محمد في عيون الغرب.. فلاسفة ومفكرون يكشفون عظمة صاحب الرسالة
لم يكن إنصاف النبي محمد ﷺ حكرًا على أتباعه ومحبيه من المسلمين في أرجاء العالم، لكنه تجاوز حدود الدين الإسلامي واللغة العربية والجغرافيا في الشرق الأوسط ليصل إلى عقول فلاسفة الغرب ومستشرقيه وقادته الروحيين في قارات العالم الست، ممن وقفوا أمام سيرته العطرة مبهورين، فسجلوا شهاداتهم بأقلامهم لا بألسنتهم، تاركين إرثًا فكريًا يوثق كيف انحنت العبقريات أمام عبقرية واحدة استثنائية.
الأصوات تتوحد رغم اختلاف المشارب
فمن المؤلف الإيرلندي/ الإنجليزي الشهير برنارد شو إلى «غاندي» في الهند ومن «تولستوي» في روسيا، إلى «جوته» في ألمانيا و «لامارتين» في فرنسا، وغيرهم الكثير، توحدت الأصوات رغم اختلاف المشارب والعقائد على معنى واحد: أن محمدًا ﷺ لم يكن مجرد قائد ديني، بل كان ظاهرة إنسانية فريدة، جمعت بين النبوة والقيادة، وبين التشريع والرحمة، وبين الحكمة والتواضع. هذه شهادات مضيئة، ننقلها كما وردت، تروي كيف رأى الآخر رسول المحبة والسلام رسول الإسلام.
برنارد شو: «يجب أن يُدعى منقذ البشرية»
وقال الكاتب والمفكر الإنجليزي جورج برنارد شو (George Bernard Shaw) : «إن البشرية لتعشَق أن تحذوَ حذوَ محمد لو أتيح لها أن تراه، وإنني طالعتُ سيرته فوجدتها رجلًا مذهلًا، ووجدته بعيدًا كل البعد عن أن يكون دمشقيًا أو شريرا، بل يجب أن يُدعى منقذ البشرية.. ولسنا نجد في سيرته إلا الخُلُق العظيم»
وتكتسب شهادة برنارد شو وزنًا خاصًا كونها صادرة عن أحد أبرز الكتّاب والمفكرين في الأدب الإنجليزي الحديث، وهو رجل عُرف بجرأته النقدية ومساءلته للمسلمات، لا بميله للمجاملة أو المديح المجاني، فحين يصف محمدًا ﷺ بأنه «منقذ البشرية»، ويؤكد أنه لا يجد في سيرته «إلا الخُلُق العظيم»، فإنه ينطلق من قراءة موضوعية متجردة، لا من عاطفة دينية أو انحياز مسبق.
تكشف شهادة برنارد شو عن مفارقة جوهرية: أن الصورة المشوهة التي حاول بعض المستشرقين ترويجها عن النبي ﷺ تتهاوى أمام أول قراءة متأنية ومنصفة لسيرته، وهو ما عبّر عنه شو بوضوح حين نفى عنه صفتي الدجل والشر، التي حاول خصومه إلصاقها به عبر التاريخ. بهذه الشهادة، ينضم برنارد شو إلى الجوقة الكبيرة من عقول الغرب التي وقفت مبهورة أمام عظمة رجل غيّر مجرى التاريخ الإنساني بأخلاقه قبل سيفه.
غاندي: سراج البساطة والصدق
قال الزعيم الهندي الراحل المهاتما غاندي كان من أكثر المعجبين بسيد الخلق، حيث قال: «أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك، دون نزاع، قلوب ملايين البشر. لقد أصبحت مقتنعًا كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته، هذه الصفات هي التي مهدت الطريق، وتخطت المصاعب، وليس السيف، وبعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول، وجدت نفسي آسفًا لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر على حياته العظيمة».
وشهادة «غاندي» تكتسب مصداقية مضاعفة كونها صادرة عن رمز عالمي للسلام واللاعنف، ليؤكد أن قوة الرسول ﷺ كانت في صدقه وأخلاقه لا في سيفه.
ويقول أستاذ الفلسفة الهندي راما كريشنا فى كتابه «محمد النبي»: «لا يمكن معرفة شخصية محمد بكل جوانبها، لكن كل ما في استطاعتي أن أقدمه هو نبذة عن حياته من صور متتابعة جميلة، فهناك محمد النبي، ومحمد المحارب، ومحمد رجل الأعمال، ومحمد رجل السياسة، ومحمد الخطيب، ومحمد المصلح، ومحمد ملاذ اليتامى، وحامي العبيد، ومحرر النساء، ومحمد القاضي، كل هذه الأدوار الرائعة في كل دروب الحياة الإنسانية تؤهله لأن يكون بطلًا».
هارت: النبي «محمد »الأول في قائمة الأكثر تأثيرًا
وقال الفيزيائي والفلكي الأمريكي مايكل هارت (Michael H. Hart ) صاحب كتاب «العظماء المائة»: «ربما يسبب اختياري لمحمد ليكون الأول في قائمة أكثر المؤثرين في العالم دهشة لبعض القراء، وتساؤلات من البعض الآخر، ولكنه كان الشخص الوحيد في التاريخ الذي نجح بتفوق في المستويين الديني والدنيوي، محتمل أن يكون تأثير محمد على الإسلام أكبر من تأثير المسيح وبولس مجتمعين على المسيحية. إنه مزيج لا مثيل له من التأثير الدنيوي والديني، مما يجعلني أشعر أنه الفرد الأكثر تأثيرًا في تاريخ البشرية».
يصدر هذا الترتيب عن عالم فيزياء وفلك اعتاد الدقة والمنهج العلمي في الحكم، لا عن رجل دين أو مؤرخ، اتصبح الشهادة أقرب إلى معادلة موضوعية منها إلى انطباع عابر.
وقال المستشرق الأماني جوستاف فايل: «كان محمد قدوة ساطعة لقومه، شخصيته نقية وغير قابلة لما قد يكدر نقاءها.، تميز بيته وملبسه وطعامه ببساطة نادرة، وكان من تواضعه أنه لا يتلقى من أتباعه أي إشارات خاصة من المبالغة في التبجيل، ولم يكن يقبل من خادمه خدمةً ما يقدر هو على فعلها بنفسه. وكانت مقابلته متاحة للجميع. في جميع الأوقات، كان يعود المرضى، وكان يمتلئ عطفًا على الجميع. وكانت نزعته للخير ومروءته بلا حدود، كما كان شديد الحرص على خير مجتمعه».
جوته: النبي ﷺ النهر العظيم الذي أحنى العالم
وتأتي ثلاث شهادات ألمانية وبريطانية متعاقبة، من شاعر وفيلسوف ومستشرقتين متخصصتين، تتقاطع كلها عند معنى واحد: أن محمدًا ﷺ قدوة إنسانية متفردة تتجاوز حدود المقارنة، حتى أن أوروبا بحداثتها الفكرية لم تبلغ بعد ما بلغه.
ونجد الفيلسوف الألماني الشهير يوهان غوته «جوتة» (Johann Goethe) يظهر إعجابا فائقا بالنبي ﷺ ونظم فيه قصيدة فلسفية شهيرة تشبه النبي بالنهر العظيم الذي يتدفق ليحيي الأرض، وقال في كتابه «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي: «لقد بحثت في العالم عن قدوة، وها أنا ذا قد وجدت النبي محمد، لذلك يجب إظهار الحقيقة وإعلانها، لقد نجح، إنه الذي أحنى العالم بكلمة التوحيد»، ولقد كان جوته يشدد على أن محمدًا لم يكن شاعرًا ولا مبتدعًا، وانطلاقًا من ذلك يرى أنه يجب الاعتراف بالقرآن كشريعة.
وكتب «جوته» أيضًا: «إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، ولن يتقدم عليه أحد»
وأكدت الكاتبة ــ واحدة من أشهر المستشرقين الألمان على المستوى الدولي ــ أنّا ماري شيمل أن محمدًا هو القدوة الحقيقية لكل إنسان يريد أن يبدأ طريقه نحو السعادة، وأن هذا النبي سيبقى أبد الدهر قدوة حسنة؛ لأن شخصية النبي محمد شخصية متفردة، ولذا فإنه يجب على العلماء عدم مقارنته بأي شخصية من الحكام أو الساسة أو أي صاحب منصب.
وقالت الكاتبة البريطانية، الراهِبة السابقة كارين آرمسترونغ (Karen Armstrong ): «لقد قدَّم مُحمدٌ الشخصية المثالية دُروسًا مُهمَّةً للبشرية، ليس للمسلمين فحسْب، بل ولأهل الغرب أيضًا.
العبقرية العقلية والإصلاح الاجتماعي
وركّز الفلاسفة الغربيون خاصةعلى العبقرية العقلية، والإصلاح الاجتماعي، وعمق التأثير الروحي للنبي محمد ﷺ، ورأوا فيه نموذجا فريدا يجمع بين حكمة الفيلسوف، وعدالة المشرّع، وقوة القائد.
وكتب المفكر الفرنسي ألفونس دو لامارتين (Alphonse de Lamartine) في كتابه «تاريخ تركيا»، حيث يقول: «قام محمد بعمل لا يتناسب إطلاقًا مع قدرة القوى الإنسانية، إذ لم يكن يملك وسيلة تساعده في تحقيق هدفه سوى نفسه ومجموعة من البدائيين القادمين من أطراف الصحراء».
ثم يضيف «دو لامارتين» قائلًا: «ما من إنسان استطاع إنجاز ثورة حققت مثل هذا الانتشار الواسع في العالم، ودامت كل هذا الزمن، وذلك خلال فترة قصيرة جدًا؛ إذ إنه، وبعد أقل من قرنين على تبشيره بالإسلام، انتشر الإسلام عبر الدعوة والجهاد، وسيطر على مناطق الجزيرة العربية الثلاث، وفتح، بوحدانية الله، بلاد فارس وخراسان وترانزوكسيان (أوزبكستان وبلاد ما وراء النهر)، والهند الغربية، وسورية، ومصر، وإثيوبيا، وكل القارة المعروفة في إفريقيا الشمالية، وعدة جزر في البحر المتوسط، وإسبانيا، وجزءًا من بلاد الغال (فرنسا)».
وتابع «لامارتين» بقوله: «إذا كانت الضوابط التي نقيس بها عبقرية الإنسان هي سمو الغاية والنتائج المذهلة لذلك، رغم قلة الوسيلة، فمن ذا الذي يجرؤ أن يقارن أيًّا من عظماء التاريخ الحديث بالنبي محمد في عبقريته؟ فهؤلاء المشاهير قد صنعوا الأسلحة، وسنّوا القوانين، وأقاموا الإمبراطوريات، فلم يجنوا إلا أمجادًا بالية لم تلبث أن تحطمت بين ظهرانيهم. لكن هذا الرجل لم يقد الجيوش، ويسنّ التشريعات، ويقم الإمبراطوريات، ويحكم الشعوب، ويروّض الحكام فقط، وإنما قاد الملايين من الناس فيما كان يُعدّ ثلث العالم حينئذٍ. ليس هذا فقط، بل إنه قضى على الأنصاب والأزلام والأديان والأفكار والمعتقدات الباطلة».
«هذا هو محمد، الفيلسوف، الخطيب، النبي، المشرّع، المحارب، قاهر الأهواء، مؤسس المذاهب الفكرية التي تدعو إلى عبادة حقة، بلا أنصاب ولا أزلام. هو المؤسس لعشرين إمبراطورية في الأرض، وإمبراطورية روحانية واحدة».
كارلايل: النبي ﷺ سراج منير أضاء العالم
خصص الفيلسوف والمؤرخ الإنجليزي توماس كارليل (Thomas Carlyle) في كتابه الشهير «الأبطال وعبادة الأبطال» فصلًا كاملًا لإنصاف النبي ﷺ بعنوان (البطل في صورة رسول)، ومما قاله: «لقد كان في فؤاد هذا الرجل الكبير، العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرًا وحنانا، أفكار غير طمع الدنيا.. إني لأحب محمداً لبراءة طبعه من الرياء والتصنع.. إنه سراج منير أضاء العالم»
وردّ «كارليل» بجرأة على من اتهموا النبي ﷺ بالكذب قائلًا: «من العار أن يصغي أي إنسان متمدن من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين بأن دين الإسلام كذب، وأن محمدًا خدّاع ومزور.. إن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت حتى الآن هي السراج المنير لـ 180 مليونًا من البشر (في عصره)، فهل رأيتم قط أن رجلًا كاذبًا يستطيع أن يوجد دينًا عادلاً؟»
تولستوي: هادي الأمة إلى نور الحق
انبهر الفيلسوف والروائي الروسي ليو تولستوي (Leo Tolstoy) بالتشريعات والأخلاق الإسلامية، وانبهر بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم، وظهر ذلك واضحًا في مؤلفاته يقول في مقالة له بعنوان «مَن هو محمد؟»: «إن محمدًا مؤسس ورسول، وكان من عظماء الرجال الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة، ويكفيه فخرًا أنه هدى أمة كاملة إلى نور الحق، وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام، وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهو عمل عظيم لا يُقدم عليه إلا شخص أوتي قوة، ورجل مثله جدير بالاحترام والإجلال».
وجاء بكتابة أخرى للروسي ليو تولستوي: «يكفي محمدا فخراً أنه خلّص أمة ذليلة همجية من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم، وإن شريعة محمد ستسود العالم لكونها تتفق مع العقل والحكمة» وأضاف في رسائله: «أنا أرى أن محمداً من عظام الرجال، الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة».
فولتير وميتشنر: العقل والعملية
والمفكر والفيلسوف الفرنسي فولتير (Voltaire) رغم موقفه الصارم من الأديان في البداية، إلا أنه بعد دراسة عميقة للتاريخ الإسلامي أنصف النبي ﷺ في كتابه «بحث في العادات والروح العامة للأمم"، حيث كتب: «إن محمدا كان بلا شك رجلًا عظيمًا جدًا، وقد ربّى رجالًا عظماء.. كان مصلحاً ومشرعاً فذاً، غيّر وجه الجزيرة العربية، ونقل قومه من الوثنية والجهل إلى التوحيد والنظام»
ويقول الكاتب والروائي والقاص الأمريكي جيمس ألبرت ميتشنر(James A. Michener ) : «لقد كان محمد عمليًّا جدًا في كل الأمور، فعندما مات ابنه المحبوب إبراهيم، وحدث خسوف للشمس، وظهرت الشائعات بأن هذا يُعدّ تعزية من الله له، قام وأعلن أن هذا الخسوف ليس سوى ظاهرة طبيعية (آية من آيات الله)، وليس من المعقول أن يكون بسبب موت أو مولد إنسان».
واكستون: النبي محمد قائد بلا نظير
وقال العالم الإيطالي واكستون (Wakston )، وهو أحد رواد الطباعة في العالم لو سألني أحدهم فقال: «من هو محمد الذي تمدحه كل هذا المديح؟» لقلت له بكل أدب واحترام: «إن هذا الرجل المشهور، وإن هذا القائد الذي لا نظير له، علاوة على كونه مبعوثًا من الله، هو رئيس حكومة إسلامية كانت ملجًأ وملاذًا لكل المستضعفين والمسلمين، وحاميةً لمصالحهم الاجتماعية، فإن محمدًا، الذي يُعد بانيَ تلك الحكومة ومؤسسها، كان قائدًا سياسيًّا بكل ما لهذه الكلمة من معنى»، وفي قول واكستون يركز على العبقرية السياسية والإدارية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بجانب نبوته.
كارديفو : النبي الملهم والمؤمن
وقال الفيلسوف والمستشرق والمترجم والمفكر الفرنسي كارديفو ( Carra de Vaux): «إن محمدًا كان هو النبي الملهم والمؤمن، ولم يستطع أحد أن ينازعه المكانة العالية التي كان عليها. إن شعور المساواة والإخاء الذي أسسه محمد بين أعضاء الكتلة الإسلامية كان يُطبَّق عمليًّا حتى على النبي نفسه».
وشهادة الفرنسي كارديفو عن الرسول محمد صلى الله عليهم وسلم تلفت إلى بُعد نادرًا ما يُلتفت إليه، وهو أن المساواة التي أرساها النبي ﷺ لم تكن شعارًا نظريًا يُطبَّق على الأتباع دون القائد، بل كانت قاعدة عملية شملته هو نفسه أولًا، في مفارقة لافتة عن أغلب النماذج التاريخية للقيادة.
إيرفين: العدل بلا استثناء في شخصية النبي محمد
وعن عدل رسول الله يقول الكاتب والدبلوماسي والمؤرخ الأمريكي واشنطن إيرفينغ (Washington Irving) : «لقد كان عادلًا في تعاملاته، وعامل الأصدقاء والأجانب، والأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء بالسوية، وكان محبوبًا من العامة لدماثة خلقه معهم واستماعه لشكاويهم، لم توقظ انتصاراته العسكرية أي روح للفخر أو الاختيال أو الاستغلال في الأغراض الشخصية الضيقة، لقد ظلت بساطته في المظهر والمعاملات كما هي، سواء أيام مجده أو أيام محنته، وبعيدًا عن التأثر بالملك، كان يكره، عندما يدخل مكانًا، أي مبالغات في الاحترام».
ويقول: «بالرغم من انتصارات محمد العسكرية، لم تُثِر هذه الانتصارات كبرياءه أو غروره، فقد كان يُحارب من أجل الإسلام، لا من أجل مصلحة شخصية، وحتى في أوج مجده حافظ الرسول على تواضعه وبساطته، فكان يمنع أصحابه، إذا دخل عليهم، أن يقوموا له أو يُبالغوا في الترحيب به، وإن كان قد هدف إلى تكوين دولة عظيمة، فإنها كانت دولة الإسلام، وقد حكم فيها بالعدل، ولم يُفكِّر أن يجعل الحكم وراثيًا لأسرته.
يرصد الأمريكي واشنطن إيرفينغ، بعين المؤرخ الدقيقة، أندر ما يمتحن به القادة: ثبات الخُلُق أمام النصر، فالرجل الذي فتح ثلث العالم لم يسمح لأصحابه بأن يقوموا له إجلالًا، ولم يورّث الحكم لأبنائه، مؤسسًا دولة لا سلالة.
هكذا تتوالى شهادات الغرب من مشارب مختلفة لتُجمع على حقيقة واحدة: أن محمدًا ﷺ لم يكن قائدًا فرضته الظروف أو الزمن، بل كان استثناءً إنسانيًا أنصفه عقل كل من قرأ سيرته بتجرد، ليبقى، كما قال جوته، رجلًا لم تصل أوروبا بعد إلى ما وصل إليه.