رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


هرب من مسرح الجريمة فترك وراءه الخيط.. أخطاء صغيرة أسقطت متهمين في قبضة الشرطة

6-9-2026 | 09:11


ارشيفيه

يعتقد بعض المتهمين أن الجريمة تنتهي بمجرد الابتعاد عن مسرحها، فيحاولون محو آثارهم أو تغيير مساراتهم أو إخفاء الأدلة أو حتى اختلاق روايات بديلة.. لكن المفارقة أن محاولات الهروب نفسها قد تتحول إلى خيوط تقود إلى الحقيقة.

في عالم الجريمة، لا يستطيع المتهم التحكم في جميع التفاصيل، فكل حركة عقب الواقعة قد تترك أثرًا، وكل قرار يتخذه تحت ضغط الخوف والارتباك قد يفتح أمام أجهزة البحث والتحري طريقًا جديدًا لكشف ملابسات الجريمة وتحديد مرتكبها.

وتكشف بعض الوقائع أن محاولة إخفاء الجريمة لا تعني بالضرورة اختفاء آثارها، بل قد تصبح في بعض الأحيان أحد أبرز الخيوط التي تكشف صاحبها. حقيبة سفر.. والخطة التي قادت إلى صاحبها في إحدى الوقائع التي شهدتها الإسكندرية عام 2026، كشفت التحقيقات تفاصيل مثيرة في واقعة مقتل فتاة ووضع جثمانها داخل حقيبة.

وبحسب ما ورد في التحقيقات، أقدم المتهم عقب ارتكاب الجريمة على شراء حقيبة سفر كبيرة خصيصًا لإخفاء الجثمان، ثم وضعه بداخلها واستقل سيارة أجرة بحثًا عن مكان يتخلص فيه منها.

لكن الخطة لم تسر كما تصور. وأثناء تحركه، شاهد كمينًا أمنيًا، ما أصابه بحالة من الارتباك، وطلب من قائد سيارة الأجرة تغيير الاتجاه، قبل أن يتخلص من الحقيبة في منطقة الأزاريطة ويفر هاربًا إلى القاهرة.

وهنا تحولت الحقيبة التي أراد المتهم استخدامها لإخفاء الجريمة إلى جزء من خريطة تحركاته، بينما أصبحت القرارات التي اتخذها عقب الواقعة خيوطًا يمكن الاستدلال من خلالها على مساره وتحركاته.

قفاز في اليد.. لكن الأدلة ليست بصمات فقط وفي واقعة أخرى بالإسماعيلية، حاول متهم في واقعة قتل سائق سيارة أجرة تقليل فرص ترك أدلة تربطه بالجريمة.

ووفقًا لما جاء في التحقيقات، ذكر المتهم أنه ارتكب الجريمة عقب مشاهدته فيلمًا أجنبيًا، وحاول تجنب ترك بصماته من خلال ارتداء قفاز، كما ترك هاتفه المحمول في منزله وقت تنفيذ الجريمة. لكن اعتقاد المتهم بأن التخلص من بعض الأدلة يمكن أن يغلق الطريق أمام المحققين لم يكن كافيًا.

فالتحقيقات لا تعتمد على بصمة أو أداة واحدة، وإنما تنظر إلى المشهد كاملًا، بدءًا من تحركات المشتبه به قبل الواقعة، وصولًا إلى تصرفاته واتصالاته وتحركاته عقب ارتكابها.

فالجريمة ليست واقعة منفصلة، وإنما سلسلة من التفاصيل، وقد تحمل كل حلقة فيها مفتاحًا يقود إلى الحقيقة.

رواية مفبركة وصور.. والانتقام كشف صاحبه وفي واقعة أخرى بالقاهرة، لجأ أحد المتهمين إلى حيلة مختلفة لإبعاد الشبهة عنه، فاختلق رواية وهمية مدعومة بصور، وادعى تعرض أحد الأشخاص للدهس بواسطة سيارة.

إلا أن الفحص الأمني كشف عدم صحة الرواية، ليتبين ارتباط الواقعة بخلاف حول أولوية المرور، وأن صاحب المنشور، وهو طبيب بيطري، اختلق القصة بهدف الانتقام من السائق. وهنا ارتكب المتهم خطأ جديدًا؛ فلم يكتفِ بمحاولة إخفاء الحقيقة، وإنما صنع واقعة أخرى من نسج خياله، فتحولت القصة التي أراد من خلالها تضليل الآخرين إلى خيط إضافي ساعد في كشف الحقيقة. المتهم يهرب.. والتحقيقات تتبع خطواته قد يغير المتهم ملابسه، أو يتخلص من أداة، أو يترك هاتفه، أو يغير طريقه، أو يحاول اختلاق رواية بديلة، لكنه لا يستطيع بسهولة محو جميع الآثار المرتبطة بالواقعة. فالتحقيقات لا تتوقف عند مسرح الجريمة، وإنما تبحث في الصورة الكاملة، من خلال تتبع تحركات المشتبه بهم، والأشخاص الذين تعاملوا معهم، والاتصالات، والأماكن التي توجهوا إليها، وما قاموا بشرائه أو التخلص منه، ومدى توافق رواياتهم مع الأدلة والوقائع التي جرى التوصل إليها.

وقد يكون الخطأ الذي يرتكبه المتهم بعد الجريمة، تحت تأثير الخوف والارتباك، أكثر وضوحًا من الخطأ الذي وقع فيه أثناء ارتكابها. الجريمة لا تنتهي بالهروب الابتعاد عن مسرح الجريمة لا يعني الابتعاد عن آثارها، فالتصرفات التي تأتي بعدها قد تترك وراءها سلسلة من الخيوط التي تساعد أجهزة البحث والتحري في إعادة بناء الأحداث والوصول إلى الحقيقة.

حقيبة، تغيير اتجاه، قفاز، هاتف متروك، أو رواية مفبركة.. تفاصيل صغيرة قد يعتقد صاحبها أنها قادرة على محو الحقيقة، لكنها قد تتحول في النهاية إلى خيط جديد يقود إليها.