مصر والصين.. علاقات استراتيجية وشراكة ممتدة
يجري الرئيس الصيني شي جين بينج زيارة خلال الأسبوع الجاري لمصر، تعد هي الأولى له منذ نحو 10 سنوات، وتتزامن مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين حيث تأتي الزيارة في إطار العلاقات الثنائية المتميزة التي تجمع البلدين، فيما أكد دبلوماسيون أن الزيارة تبدأ معها مرحلة جديدة للشراكة الاستراتيجية والعلاقات بين البلدين.
وأكد متحدث رئاسة الجمهورية أن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيلتقي نظيره الصيني خلال زيارته المرتقبة إلى مصر لبحث سبل تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات، وسيتبادل الرئيسان الآراء بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وتفتح الزيارة الباب للتعاون في عدة ملفات اقتصادية واستراتيجية جديدة، بخلاف تبادل وجهات النظر في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز التعاون في كل المجالات، حيث يقدر حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 20.8 مليار دولار خلال عام العام الماضي، فيما سجل نحو 11.04 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026.
تتزامن الزيارة مع ذكرى مرور 70 عامًا على العلاقات المصرية الصينية، حيث تحتفل البلدان هذا العام بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، والتي انطلقت في ٣٠ مايو ١٩٥٦، حين بادرت مصر لتكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين، فاتحة بذلك صفحة جديدة في تاريخ التعاون الدولي بين دول العالم النامي.
العلاقات المصرية الصينية إلى مرحلة أكثر عمقاً ونضجاً
ويقول السفير الدكتور محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة تحمل دلالة أعمق تتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية، موضحا أن الزيارة تأتي في لحظة دولية فارقة، يتغير فيها العالم بوتيرة غير مسبوقة، وتتعاظم فيها الحاجة إلى شركاء يمتلكون رؤية مستقلة، وإرادة سياسية، وقدرة على بناء جسور التعاون بعيداً عن منطق الاستقطاب والصراعات.
وأوضح "حجازي"، أن الزيارة تتزامن مع مرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، بما يمثل شهادة على خصوصية علاقة استطاعت أن تحافظ على استمراريتها وتطورها رغم التحولات الكبرى التي شهدها العالم، مؤكدا أن القاهرة وبكين التقتا مبكراً على مبادئ الاستقلال الوطني، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والإيمان بحق الشعوب في اختيار مساراتها التنموية والسياسية.
وأضاف أن العلاقة الثنائية بين البلدين الآن تنتقل إلى مرحلة أكثر عمقاً ونضجاً، لأن مصر والصين لا تنظران إلى التعاون باعتباره مجرد تبادل للمصالح، بل باعتباره شراكة بين حضارتين عريقتين تمتلك كل منهما رؤية خاصة للمستقبل.
وأشار إلى أن الصين قدمت للعالم خلال العقود الماضية واحدة من أكثر التجارب التنموية أهمية في التاريخ المعاصر، فلم يكن الصعود الصيني مجرد نمو اقتصادي أو توسع صناعي، وإنما كان تعبيراً عن قدرة دولة وحضارة على إعادة اكتشاف ذاتها، وتوظيف خصوصيتها الوطنية في بناء نموذج تنموي حديث، موضحا أنه من هنا تكتسب التجربة الصينية أهمية خاصة بالنسبة لمصر والدول الإفريقية والعربية، فالصين لم تقدم نفسها باعتبارها نموذجاً مطلوباً تقليده، وإنما قدمت تجربة تثبت أن لكل دولة الحق في البحث عن طريقها الخاص نحو التقدم.
وأضاف أنه في المقابل، تمثل مصر نموذجاً لدولة تمتلك عمقاً حضارياً وجغرافياً واستراتيجياً استثنائياً، فهي ليست فقط دولة تقع في قلب الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم العربي، وإنما هي نقطة التقاء بين دوائر حضارية واقتصادية وسياسية متعددة، مؤكدا أن الشراكة المصرية الصينية تكتسب أهمية تتجاوز حدود البلدين، لتصبح جسراً للتواصل بين الصين والمنطقة العربية والقارة الإفريقية.
وأكد أن النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية يتعرض لاختبارات عميقة، وهناك أسئلة كبرى تُطرح حول مستقبل الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة والغذاء، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، وقواعد الحوكمة الدولية، وفي ظل هذه التحولات، أصبح واضحاً أن العالم لا يمكن أن يدار بعقلية الهيمنة الأحادية أو بسياسات فرض الإرادة، وهنا تبرز أهمية الحوار بين القوى الصاعدة والدول ذات الحضارات العريقة، وفي مقدمتها مصر والصين.
ولفت إلى أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر ليست مجرد زيارة بين رئيسي دولتين صديقتين، وإنما لقاء بين حضارتين تمتدان لآلاف السنين، وبين رؤيتين تؤمنان بأن المستقبل لا يجب أن يكون حكراً على قوة واحدة، وأن التنمية حق للجميع، وأن السلام مسؤولية مشتركة، مؤكدا أنه بعد سبعين عاماً من العلاقات الدبلوماسية، تبدو الرسالة واضحة: لقد نجحت مصر والصين في بناء علاقة قائمة على الثقة والاحترام، واليوم أصبح المطلوب هو تحويل هذا الرصيد التاريخي إلى قوة دافعة للمستقبل.
وشدد على أن العالم يتغير، والجنوب العالمي ينهض، والحاجة إلى نظام دولي أكثر عدلاً وتوازناً أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
آفاق جديدة للتعاون
قال السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر تأتي في إطار العلاقات التاريخية والممتدة بين البلدين، ولا ترتبط فقط بتزامنها مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، موضحًا أن الزيارة تستهدف مواصلة وتعزيز العلاقات المتواصلة بين البلدين في مختلف المجالات.
وأوضح "بيومي" في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن العلاقات المصرية الصينية تستند إلى تاريخ طويل، مشيرًا إلى أن مصر تُعد من أقدم دول العالم، وأن تاريخ الدبلوماسية المصرية يمتد إلى آلاف السنين، مستشهدًا بمعاهدة قادش التي تعود إلى نحو عام 1259 قبل الميلاد باعتبارها من أقدم المعاهدات الدبلوماسية المعروفة في التاريخ.
وأوضح أن العلاقات المصرية الصينية شهدت تطورًا مهمًا في العصر الحديث عندما قرر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية بقيادة ماو تسي تونغ، رغم الاعتراضات التي أبدتها الولايات المتحدة ودول أوروبية آنذاك، مشيرًا إلى أن موقف مصر في ذلك الوقت يعكس استقلالية سياستها الخارجية وقدرتها على اتخاذ قراراتها وفقًا لرؤيتها ومصالحها.
وأضاف أن التطورات التي شهدها العالم خلال العقود التالية أثبتت أهمية القرار المصري، حيث أصبحت الصين اليوم من أكبر القوى الاقتصادية والتجارية عالميًا، وأحد أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة وأوروبا، فضلًا عن امتلاكها احتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية والدولار.
وأشار إلى أن العلاقات المصرية الصينية لم تقتصر على الجوانب السياسية والاقتصادية، وإنما ارتبطت أيضًا بتاريخ مشترك من مقاومة الاستعمار الأجنبي، فضلًا عن مواقف البلدين المتقاربة داخل الأمم المتحدة، ولا سيما فيما يتعلق بدعم القضية الفلسطينية.
وتطرق إلى الروابط التاريخية بين مصر والصين عبر طريق التجارة القديم، موضحًا أن الحرير الصيني كان من أبرز المنتجات التي يتم تصديرها إلى أوروبا، وأن جانبًا من هذه التجارة كان يمر عبر خليج القلزم، المعروف حاليًا بخليج السويس، ثم يُنقل برًا إلى مناطق أخرى في مصر قبل شق قناة السويس.
وأوضح أن هذه التجارة التاريخية أسهمت في نشوء ارتباط ثقافي واقتصادي بين مصر وصناعة الحرير، مستشهدًا بمدينة دمياط التي عُرفت تاريخيًا بصناعة الحرير، مشيرًا إلى انتشار صناعة الغزل والنسيج في البيوت الدمياطية، ووجود مصانع متخصصة في هذه الصناعة، قبل أن تتراجع لاحقًا.
وأضاف أن افتتاح قناة السويس عزز بدوره الروابط بين مصر والصين، بعدما أصبحت السفن الصينية تعبر القناة في طريقها إلى الأسواق العالمية، مؤكدًا أن التطور الحالي يتمثل في الانتقال بالعلاقة من مجرد مرور التجارة عبر قناة السويس إلى توطين جزء من الإنتاج والتخزين في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وقال إن مصر تسعى إلى تشجيع الشركات الصينية على إقامة مصانعها ومراكز لتخزين وتوزيع منتجاتها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يتيح لها الوصول بصورة أسرع إلى الأسواق الأوروبية، بدلًا من نقل المنتجات مباشرة من الصين إلى أوروبا، وهو ما يمثل مجالًا جديدًا للتعاون الاقتصادي بين البلدين.
وأشار إلى وجود فرص واعدة للتعاون المصري الصيني في القارة الإفريقية، موضحًا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال رئاسته للاتحاد الإفريقي، دعا الدول صاحبة الخبرات والإمكانات الاستثمارية إلى توسيع استثماراتها في إفريقيا، والاستفادة من الخبرة المصرية وعلاقاتها الممتدة بالقارة.
وأضاف أن مصر والصين تبحثان إمكانات التعاون المشترك في الاستثمار داخل إفريقيا، بما يجمع بين الخبرات والإمكانات الصينية من جهة، والخبرة المصرية والقبول الذي تتمتع به مصر في العديد من الدول الإفريقية من جهة أخرى.
وأكد أن التعاون بين مصر والصين يشهد كذلك توجهًا متزايدًا نحو المجال الثقافي، مشيرًا إلى أهمية تعزيز التواصل بين الشعبين من خلال تعليم اللغة، حيث تعمل مصر على التوسع في تعليم اللغة الصينية، بالتوازي مع توجه الصين إلى زيادة الاهتمام بتعليم اللغة العربية.
وأكد أن هذه المجالات الجديدة، سواء الاقتصادية أو الاستثمارية أو الثقافية، تمثل إضافات مهمة إلى العلاقات المصرية الصينية، وتسهم في تعزيز الشراكة بين البلدين وتوسيع آفاق التعاون خلال المرحلة المقبلة.