عقارات بريطانيا تفقد جاذبيتها الاستثمارية.. قيم المنازل تمحو مكاسب 20 عاما
بعد أن كان ينظر إليه كأحد القطاعات المهمة التي تعمل على مراكمة الثروات، بات قطاع العقارات في بريطانيا يعاني تراجعا في قيمته الحقيقية عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً، وسط تحذيرات محللين ومخاوفهم من أن ذلك التراجع يهدد النمو الاقتصادي بسبب ما يعرف بـ"تأثير الثروة العكسي".
ووفق بيانات متخصصة فإن متوسط قيمة المنزل في إنجلترا حالياً يبلغ أقل من قيمته الحقيقية مقارنة بالمستويات قبل عقدين، وذلك نتيجة لتأثير التضخم وأسعار الفائدة على سوق العقارات.
وتشير أرقام شركة "هامبتونز" العقارية ، إلى أن سعر بيع منزل نموذجي في إنجلترا بلغ 293 ألفاً و262 جنيهاً إسترلينياً في يونيو، وهو مبلغ أقل من متوسط سعر البيع البالغ 296 ألفاً و179 جنيهاً إسترلينياً في يوليو 2006 بعد تعديله حسب معدلات التضخم.
وانخفضت أسعار المنازل بمقدار 47 ألفاً و522 جنيهاً إسترلينياً بالقيمة الحقيقية مقارنةً بذروة السوق الأخيرة في يونيو 2021، وذلك وفقا لتحليل الشركة للأرقام الرسمية.
ولفتت الشركة إلى أنه برغم أن قيمة المنازل لا تزال أعلى مما كانت عليه قبل 20 عاماً من الناحية النقدية، فإن التضخم يعني أن قيمة هذه الأموال لم تعد كافية.
وأكد خبراء أن هذه الأرقام توصح أن العقارات في المملكة المتحدة لم تعد تُصنف كاستثمار.
ومن جهته، صرح كبير الاقتصاديين في "بنك بيرنبرج"، فيليكس شميدت، بأن: "زمن الاستثمار في المنازل، الذي كان خياراً بديهياً، قد ولى".
فارتفاع أسعار الفائدة على الرهن العقاري وتباطؤ نمو الدخل الحقيقي قلصا من قدرة الناس على شراء المنازل، مما قلل المنافسة وجعل من الصعب على البائعين طلب أسعار أعلى، على حد تأكيد شميدت، الذي أكد أن سنوات التضخم المرتفع في أعقاب جائحة كورونا والحربين الأوكرانية والإيرانية تسببت في تآكل القيمة الإسمية لأسعار المنازل. ونتيجة لذلك، فشلت إنجلترا فعلياً في تسجيل أي نمو حقيقي في أسعار المنازل لأكثر من عقدين.
ويقول كبير المحللين في "هامبتونز"، ديفيد فيل: "مع أن معظم مالكي المنازل لم يشهدوا انخفاضاً في قيمة عقاراتهم نقداً، فإن التضخم قد محا المكاسب السابقة، مما جعل أسعار المنازل في معظم أنحاء جنوب إنجلترا أدنى من ذروتها المعدلة وفقاً للتضخم".
ومن جهته، يرى الأستاذ الفخري في "كلية لندن للاقتصاد" والمستشار الحكومي السابق، بول تشيشاير، أن: "المنازل ليست أصولاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، وليست بالتأكيد أصولاً استثمارية"، مؤكداً أن هذه الفكرة "تُعد شكلاً من أشكال الخداع الذاتي".
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن هذه الأوضاع تعكس تحولاً كبيراً في سوق العقارات، الذي كان ينظر إليه لسنوات على أنه وسيلة لتكوين الثروة.
وكانت بيانات "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" (أويسيد)، منذ عام 1982، قد أظهرت أن أسعار المنازل في المملكة المتحدة ارتفعت بنسبة 300 % فوق معدل التضخم، وهو أعلى معدل نمو بين دول مجموعة السبع. في المقابل، لم تتجاوز الزيادة في إيطاليا 11 % خلال الفترة نفسها.
غير أن هذا النمو السريع توقف الآن. وأظهرت الأرقام الرسمية ارتفاع أسعار المنازل بنسبة 2 % في يونيو، وهو أقل من مستوى التضخم الحالي في بريطانيا البالغ 2.9 %.
واعتبر البروفيسور تشيشاير أن انهيار نمو الدخل الحقيقي منذ الأزمة المالية العالمية كان عاملاً رئيسياً تسبب في تقييد طلب المشترين، وقال: "ما تغير هو الاقتصاد البريطاني المتردي. لقد شهدنا الانهيار في عام 2008، والأمر الأهم هو أن الدخول الحقيقية لم ترتفع".
وقد حذر محللون من أن انخفاض أسعار المنازل الحقيقية قد يهدد النمو الاقتصادي من خلال ما يسمى بـ"تأثير الثروة العكسي"؛ فعندما ترتفع أسعار المنازل مقارنةً بما دفعه مقترضو الرهن العقاري، يصبح أصحاب المنازل أكثر ثقةً في الإنفاق، ويمكنهم أيضاً زيادة حجم قروضهم العقارية. وعندما تنخفض أسعار المنازل، يحدث العكس.
وعاد شميدت الاقتصادي المخضرم في "بنك بيرنبرج"، للتعليق على الأوضاع قائلاً: "إذا لم ينمُ الأصل بنفس وتيرة نموه السابقة، فإن ذلك سيؤثر على سلوكيات الإنفاق لدى مالكي هذه الأصول، ويجعلهم أقل رغبة في الإنفاق.. فإذا لم تزد ثروتك بالسرعة نفسها كما في السابق، فسوف تستهلك في نهاية المطاف أقل".