أمين عام مجمع الفقه الإسلامي: الأسرة ليست قضية اجتماعية عابرة بل أساس الهوية وتماسك الحضارات
أكد الدكتور قطب مصطفى سانو الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، أن الحديث عن الأسرة لا يتعلق بشؤون خاصة أو قضية اجتماعية عابرة، وإنما هو حديث عن الإنسان وهويته وكرامته وقيمه، كما أنه حديث عن الوطن في أمنه وتماسكه ونهضته، بل هو في جوهره حديث عن الحضارة من حيث حضورها ونفوذها واستمرارها.
وقال سانو، خلال كلمته بالمؤتمر الدولي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، إن الأسرة كانت ولا تزال المؤسسة الأولى التي عرفها الإنسان، والمدرسة الأولى التي تتشكل فيها معاني المحبة والانتماء والمسؤولية والتضحية، ومنها يصنع الإنسان ويستمد المجتمع تماسكه، كما يستمد الوطن أمنه واستقراره.
وأضاف أن صلاح الأسرة يمثل صلاحًا للمجتمع، وأن تماسكها قوة للأوطان، واستقرارها دعم للعمران، وازدهارها ركيزة لازدهار الحضارات.. مشيرا إلى أن الأسرة تواجه اليوم تحديات متشابكة ومتسارعة تهدد تماسكها واستقرارها، من بينها تأخر سن الزواج، والعزوف عنه، وارتفاع تكاليف تكوين الأسرة، إضافة إلى التحديات المرتبطة بانتقال جانب كبير من صناعة الوعي من الوالدين والمعلمين إلى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والمؤثرين.
وذكر أن هذه التحولات تفرض تحديات جديدة على الهوية والتوازن بين الحقوق والواجبات، خاصة مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي في أنماط التفكير والعلاقات الإنسانية.
وأوضح أن هذه التحديات لم تنشأ من فراغ، وإنما جاءت نتيجة تحولات كبرى يشهدها العالم، تشمل التحول القيمي والثقافي، والتحول الاجتماعي والديموغرافي، والتحول الاقتصادي، إلى جانب التحول الرقمي الذي يسعى إلى إعادة تشكيل مكانة الأسرة في الوعي والمفاهيم.
وشدد سانو على أن مواجهة هذه التحديات لا تكون برفض التحول أو محاولة إيقافه، لأن التغير والتطور سنة من سنن الاجتماع البشري، وإنما تكون بإدارة هذه التحولات بصورة واعية ومسؤولة، بما يحقق الاستفادة من فرصها والحد من مخاطرها دون المساس بالثوابت التي يقوم عليها استقرار الإنسان والأسرة والمجتمع.
ونوه بأن المرحلة الراهنة تتطلب حوارًا جادًا وتبادلًا للخبرات من أجل الوصول إلى رؤى قادرة على حماية الأسرة وتعزيز قدرتها على التكيف مع المتغيرات.. موضحا أن المدخل الأساسي لحماية الأسرة يتمثل في استعادة الاعتبار للمقاصد الكبرى التي تقوم عليها، مشيرًا إلى أن الأسرة في التصور الإسلامي تقوم على مقاصد أساسية، أبرزها السكن والمودة والرحمة.
وقال إن اختلال مقصد السكن يؤدي إلى حلول النفور محل الأنس، والتنافر محل الألفة، بينما يؤدي اختلال المودة إلى جفاف منابع المحبة، كما يؤدي غياب الرحمة إلى قسوة القلوب وتراجع معاني التراحم داخل الأسرة.
وأكد أن أي فتوى أو اجتهاد لا يستحضر هذه المقاصد ولا يضعها في الاعتبار لا يمكنه أن يقدم معالجة حقيقية لتحديات الأسرة، مشددًا على أن إدارة الأزمات الأسرية لا تبدأ من مظاهرها، وإنما من إعادة بناء الوعي بمقاصد الأسرة ووظائفها الأساسية.
وأضاف أن الفقيه والمفتي الذي يستمسك بهذه المقاصد ويجعلها منطلقًا لفتواه يسهم في تحقيق الاستقرار الإنساني والاجتماعي.. مؤكدا أن حماية الأسرة تتطلب الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق، ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن تشخيص المشكلات إلى صناعة الحلول، عبر سياسات وبرامج ومبادرات قابلة للتنفيذ والتقييم.
وأوضح سانو أن الإسلام لا يريد أسرة منغلقة عن العصر، ولا أسرة غائبة عن الواقع، وإنما يريد أسرة واعية، راسخة في قيمها، مرنة في وسائلها، ومتوازنة في علاقاتها، قادرة على التمييز بين الثوابت والمتغيرات، وبين ما يجب الحفاظ عليه وما يمكن تطويره.
وأشار إلى أن الاستثمار في رعاية الأسرة وحمايتها يمثل استثمارًا مباشرًا في أمن الأوطان واستقرار المجتمعات وبناء الحضارات، مؤكدًا أنه مهما تغيرت أنماط الحياة وتسارعت التقنيات، سيظل الإنسان بحاجة إلى بيت يأوي إليه، وقلب يسكن إليه، وأسرة ينتمي إليها.
وفي ختام كلمته، أكد قطب مصطفى سانو ضرورة الالتفات إلى أوضاع الأسرة الفلسطينية وما تواجهه من تحديات تهدد بقاءها وأمنها وكرامتها، داعيًا إلى بذل كل الجهود المشروعة لدعم صمودها وحماية حقها في الحياة والأمن والاستقرار.
وأعرب عن أمله في أن يخرج المؤتمر بتوصيات عملية تسهم في تحقيق الهدف المنشود، والمتمثل في تعزيز حماية الأسرة وصيانة دورها في بناء الإنسان والمجتمع.
.