الغرفة العربية: العالم العربي والبرازيل قادران على المشاركة في رسم الخريطة الاقتصادية الجديدة
أكد الدكتور خالد حنفي، الأمين العام لاتحاد الغرف العربية، أن العلاقات الاقتصادية بين العالم العربي والبرازيل تقف أمام فرصة تاريخية للانتقال من تبادل السلع إلى صناعة القيمة المشتركة، ومن العلاقات التجارية التقليدية إلى شراكات أوسع في مجالات الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا وسلاسل القيمة، مشددًا على امتلاك الجانبين مقومات تؤهلهما للمشاركة في صياغة ملامح الاقتصاد العالمي الجديد.
جاء ذلك خلال الكلمة الافتتاحية التي ألقاها حنفي في الدورة الخامسة للمنتدى الاقتصادي للبرازيل والدول العربية، المنعقدة في مدينة ساو باولو تحت عنوان «اقتصاد عالمي في طور التحول: أجندة جديدة بين البرازيل والدول العربية»، برعاية الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا داسيلفا، وبمشاركة رؤساء اتحادات الغرف العربية وعدد من السفراء العرب المعتمدين لدى البرازيل، إلى جانب أكثر من 400 شخصية من الوزراء ورجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين.
وشهدت الجلسة الافتتاحية كلمات لكل من وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا، ووزير التخطيط والتنمية الاقتصادية في جمهورية مصر العربية أحمد رستم، وأمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي، ورئيس الغرفة التجارية العربية البرازيلية ويليام أديب ديب جونيور، وعميد مجلس السفراء العرب وسفير المملكة المغربية نبيل الدغوغي.
وقال حنفي إن العالم لا يمر بمجرد مرحلة من التغير الاقتصادي، وإنما يشهد إعادة تشكيل لقواعد الاقتصاد العالمي، في ظل تحولات جيوسياسية تعيد رسم خريطة التجارة، وتطورات في الذكاء الاصطناعي تعيد تعريف الإنتاجية، وتحول أخضر يعيد تشكيل الصناعة والاستثمار، فضلًا عن اضطرابات متلاحقة في سلاسل الإمداد والممرات التجارية.
وأضاف: «لم يعد السؤال هو: كيف نزيد حجم التجارة بين البرازيل والعالم العربي؟ بل كيف نحول هذه العلاقة من تبادل السلع إلى صناعة القيمة معًا؟».
وأوضح الأمين العام لاتحاد الغرف العربية أن التكامل بين الجانبين يتجاوز المفهوم التقليدي للتجارة، موضحًا أن البرازيل تمتلك قدرات عالمية في مجالات الغذاء والزراعة والطاقة والمعادن والصناعة والتكنولوجيا، بينما يمتلك العالم العربي رأس المال والأسواق والطاقة والموانئ والمناطق الاقتصادية وشبكات لوجستية متطورة، فضلًا عن موقع استراتيجي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
ودعا حنفي إلى الانتقال من مفهوم «الميزة النسبية» إلى مفهوم أكثر تقدمًا يتمثل في «الميزة التعاونية»، بحيث لا يكتفي كل طرف باستغلال ما يمتلكه من مزايا، وإنما يعمل الجانبان على صناعة ميزة تنافسية جديدة بشكل مشترك.
وقال: «المقياس الحقيقي للشراكة ليس حجم ما نتبادله من سلع، بل حجم ما نصنعه من قيمة معًا.. والمستقبل ليس أن نبيع لبعضنا أكثر فقط، وإنما أن ننتج معًا أكثر».
وتناول حنفي تأثير الأزمات الجيوسياسية على حركة التجارة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد، مؤكدًا أن التجارب الأخيرة أثبتت أن الكفاءة من دون مرونة قد تتحول إلى هشاشة.
وأوضح أن الأزمة التي تبدأ في ممر بحري استراتيجي يمكن أن تنتقل سريعًا من السياسة إلى تكلفة الشحن، ثم إلى التأمين والإنتاج والأسعار والتضخم وصولًا إلى المستهلك النهائي.
وقال: «الجغرافيا السياسية خرجت من وزارات الخارجية ودخلت ميزانيات الشركات ومجالس إداراتها».
وأكد أن مفهوم الممر التجاري تغير، فلم يعد يقتصر على ميناء وسفينة أو خط يربط بين نقطتين، وإنما أصبح منظومة اقتصادية متكاملة تشمل الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمناطق الاقتصادية والطاقة والتمويل والتأمين والجمارك والبيانات والاتصال الرقمي.
ودعا إلى تطوير شبكة من الممرات الاقتصادية المرنة التي تربط البرازيل بالعالم العربي، ومن خلال المنطقة العربية بالأسواق الأفريقية والآسيوية والأوروبية، بما يعزز دور العالم العربي بوصفه بوابة عالمية للتجارة والاستثمار البرازيلي.
وأشار إلى أن مستقبل التجارة العالمية سيتحرك بالتوازي عبر الممرات المادية والممرات الرقمية، بما يتطلب ربط الجمارك والموانئ وشهادات المنشأ والمنصات المالية والتأمينية وتبادل البيانات.
وقال: «هدفنا يجب أن يكون أن تصل المعلومة قبل أن تصل السلعة؛ فالوقت أصبح تكلفة، والبيانات أصبحت بنية تحتية، والثقة الرقمية أصبحت ميزة تنافسية».
إعادة تعريف مفهوم المرونة الاقتصادية
وأكد حنفي أن مفهوم المرونة الاقتصادية يحتاج إلى إعادة تعريف، موضحًا أن المرونة الحقيقية لا تعني فقط قدرة الاقتصاد على التعافي بعد الأزمة، وإنما تصميم الاقتصاد منذ البداية بحيث يستطيع الاستمرار في العمل أثناء الأزمات.
وأشار إلى أن تحقيق ذلك يتطلب تنويع الموردين والمسارات، وتطوير نظم الإنذار المبكر، وإنشاء مخزون استراتيجي ذكي، وتوفير أدوات التمويل والتأمين، إلى جانب الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية.
وأضاف: «الاقتصاد الأقوى ليس الاقتصاد الذي لا يتعرض للصدمات، وإنما الاقتصاد المصمم لامتصاصها والاستمرار رغمها».
إطلاق تحالف القيمة العربي البرازيلي
وخلال كلمته، طرح حنفي مبادرة جديدة تحت اسم «BRAVA – Brazil–Arab Value Alliance»، أو «تحالف القيمة العربي البرازيلي»، بهدف إنشاء منصة تنفيذ يقودها القطاع الخاص، وليس كيانًا بيروقراطيًا أو منتدى جديدًا، بما يسمح بالانتقال بالعلاقات العربية البرازيلية من الحوار إلى مشروعات واستثمارات قابلة للتنفيذ.
وتقوم المبادرة على خمسة مسارات رئيسية تشمل الأعمال والاستثمار، وسلاسل الإمداد المرنة، والأمن الغذائي والطاقة، وسلاسل القيمة المشتركة، والذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية المتقدمة.
واقترح حنفي أن تبدأ المبادرة بثلاثة مخرجات عملية، تتمثل في إعداد قائمة بالمشروعات العربية البرازيلية القابلة للتمويل والتنفيذ، ووضع خريطة للممرات والبدائل اللوجستية تقارن بين الوقت والتكلفة والمخاطر والموثوقية، إلى جانب إطلاق مسار سريع لربط الشركات الصغيرة والمتوسطة بالشركاء والتمويل والأسواق.
وشدد على أن نجاح المبادرة لا ينبغي أن يقاس بعدد الاجتماعات أو المؤتمرات، وإنما بعدد المشروعات التي يتم تنفيذها، وحجم الاستثمارات التي يتم تحريكها، وعدد الشركات التي يتم ربطها، وفرص العمل التي يتم خلقها.
وقال: «العالم لا يحتاج منصة أخرى للحوار فقط.. بل يحتاج منصة للتنفيذ».
وأكد الأمين العام لاتحاد الغرف العربية أن التعاون بين البرازيل والعالم العربي يحمل أبعادًا تتجاوز العلاقات الثنائية، موضحًا أن البرازيل تمثل بوابة لأمريكا اللاتينية، بينما يتمتع العالم العربي بموقع استراتيجي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا.
ودعا إلى الانتقال من مفهوم «التجارة بين دول الجنوب» إلى «صناعة القيمة المشتركة بين دول الجنوب»، بما يشمل الاستثمار والإنتاج والابتكار والوصول المشترك إلى الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن اتحاد الغرف العربية، من خلال شبكته من الغرف والاتحادات والغرف العربية الأجنبية المشتركة، يستطيع أداء دور محوري في هذا التحول، عبر ربط القطاع الخاص بصناع القرار، والمستثمرين بالمشروعات، والتمويل بالفرص، وتحويل المعرفة إلى استثمارات وتنمية وفرص عمل.
واختتم حنفي كلمته بالتأكيد على ضرورة أن يكون العالم العربي والبرازيل جزءًا من صناعة التحولات الاقتصادية العالمية، قائلًا: «هناك دول وشركات ستقضي السنوات القادمة في محاولة التكيف مع الاقتصاد العالمي الجديد، وهناك دول وشركات ستشارك في صناعته.. وأنا أريد للبرازيل والعالم العربي أن يكونا من صناع هذا العالم، لا مجرد المتكيفين معه».
وأضاف: «فإما أن نشارك في تشكيل المستقبل، أو سنتكيف مع مستقبل شكله الآخرون.. دعونا لا نكتفي بالتكيف مع المستقبل، بل نصنعه معًا