في ذكرى رحيله.. نجيب محفوظ أديب نوبل الذي عبرت رواياته إلى الشاشة
تحل اليوم ذكرى رحيل الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي لم يكن مجرد روائي مصري حصد جائزة نوبل في الأدب، بل كان واحدًا من أبرز الأدباء الذين قدموا قراءة عميقة للمجتمع المصري، وكشفوا تفاصيل النفس الإنسانية، ورصدوا التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها المجتمع على مدار عقود.
وظلت أعمال نجيب محفوظ محط أنظار صناع السينما والدراما، لما تحمله من شخصيات ثرية وحكايات متشابكة وقضايا اجتماعية وإنسانية، وهو ما جعل عددًا كبيرًا من رواياته وقصصه ينتقل إلى الشاشة، على يد نخبة من كبار المخرجين، من بينهم صلاح أبو سيف، كمال الشيخ، حسام الدين مصطفى، حسين كمال، وعاطف الطيب.
وتنوعت الأعمال التي انتقلت من عالم محفوظ الأدبي إلى السينما بين الروايات والمجموعات والقصص القصيرة، بينما أصبحت بعض الأفلام المأخوذة عن أعماله علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية.
نجيب محفوظ.. رحلة بدأت من الفلسفة
وُلد نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا في حي الجمالية بالقاهرة في 11 ديسمبر 1911، وتخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة، قسم الفلسفة.
وبعد تخرجه اتجه إلى دراسة الفلسفة الإسلامية، لكنه لم يستكمل رسالة الماجستير، بعدما انشغل بالمشروع الأدبي، ليبدأ رحلة طويلة مع الكتابة، امتدت لعقود، قدم خلالها عشرات الروايات والمجموعات القصصية.
بدأ محفوظ مشواره الأدبي من بوابة القصة القصيرة، ونشر أولى قصصه في مجلة «الرسالة» عام 1936، قبل أن يصدر روايته الأولى «عبث الأقدار» عام 1939، ثم «رادوبيس» و«كفاح طيبة»، وهي الأعمال التي عكست اهتمامه في بداياته بالتاريخ المصري.
ومع مرور السنوات، انتقل في كتاباته إلى الواقع الاجتماعي والسياسي، وقدم شخصيات تنتمي إلى طبقات مختلفة من المجتمع، وهو ما جعل أعماله مادة خصبة أمام صناع السينما.
«بين السماء والأرض».. عمل كتب للسينما
من الأعمال المبكرة التي ارتبطت باسم نجيب محفوظ فيلم «بين السماء والأرض» عام 1959.
وتدور أحداث الفيلم حول مجموعة من الأشخاص تجمعهم الصدفة داخل مصعد كهربائي، قبل أن يتعطل بهم ويصبحون عالقين بداخله، لتدفع الأزمة كل شخصية إلى استعادة ذكرياتها ومراجعة مواقفها ومواجهة نفسها.
وكتب نجيب محفوظ قصة الفيلم، بينما شارك صلاح أبو سيف والسيد بدير في كتابة السيناريو، وانفرد السيد بدير بكتابة الحوار، وأخرج الفيلم صلاح أبو سيف.
وشارك في البطولة هند رستم، محمود المليجي، عبد السلام النابلسي، عبد المنعم إبراهيم، وعبد المنعم مدبولي.
«بداية ونهاية».. أول رواية لمحفوظ على الشاشة
شهد عام 1960 انتقال رواية «بداية ونهاية» إلى السينما، وتدور أحداثها حول أسرة تتعرض لانهيار كبير بعد وفاة الأب، المعيل الوحيد لها، فيسلك الأبناء طرقًا مختلفة بحثًا عن مستقبل أفضل، قبل أن تتقاطع مصائرهم بصورة مأساوية.
وكان «بداية ونهاية» أول رواية لنجيب محفوظ تتحول إلى فيلم سينمائي، وأخرج العمل صلاح أبو سيف، وشارك في بطولته فريد شوقي، عمر الشريف، سناء جميل، صلاح منصور، وأمينة رزق.
وحقق الفيلم حضورًا بارزًا، وكان من الأعمال التي ساهمت في لفت أنظار السينمائيين بصورة أكبر إلى عالم نجيب محفوظ الأدبي.
«اللص والكلاب».. رحلة الانتقام
وفي عام 1962، تحولت رواية «اللص والكلاب» إلى فيلم سينمائي حمل الاسم نفسه.
وتدور الأحداث حول سعيد مهران، الذي يخرج من السجن بعد قضاء عقوبته، ليكتشف أن حياته تغيرت، وأن زوجته تزوجت من مساعده القديم، بينما تخلى عنه صديقه السابق الذي أصبح صحفيًا معروفًا.
يدخل سعيد في رحلة انتقام من الأشخاص الذين يرى أنهم خانوه، لكن محاولاته تقوده إلى مزيد من الجرائم والمطاردة.
أخرج الفيلم كمال الشيخ، وكتب السيناريو صبري عزت، والحوار علي الزرقاني، وشارك في بطولته شكري سرحان، شادية، كمال الشناوي، وفاخر فاخر.
«زقاق المدق».. الحارة المصرية على الشاشة
وفي عام 1963، قدمت السينما فيلم «زقاق المدق»، المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ التي تحمل الاسم نفسه.
وتدور الأحداث داخل أحد أحياء القاهرة الشعبية، حيث تتشابك حياة مجموعة من الشخصيات، وعلى رأسها حميدة، التي تحلم بالخروج من حياة الفقر والانتقال إلى عالم أكثر ثراءً وبريقًا.
أخرج الفيلم حسن الإمام، وشارك في بطولته شادية، صلاح قابيل، يوسف شعبان، حسين رياض، وعبد الوارث عسر.
«الطريق».. البحث عن الأب والحقيقة
عام 1964، وصلت رواية «الطريق» إلى الشاشة، من خلال فيلم أخرجه حسام الدين مصطفى.
وتدور الأحداث حول صابر الرحيمي، الذي يعرف من والدته حقيقة والده، فيقرر البحث عنه، معتقدًا أن العثور عليه سيمنحه الاستقرار والإجابة عن الأسئلة التي تلاحقه.
لكن رحلته إلى القاهرة تضعه أمام سلسلة من الاختبارات والاختيارات، وتدفعه إلى مواجهة ذاته.
كتب السيناريو والحوار حسين حلمي المهندس، وشارك في بطولة الفيلم رشدي أباظة، شادية، سعاد حسني، وتحية كاريوكا.
«القاهرة 30».. من «القاهرة الجديدة» إلى الشاشة
وفي عام 1966، تحولت رواية «القاهرة الجديدة» إلى فيلم «القاهرة 30».
وتدور الأحداث في ثلاثينيات القرن الماضي حول محجوب عبد الدايم، الشاب الفقير الذي يبحث عن وظيفة، قبل أن يجد نفسه أمام عرض يضعه في قلب شبكة من العلاقات القائمة على الفساد والاستغلال.
ويقبل محجوب الزواج صوريًا من إحسان، عشيقة أحد البكوات، مقابل الحصول على وظيفة، ليبدأ في الانخراط في عالم جديد من النفوذ والفساد.
أخرج الفيلم صلاح أبو سيف، وشارك في كتابة السيناريو إلى جانب علي الزرقاني ووفيق خيري، بينما كتب الحوار لطفي الخولي، وشارك في البطولة سعاد حسني، أحمد مظهر، وحمدي أحمد.
«السمان والخريف».. التحولات السياسية والاجتماعية
وفي عام 1967، قدمت السينما فيلم «السمان والخريف»، المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ التي تحمل الاسم نفسه.
ويتناول الفيلم شخصية عيسى الدباغ، الذي يفقد مكانته السياسية بعد التحولات التي أعقبت ثورة يوليو، ويدخل في حالة من الاغتراب، قبل أن تتغير حياته بعد لقائه بريري.
شارك نجيب محفوظ في كتابة السيناريو إلى جانب أحمد عباس صالح، وأخرج الفيلم حسام الدين مصطفى، وشارك في بطولته محمود مرسي، نادية لطفي، عبد الله غيث، عادل أدهم، وميمي شكيب.
«ثرثرة فوق النيل».. مرآة لمجتمع ما بعد النكسة
وفي عام 1971، انتقلت رواية «ثرثرة فوق النيل» إلى السينما من خلال فيلم أخرجه حسين كمال وكتب السيناريو ممدوح الليثي.
وتدور الأحداث داخل عوامة على النيل، حيث تجتمع مجموعة من الشخصيات التي تحاول الهروب من واقعها ومشكلاتها، في أجواء تعكس جانبًا من الحالة الاجتماعية والنفسية التي عاشها المجتمع المصري في أعقاب هزيمة 1967.
شارك في بطولة الفيلم أحمد رمزي، ميرفت أمين، سهير رمزي، عادل أدهم، ماجدة الخطيب، أحمد توفيق، صلاح نظمي، وعماد حمدي.
«الكرنك»
وفي عام 1975، قدمت السينما فيلم «الكرنك»، المأخوذ عن قصة نجيب محفوظ، أخرجه الفيلم علي بدرخان، وشارك في بطولته سعاد حسني، نور الشريف، كمال الشناوي، فريد شوقي، ومحمد صبحي.
«أهل القمة».. الانفتاح الاقتصادي على الشاشة
ومن أعمال محفوظ التي تحولت إلى أفلام أيضًا «أهل القمة»، وهي قصة قصيرة وليست رواية، وقدمها المخرج علي بدرخان في فيلم عام 1981، عن سيناريو مصطفى محرم.
وتتناول القصة التحولات التي شهدها المجتمع المصري مع سياسة الانفتاح الاقتصادي، من خلال شخصية زعتر الذي يستغل الظروف الجديدة في تكوين ثروة كبيرة، ثم يحاول دخول عالم أصحاب النفوذ والمال.
وشارك في بطولة الفيلم نور الشريف، سعاد حسني، وعزت العلايلي.
«قلب الليل».. رحلة البحث عن الذات
وفي عام 1989، تحولت رواية «قلب الليل» إلى فيلم سينمائي من إخراج عاطف الطيب.
وتدور الأحداث حول جعفر الراوي، الذي ينشأ في كنف جده، لكنه يتمرد على سيطرته، فيطرده جده ويحرم من الميراث، لتبدأ رحلة طويلة من الاضطراب والبحث عن الذات.
كتب السيناريو محسن زايد، وشارك في البطولة نور الشريف، فريد شوقي، هالة صدقي، محمود الجندي، محسنة توفيق، وصلاح رشوان.
أعمال محفوظ.. من الرواية إلى الشاشة
لم تقتصر علاقة نجيب محفوظ بالسينما على الروايات فقط، وإنما امتدت إلى القصص القصيرة والأعمال التي كتبها للسينما، وهو ما يجعل الأدق عند الحديث عن حصيلة أعماله السينمائية استخدام تعبير «أعمال نجيب محفوظ الأدبية» بدلًا من حصرها في «الروايات».
ومن أبرز الأعمال التي وصلت إلى الشاشة: «بداية ونهاية، اللص والكلاب، زقاق المدق، الطريق، القاهرة 30، خان الخليلي، بين القصرين، قصر الشوق، السمان والخريف، ميرامار، السراب، ثرثرة فوق النيل، السكرية، الشحاذ، الحب تحت المطر، الكرنك، عصر الحب، الشيطان يعظ، وكالة البلح، قلب الليل، والحب فوق هضبة الهرم»، إلى جانب أعمال أخرى مأخوذة عن قصصه، مثل «بين السماء والأرض» و«أهل القمة».
وهكذا لم تتوقف رحلة نجيب محفوظ عند صفحات الكتب، وإنما امتدت إلى الشاشة، لتصبح شخصياته وحكاياته جزءًا من ذاكرة السينما المصرية، وتظل أعماله واحدة من أهم مصادر الاقتباس في تاريخ الفن المصري.