رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


مصر والصين.. 70 عامًا من العلاقات والتعاون الاستراتيجي

31-8-2026 | 15:04


مصر والصين

ارتبطت مصر والصين بعلاقات وثيقة على مر عقود مضت، ومجالات تعاون متعددة،ويجري الرئيس الصيني شي جين بينج زيارة خلال الأسبوع الجاري لمصر، تعد هي الأولى له منذ نحو 10 سنوات، وتتزامن مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين حيث تأتي الزيارة في إطار العلاقات الثنائية المتميزة.

 

أبرز المعلومات عن الصين 

تُعرف البلاد رسمياً باسم "جمهورية الصين الشعبية"، وتحتفل بعيدها الوطني في الأول من أكتوبر من كل عام، وهو ذكرى إعلان الزعيم "ماو تسي تونج" قيام الجمهورية عام 1949.

 تبلغ مساحة الصين نحو 9.6 مليون كيلومتر مربع، مما يضعها في المرتبة الرابعة عالمياً من حيث المساحة، وعلى صعيد الديمغرافيا، يبلغ عدد سكانها نحو 1.41 مليار نسمة وفق تقديرات عام 2026، لتستقر في المرتبة الثانية عالمياً بعد الهند.

النظام السياسي

تعتمد الصين نظاماً إشراكياً مركزياً يقوده الحزب الشيوعي الصيني. وتتشكل ركائز الحكم الرئيسية في الدولة من الحزب الشيوعي، ومجلس الشعب الوطني (البرلمان)، ورئيس الدولة، ومجلس الدولة (الحكومة)، بالإضافة إلى المجلس الاستشاري السياسي. إلى جانب الحزب الشيوعي الصيني، توجد أحزاب سياسية وقانونية يُطلق عليها "الأحزاب الديمقراطية الثمانية"، والتي تعمل ضمن إطار رسمي يسمى "نظام التعاون متعدد الأحزاب والاستشارة السياسية" تحت قيادة الحزب الشيوعي.

أما على الصعيد المالي، فيبلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين حوالي 19.5 تريليون دولار، بمتوسط نصيب للفرد يصل إلى 13.8 ألف دولار، بينما يتجاوز احتياطي النقد الأجنبي لدى الدولة 3.4 تريليون دولار.

سياق الزيارة الراهنة

تتزامن الزيارة الحالية للرئيس الصيني إلى مصر مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1956، وتُعد هذه الزيارة الأولى له للقاهرة منذ أكثر من 10 سنوات. 

وتفردت مصر بكونها الدولة الوحيدة التي يزورها الرئيس الصيني في زيارة ثنائية خلال هذه الجولة، كما أنها تأتي ضمن جولات خارجية محدودة جداً للرئيس الصيني في عام 2026 لم تشمل سوى كوريا الشمالية وقيرغيزستان.

تأتي هذه الزيارة في ظل مرحلة تشهد تحولات متسارعة في النظام الدولي، حيث تتسم بواقع يسوده استمرار التوتر وعدم اليقين في الشرق الأوسط على خلفية الحرب الإيرانية، وترتبط هذه التطورات بأمن الطاقة والتجارة العالمية نتيجة إغلاق مضيق هرمز والتأثيرات المباشرة على التجارة الصينية، وهو ما يفسر موقف بكين الرافض لهذه الحرب. 

كما تُجسد الزيارة خلفية من احتدام التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة، ومواصلة الصين تطبيق سياسة خارجية تهدف لتعزيز حضورها العالمي كقوة عظمى عبر إطلاق مبادرات دولية شملت التنمية والأمن والحضارة والحوكمة العالمية، إلى جانب الإعفاء الجمركي للدول الأفريقية، وتأسيس المنظمة الدولية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي.

الأوضاع الداخلية

الوضع السياسي

يتسم المشهد السياسي الداخلي في الصين بالاستقرار الشديد، حيث تتركز عملية صنع القرار في القيادة المركزية للحزب الشيوعي برئاسة "شي جينبينج". 

وكان "جينبينج" قد تولى منصب الأمين العام للحزب في نوفمبر 2012 ثم رئيساً للجمهورية في مارس 2013، وأُعيد انتخابه أميناً عاماً للحزب لولاية ثالثة في عام 2022، ورئيساً للجمهورية لولاية ثالثة في مارس 2023.

وعلى صعيد قضايا الأمن القومي، تُمثل قضية تايوان أحد أهم ملفات السيادة والهوية الوطنية في الصين، إلى جانب قضايا هونج كونج والتبت وشينجيانج التي تُعد قضايا محورية وبحتاً دقيقة بالنسبة لسيادتها. 

وتحرص الصين بشكل دائم على تأكيد أن هذه الملفات هي شؤون داخلية خالصـة، قاطعة الطريق أمام أي محاولات للتدخل الخارجي فيها.

الوضع الاقتصادي

يمتلك الاقتصاد الصيني ثاني أكبر حجم على مستوى العالم، حيث تجاوز الناتج المحلي الإجمالي 19.5 تريليون دولار في عام 2025، محققاً معدل نمو بلغ 5%. وفي العام نفسه، سجلت الصادرات الصينية نحو 3.7 تريليون دولار، في مقابل واردات بلغت قيمتها 2.4 تريليون دولار. 

وتشير البيانات الرسمية للنصف الأول من عام 2026 (يناير - يونيو) إلى تحقيق نمو بنسبة 4.7%، مما يؤكد أن الاقتصاد لم يدخل مرحلة انكماش أو أزمة شاملة، بل يمر بمرحلة تباطؤ نسبي وإعادة هيكلة لمصادر النمو لترتكز على الطلب المحلي بهدف تقليل الاعتماد على الصادرات والاستثمار.

 

وعلى صعيد الاستثمارات الدولية، بلغ إجمالي الاستثمارات الخارجية المباشرة للصين في عام 2025 حوالي 174 مليار دولار بنسبة نمو 7%، بينما وصل الرصيد التراكمي للاستثمارات غير المباشرة في الخارج (المحافظ المالية) بنهاية 2025 إلى 1.12 تريليون دولار.

 في المقابل، قدرت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الوافدة إلى داخل الصين بحوالي 106 مليارات دولار أمريكي.

العلاقات الثنائية

العلاقات السياسية

تُعد العلاقات المصرية الصينية تاريخية؛ إذ اعترفت مصر بالصين الشعبية في 30 مايو 1956، لتكون بذلك أول دولة عربية وأفريقية والدولة رقم 23 عالمياً التي تعترف بحكومة الصين الشعبية.

 

وشهدت العلاقات قفزة نوعية بارتقائها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، وذلك خلال الزيارة الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الصين في ديسمبر من ذلك العام. وقام الرئيس السيسي بعد ذلك بزيارة الصين 8 مرات في إطار ثنائي أو للمشاركة في فعاليات دولية، كان أحدثها زيارة الدولة في مايو 2024 التي حل فيها ضيف شرف على الجلسة الافتتاحية لمنتدى التعاون العربي الصيني، وتزامنت مع احتفال البلدين بمرور 10 سنوات على تدشين الشراكة الاستراتيجية.

العلاقات الاقتصادية

تنعكس الشراكة السياسية المتميزة على الجانب الاقتصادي، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين القاهرة وبكين إلى 20.97 مليار دولار بنهاية عام 2025 مقارنة بنحو 17.37 مليار دولار في عام 2024.

 

كما ضخت الصين استثمارات في مصر خلال السنوات الأخيرة تبلغ نحو 1.4 مليار دولار، يتركز جزء كبير منها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تستضيف نحو 200 شركة صينية. 

وتساهم الشركات الصينية في تنفيذ وتمويل مشروعات قومية كبرى مثل أبراج حي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة، وأبراج مدينة العلمين، والقطار الكهربائي الخفيف (LRT) الرابط بين مدينة العاشر من رمضان والعاصمة الإدارية، فضلاً عن مشاريع الطاقة المتجددة.

الإطار التعاهدي

ترتبط مصر والصين ببيئة قانونية ومؤسسية راسخة، حيث تُوجت علاقاتهما بالتوقيع على نحو 242 اتفاقية تعاهدية حتى عام 2025، تغطي كافة مجالات التعاون الحيوي والمشترك بين البلدين.

موقف الصين تجاه أهم القضايا الإقليمية والدولية

الموقف الصيني من الأزمة الإيرانية

تجمع بين الصين وإيران علاقات شراكة استراتيجية شاملة؛ إذ تُعد الصين الشريك التجاري الرئيسي لطهران وأكبر مستورد للنفط الإيراني، بينما تُمثل إيران مصدراً رئيسياً للطاقة بالنسبة لبكين. 

وتتبنى الصين موقفاً ثابتاً يدعو لتسوية الملف النووي الإيراني عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية ورفض اللجوء إلى القوة أو العقوبات الأحادية، مؤكدةً ضرورة صون نظام عدم الانتشار الاستراتيجي وحماية حقوق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وفق الالتزامات الدولية.

وفيما يتعلق بالتطورات في مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن المارة به، أبدت الصين موقفاً غير مرحب بأي إجراءات قد تقيد حرية الملاحة أو ترفع تكلفة المرور بهذا الممر الحيوي. 

ولتعزيز الاستقرار الإقليمي، أطلقت الصين بالتعاون مع باكستان في مارس 2026 "المبادرة ذات النقاط الخمس لاستعادة السلام والاستقرار في الخليج والشرق الأوسط"، والتي دعت إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية، وبدء محادثات السلام، وحماية الأهداف غير العسكرية والمدنيين، وضمان أمن الممرات البحرية وإعادة الملاحة بطبيعتها في مضيق هرمز، إلى جانب التأكيد على أولوية ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

موقف الصين من القضايا العربية

تولي الصين اهتماماً كبيراً للدول العربية باعتبارها شركاء محوريين في دول الجنوب العالمي وفي مساعي بناء نظام دولي متعدد الأقطاب. وتؤكد بكين دائماً على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحق الشعوب العربية في اختيار مسارات تنميتها المستقلة. 

وُيعتبر منتدى التعاون العربي الصيني، الذي تأسس في يناير 2004 بمبادرة مشتركة، الأداة والآلية الرئيسية للتعاون الجماعي بين الجانبين.

القضية الفلسطينية

تُساند الصين بثبات حل الدولتين كسبيل عادل وأوحى معترف به دولياً لحل القضية الفلسطينية، وتؤكد على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967.

 

وخلال الحرب على غزة، تركز الموقف الصيني على عدة محددات رئيسية تضمنت: ضرورة وقف إطلاق النار، وإنفاذ المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير القسري، والتمسك بمبدأ "حكم الفلسطينيين لفلسطين"، ودعم خطة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، إلى جانب إقامة الدولة المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية، ودعم جهود السلطة الفلسطينية لبسط سيادتها على كامل الأراضي الفلسطينية في غزة والضفة الغربية.

المواقف من قضايا أخرى (لبنان، ليبيا، السودان)

• لبنان: تدعم الصين أمن لبنان وسيادته وتدين الهجمات الإسرائيلية عليه، كما قدمت في مايو 2026 مساعدات إنسانية طارئة لتخفيف أزمته.

• ليبيا: تتخذ الصين موقفاً يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف الليبية داعيةً إلى الحل السياسي عبر الحوار. وقد أعلنت عن شراكة استراتيجية شاملة مع ليبيا في سبتمبر 2024، معربة عن دعمها لإعادة بناء الاقتصاد الليبي، وهو ما تكلل بإعادة فتح سفارتها في طرابلس مؤخراً.

• السودان: تدعو الصين لإنهاء الصراع السوداني عبر الطرق السياسية منعاً للتدهور الإنساني، مع التأكيد على احترام السيادة السودانية ورفض الإملاءات الخارجية، والترحيب بالجهود والوساطات الإقليمية الصادرة عن الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيجاد والدول المجاورة.

العلاقات الصينية - الأفريقية

تحتل القارة الأفريقية موقعاً محوريّاً وثابتاً في أولويات السياسة الخارجية الصينية، ويشكل منتدى التعاون الأفريقي الصيني (FOCAC) الإطار المؤسسي الرئيسي لهذه العلاقات، وقدم هذا التعاون نتائج قياسية؛ إذ قفز حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا في عام 2025 إلى نحو 348 مليار دولار، محققاً زيادة بنسبة 17.7% مقارنة بالأعوام السابقة.

العلاقات الصينية – الروسية والأزمة الأوكرانية

تسعى الصين للقيام بدور وساطة في الأزمة الأوكرانية؛ ففي فبراير 2023 طرحت وثيقة موقف مكونة من 12 نقطة لتسوية الأزمة، نادت فيها بوقف الأعمال العدائية، وتجنب تصعيد التوتر، واستئناف مفاوضات السلام المباشرة. 

واستكمالاً لهذه الجهود، قدمت الصين بالتعاون مع البرازيل مبادرة مشتركة في مايو 2024 لوضع أطر حقيقية لتسوية النزاع الأوكراني.