بين صفحات التاريخ وخيال المبدع.. ندوة أدبية بمكتبة سنورس
نظمت مكتبة الطفل والشباب بسنورس، اليوم الأربعاء 2 سبتمبر 2026، ندوة أدبية بعنوان “الرواية التاريخية بين الحقيقة والرؤية الإبداعية”، حاضر خلالها الأديبان الدكتور عمر صوفي وعبدالقادر الجارحي، وذلك ضمن خطة فعاليات نادي أدب سنورس.
استهل الدكتور عمر صوفي حديثه بالتأكيد على أن الرواية التاريخية تقف على خط رفيع بين الالتزام بالتاريخ بوصفه مجموعة من الوقائع والأحداث، والانطلاق في فضاء الإبداع بوصفه رؤية فنية تعيد تشكيل الماضي وتمنحه أبعادًا جديدة، مشيرًا إلى أن هذا التوتر بين الحقيقة والخيال هو ما يمنح الرواية التاريخية حيويتها وقيمتها الفنية والفكرية.
وأوضح أن التاريخ، رغم أهميته، يظل في كثير من الأحيان تسجيلًا للظواهر والأحداث الخارجية، بينما يأتي دور الروائي في استكشاف الجوانب الإنسانية والنفسية، متخيلًا مشاعر الشخصيات ودوافعها وحواراتها الداخلية، بما يمنح الأحداث أبعادًا قد لا نجدها في كتب التاريخ.
وأشار إلى تجربة الأديب العالمي نجيب محفوظ، موضحًا أن ثلاثيته الشهيرة: “بين القصرين”، و”قصر الشوق”، و”السكرية”، قدمت رؤية إبداعية للمجتمع المصري والوعي الجمعي للطبقة الوسطى خلال النصف الأول من القرن العشرين، من خلال عالم أسرة السيد أحمد عبدالجواد، لتصبح الرواية مرآة للتاريخ الاجتماعي والنفسي إلى جانب التاريخ السياسي.
وأكد صوفي أن مسؤولية الروائي تجاه الحقيقة التاريخية تظل كبيرة، فالتاريخ ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر أساسي في بناء النص الروائي، مشيرًا إلى أن النجاح الحقيقي يتحقق عندما يكون الإبداع كاشفًا لأبعاد الحقيقة ومعمقًا لها، وليس وسيلة لتشويهها أو الانحراف عن جوهرها.
كما تناول روايات نجيب محفوظ التاريخية مثل “كفاح طيبة” و”رادوبيس”، والتي استلهم خلالها شخصيات وعصورًا تاريخية، وأضاف إليها أبعادًا نفسية وصراعات إنسانية، بما يخدم البناء الفني للرواية ويحافظ في الوقت نفسه على جوهر الحقائق المرتبطة بعصرها.
وفي ختام الندوة، أكد الأديب عبدالقادر الجارحي أن الرواية التاريخية ليست بديلًا عن التاريخ، وإنما تمثل تأويلًا له وحوارًا معه، فهي تذكرنا بأن الماضي ليس شيئًا جامدًا، بل عالمًا متجددًا يُعاد اكتشافه من خلال رؤية الحاضر وخيال المبدع.
وأضاف أن العلاقة بين الحقيقة والخيال تظل علاقة جدلية خصبة، تثري فهم الإنسان لنفسه وللعالم من حوله، وتفتح المجال أمام تساؤلات مستمرة حول كيفية قراءة الماضي والاستفادة منه في تشكيل الحاضر وصناعة المستقبل.
وتأتي الندوة في إطار حرص مكتبة الطفل والشباب بسنورس ونادي الأدب على دعم الحركة الأدبية، وإتاحة مساحات للحوار والنقاش حول مختلف القضايا الفكرية والإبداعية.