رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


فضاء تعليمي أفريقي

31-8-2026 | 21:12


عمرو سهل,

لم تعد جودة التعليم قضية تخص كل دولة على حدة أو مسألة تقتصر على تقييم الجامعات والبرامج داخل حدودها الوطنية فمع اتساع حركة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وتزايد التعاون بين الجامعات وارتفاع الطلب على المهارات القابلة للانتقال بين الأسواق أصبح من الضروري أن تكون هناك مساحة مشتركة تستطيع من خلالها الدول الأفريقية فهم معايير الجودة والاعتراف بالمؤهلات بصورة أكثر وضوحا وثقة من هنا تبرز أهمية مواءمة معايير الجودة الوطنية مع الأطر القارية والدولية والمقصود بالمواءمة ليس أن تتخلى الدول عن خصوصيتها أو أن تستنسخ معايير وضعت في بيئات مختلفة وإنما أن تبحث عن أرضية مشتركة يمكن أن تلتقي عندها أنظمة التعليم المختلفة بحيث يصبح المؤهل الذي يحصل عليه الطالب في دولة أفريقية مفهوما وقابلا للتقييم والاعتراف به في دولة أخرى.

وتبدأ هذه العملية من الداخل من خلال مراجعة الدول لمعاييرها الوطنية بصورة دورية ومقارنتها بالأطر والمعايير القارية والدولية وهذه المراجعة تساعد على اكتشاف نقاط القوة والقصور وتحديد الجوانب التي تحتاج إلى تطوير سواء تعلق الأمر بالمناهج الدراسية أو كفاءة أعضاء هيئة التدريس أو طرق تقييم الطلاب أو الحوكمة أو البنية التحتية أو جودة البحث العلمي أو قدرة الخريجين على الاندماج في سوق العمل لكن الوصول إلى هذه المواءمة يحتاج أيضا إلى مرجعية أفريقية مشتركة للجودة وجود مثل هذا الإطار يمكن أن يوفر لغة مشتركة بين هيئات الاعتماد في مختلف الدول ويضع مجموعة من المبادئ الأساسية التي يمكن للجميع الاستناد إليها عند تقييم الجامعات والبرامج وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن يكون الإطار المشترك قيدا يلغي الخصوصيات الوطنية بل مرجعا عاما يسمح لكل دولة بإضافة ما يتناسب مع احتياجاتها وظروفها الاقتصادية والثقافية والتشريعية.

ومن القضايا المهمة تطوير مؤشرات مشتركة لقياس جودة التعليم فاختلاف طرق القياس يجعل من الصعب أحيانا إجراء مقارنات عادلة بين المؤسسات التعليمية في الدول المختلفة ولذلك يمكن الاتفاق على مجموعة من المؤشرات الأساسية مثل معدلات التخرج ونسب توظيف الخريجين ورضا الطلاب وكفاءة أعضاء هيئة التدريس ومستوى الإنتاج البحثي ومدى ارتباط البرامج التعليمية باحتياجات سوق العمل إلى جانب مؤشرات تتعلق بالتدويل والتعاون الأكاديمي ولا تكمن أهمية المؤشرات في الأرقام وحدها وإنما في أن تكون هناك طريقة متقاربة لجمع البيانات وتحليلها والتحقق من صحتها فالمؤشر المشترك يفقد قيمته إذا كانت كل دولة تستخدم طريقة مختلفة تماما في حسابه ومن هنا يصبح توحيد منهجيات القياس جزءا أساسيا من بناء الثقة بين مؤسسات التعليم وهيئات الاعتماد وفي موازاة ذلك يحتاج التعاون الأفريقي في مجال ضمان الجودة إلى الانتقال من تبادل البيانات والمعلومات إلى تعاون مؤسسي أكثر عمقا ويمكن لهيئات ضمان الجودة والاعتماد أن تنشئ شبكات دائمة لتبادل الخبرات والتجارب الناجحة وتنظيم برامج تدريب مشتركة للمراجعين والخبراء وإتاحة فرص للتعلم المتبادل بل وإجراء عمليات تقييم مشتركة لبعض البرامج والمؤسسات التي تستهدف الاعتراف الإقليمي أو الدولي كما يمكن أن تلعب المنصات الرقمية دورا مهما في هذه العملية من خلال إنشاء قواعد بيانات مشتركة تتضمن المعايير الوطنية والبرامج والمؤسسات المعتمدة ونتائج عمليات التقييم ويمكن كذلك استخدام الأدوات الرقمية للتحقق من الشهادات والمؤهلات بما يقلل من فرص التلاعب ويسهل انتقال الطلاب والخريجين بين الدول الأفريقية.

ويبقى الاعتراف المتبادل هو الاختبار الحقيقي لمدى نجاح هذه الجهود ويمكن الوصول إليه تدريجيا بدءا من اتفاقيات ثنائية بين هيئات الاعتماد ثم الانتقال إلى اتفاقيات متعددة الأطراف ويقوم هذا الاعتراف على فكرة بسيطة لكنها مهمة إذا كانت هيئة اعتماد في دولة ما تعمل وفق معايير واضحة وشفافة وموثوقة فإن الهيئات النظيرة في الدول الأخرى يمكنها الاعتماد على نتائجها بدلا من إعادة تقييم المؤهلات والبرامج بصورة كاملة في كل مرة ولكي ينجح هذا النموذج لا بد من بناء الثقة أولا وهذا يتطلب معايير واضحة لاختيار المراجعين وإجراءات معلنة للتقييم والاعتماد وشفافية في نشر النتائج وآليات مستقلة للتظلم والمراجعة فالثقة لا تفرض باتفاقية وإنما تتشكل تدريجيا من خلال الممارسة والشفافية والالتزام بالمعايير وفي النهاية فإن بناء منظومة أفريقية متكاملة لضمان الجودة والاعتراف بالمؤهلات يتجاوز كونه مشروعا إداريا أو فنيا إنه جزء من بناء فضاء تعليمي أفريقي أكثر ترابطا وقدرة على الحركة والتنافس وكلما نجحت الدول في تقريب معاييرها وتوحيد مؤشرات الجودة وتبادل الخبرات وبناء الثقة بين هيئات الاعتماد أصبح انتقال الطلاب والخريجين أكثر سهولة وأصبح الاعتراف بالمؤهلات أكثر وضوحا وهكذا يمكن أن تتحول مواءمة المعايير من مجرد استجابة لمتطلبات الاعتماد إلى فرصة لبناء تعاون تعليمي أفريقي حقيقي تعاون لا يلغي اختلاف الدول وإنما يحول هذا الاختلاف إلى تنوع داخل منظومة واحدة تقوم على الجودة والثقة والاعتراف المتبادل.