسرحيات الفرقة وأفلامها، دون أن يتحول هذا الارتباط الفني إلى زواج — فقد آثرت التفرغ الكامل للفن، باستثناء تجربة عقد قران عائلية دامت 11 يومًا فقط وانتهت بالانفصال السريع. من هنا جاء لقبها الأثير: «راهبة الفن».
من السينما الصامتة إلى العصر الذهبي
كانت «سعاد الغجرية» عام 1928م أول ظهور سينمائي لها، في فيلم قوبل وقتها بهجوم صحفي حاد بدعوى الإساءة إلى مصر، توالت مشاركاتها بعدها في السينما الصامتة، ثم شاركت عام 1932 في «أولاد الذوات»، أول فيلم مصري ناطق، من إخراج محمد كريم وإنتاج يوسف وهبي.
في الثلاثينيات والأربعينيات، توزعت بين المسرح والسينما في أعمال مثل «الدكتور» (1939)، و«كليوباترا» و«البؤساء» (1943)، و«برلنتي» (1944)، حتى جاء عام 1945 بفيلم «الأم»، الذي فتح الباب أمام الدور الذي لازمها حتى نهاية مسيرتها.
سيدة الأمومة على الشاشة الكبيرة
منذ منتصف الأربعينيات، ولم تكن قد تجاوزت الخامسة والثلاثين، أصبحت أمينة رزق الوجه الأشهر لدور الأم في السينما المصرية. لكنها لم تقدّمه أبدًا كامرأة مستكينة أو ضحية، بل كسيدة قوية الشكيمة تحمي أسرتها وتواجه الأقدار بصلابة نادرة.
توالت أفلامها الأيقونية: «بائعة الخبز» (1953)، و«دعاء الكروان» (1959) عن رواية طه حسين، التي توّجتها بالجائزة الأولى للتمثيل واختيرت من بين أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية، ثم «بداية ونهاية» (1960)، و«شفيقة القبطية» (1962)، و«قنديل أم هاشم» (1968)، لتصبح هذه الأعمال علامات خالدة في الوجدان السينمائي المصري.
نجحت أمينة رزق باقتدار نادر في الفصل بين أدائها المسرحي وأدائها السينمائي، وهي ميزة أدركتها مبكرًا، إذ كانت من أوائل رواد المسرح المصري الذين فهموا الفارق الجوهري بين التمثيل أمام الجمهور الحي والتمثيل أمام عدسة الكاميرا.
من التراجيديا إلى الكوميديا
في فترة السبعينيات والثمانينيات، وسّعت أمينة رزق نطاق أدائها ليشمل الكوميديا، فقدّمت «أخواته البنات» (1976)، و«أريد حلًّا» (1975)، و«السقا مات» (1977)، و«صراع الأحفاد» (1989)، و«الكيت كات» (1991) مع محمود عبد العزيز، إلى جانب مسرحيتها الكوميدية الشهيرة «إنها حقًّا عائلة محترمة» (1979) أمام فؤاد المهندس، ومسرحية «السنيورة».
عقود من العطاء أمام الشاشة الصغيرة
لم تغب أمينة رزق عن الدراما التلفزيونية، فشاركت في أعمال تاريخية ودينية ضخمة مثل «محمد رسول الله»، و«الإمام البخاري»، و«عمر بن عبدالعزيز»، و«الطبري»، و«ابن تيمية»، إلى جانب مسلسلات اجتماعية مثل «البشاير»، و«هاربات من الماضي»، و«بوابة المتولي»، و«السيرة الهلالية» التي واصلت العمل بها حتى عام 2001، أي قبل عامين فقط من رحيلها.
أرقام تفوق الخيال في المسرح المصري
يكشف كتاب «أمينة رزق.. الراهبة في محراب الفن» للدكتور والمؤرخ المصري الراحل والناقد عمرو دوارة، الصادر عام 2022 ضمن إصدارات المهرجان القومي للمسرح، أن رصيدها الفني تجاوز 640 عملًا موزعة بين المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون: نحو 300 مسرحية بدءًا من عام 1924 (قدّمت وحدها نحو 265 عرضًا مسرحيًا)، ونحو 150 فيلمًا سينمائيًا، وما يزيد على 220 مسلسلًا وسهرة تلفزيونية، وأكثر من 70 عملًا إذاعيًا، على امتداد أكثر من سبعين عامًا من العطاء المتواصل.
سيدة مسرح بلا منازع
يصف الكتاب حضورها بأنه حضور قوي محبب، تسانده نظرات معبرة وإحساس مرهف وصوت قوي ذو نبرات مميزة. أتقنت الإلقاء بالفصحى بنفس براعتها بالعامية، وتميزت في الإلقاء الشعري تميزًا نادرًا بين ممثلي جيلها.
ومن السمات التي رصدها الكتاب تفردها بمنهج أدائي خاص بها في فن الإلقاء، إذ اعتمدت على التفاوت في درجات التأكيد بين كلمات الجملة الواحدة، خلافًا للقواعد التقليدية في الأداء. كما تطور أداؤها في مراحلها المتأخرة نحو مدرسة «التمثيل بلا تمثيل»، أي الأداء الطبيعي التلقائي البعيد عن المبالغة والافتعال.
الانضباط والزهد عن الأضواء
لم تكن أمينة رزق نجمة بالمعنى الاستعراضي، بل التزمت بتقاليد فنية صارمة: الدقة في المواعيد، احترام رؤية المخرج، التعاون الودود مع الزملاء، ورعاية الوجوه الجديدة. زهدت عن مظاهر النجومية الزائفة، وآمنت بأن أي خلاف خلف الكواليس ينعكس حتمًا على العمل نفسه.
وكانت شديدة الانتقائية في اختيار أعمالها ومخرجيها، لا تتعاون إلا مع كبار المخرجين أصحاب الرؤى الفنية المتكاملة من مختلف الأجيال. واشتهرت بدراستها العميقة لأبعاد الشخصية الدرامية الثلاثة — المادي والاجتماعي والنفسي — واهتمامها بأدق التفاصيل، من تصميم الملابس وألوانها إلى الإكسسوارات والمكياج المناسب لعمر الشخصية ومكانتها الاجتماعية.
التكريم الذي يليق بمسيرة استثنائية
تُوّجت مسيرة أمينة رزق بعدد من أرفع الأوسمة والجوائز: وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من الرئيس جمال عبد الناصر، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1946، والجائزة الأولى في التمثيل عن «دعاء الكروان» عام 1959، وجائزة الدولة التقديرية عام 1996، و كُرّمت في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان المركز الكاثوليكي المصري للسينما في مناسبات عدة، وصدر قرار رئاسي بتعيينها عضوًا في مجلس الشورى المصري عام 1991، وهو تكريم رسمي رفيع نادرًا ما يُمنح لرموز الفن.
الختام الذي يليق بأسطورة
كان آخر أفلامها «الكلام في الممنوع» عام 2000، وآخر ظهور تلفزيوني لها في «أدهم وزينات والثلاث بنات» عام 2003، عام رحيلها، بين «سعاد الغجرية» و«الكلام في الممنوع»، امتدت مسيرة استثنائية جعلتها صاحبة ثاني أطول مسيرة فنية في تاريخ السينما العربية.
رحلت أمينة رزق في 24 أغسطس 2003 عن عمر ناهز 93 عامًا، إثر هبوط حاد في الدورة الدموية، بعد صراع مع المرض استمر شهرين، تاركة خلفها إرثًا لا تحصيه الأرقام وحدها، رغم ضخامتها، بل يحصيه الأثر الذي تركته في وجدان كل من شاهدها تجسد الأمومة المصرية بصدق لا يتكرر — تلك الراهبة التي اختارت الفن دينًا، والأمومة السينمائية رسالة، ولم تنكسر يومًا أمام الأقدار، كما لم تنكسر شخصياتها التي جسّدتها على مدار أكثر من سبعين عامًا.