من قلب النيل إلى جدران المعابد.. "السمك والصيد في مصر القديمة" إصدار يكشف حكاية أخرى عن المصري القديم
لم يكن نهر النيل بالنسبة إلى المصري القديم مجرد شريان للحياة، ولا مصدرًا للزراعة والماء، بل كان عالمًا نابضًا بالحياة، تتقاطع عنده تفاصيل المعيشة والاقتصاد والمعتقد والفن. وبينما كثيرًا ما يُروى تاريخ مصر القديمة من خلال ملوكها ومعابدها وحروبها، يفتح كتاب "السمك والصيد في مصر القديمة" والصادر عن المركز القومي للترجمة، نافذة مختلفة على هذا التاريخ، ليتتبع حكاية الأسماك والصيد وعلاقتهما بالمصريين منذ أقدم العصور.
يقدم الكتاب، الذي ألّفه دوجلاس بريور ورينيه فريدمان، وترجمه إلى العربية محمد عبد الحميد شهاب، وراجعه علاء الدين عبد المحسن شاهين، دراسة موسعة لعالم الأسماك في مصر القديمة، انطلاقًا من حقيقة أن المصريين اعتمدوا على أسماك النهر منذ فترة مبكرة من التاريخ، واستمرت هذه العلاقة عبر العصور. ويتناول الكتاب ما درسه علماء المصريات والأثريون والأنثروبولوجيون والمتخصصون في الدراسات التاريخية والبيولوجية حول اقتصاديات الأسماك لدى المصري القديم، وطرق وأدوات صيدها، وكذلك أساليب تربيتها، وما تركته الأسماك من أثر في معتقداته وآلهته وعباداته.
ولا يتوقف الكتاب عند الجانب المعيشي والاقتصادي، بل يتتبع حضور الأسماك في الشواهد التي تركها المصري القديم؛ فقد ظهرت صورها وتفاصيل صيدها واستخدامها في البرديات والجداريات والأواني والتماثيل والحلي وغيرها من الآثار، لتصبح تلك الشواهد سجلًا بصريًا يكشف جانبًا من الحياة اليومية للمصريين وعلاقتهم بالنيل وثرواته.
ويضم الكتاب كذلك وصفًا دقيقًا لنحو عشرين نوعًا من الأسماك النيلية التي ارتبطت بحياة المصري القديم، حيث جرى التعرف على كل نوع ووصفه بدقة، إلى جانب تصويره بوضوح في الفن المصري القديم. وتتكامل هذه الصور والرسوم مع ما كشفت عنه الحفريات الأثرية من بقايا وعظام الأسماك، لتساعد الباحثين على التعرف إلى الأنواع التي عرفها المصري القديم، وتتبع حضورها في حياته عبر فترات زمنية تمتد إلى عصور ما قبل التاريخ.
ومن خلال الجمع بين الأدلة الأثرية والرسوم والنقوش وبقايا الأسماك، يرسم "السمك والصيد في مصر القديمة" صورة متكاملة لعالم ربما يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه يكشف الكثير عن المصري القديم: ماذا أكل، وكيف اصطاد، وما الأدوات التي استخدمها، وكيف نظر إلى الكائنات التي شاركته مياه النيل، وكيف انتقلت الأسماك من النهر إلى مائدة المصري، ومن ثم إلى فنه ومعتقداته وذاكرته الحضارية.