رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي33| ندوة «الجيو-مسرحي» تناقش الجغرافيا والجسد والمتفرج كمساحات للمقاومة والعدالة

6-9-2026 | 16:25


ندوات المحور الفكري لمهرجان المسرح التجريبي33

همت مصطفى

ناقشت ندوة «الجيو-مسرحي بين العدالة الاجتماعية وجماليات الأداء» تحولات العلاقة بين الجغرافيا والجسد والمتفرج، ودورها في إنتاج أشكال جديدة من الأداء المسرحي، وذلك من خلال ثلاث أوراق بحثية قدمت تجارب ورؤى متنوعة من نيجيريا وألمانيا وبلغاريا، والتي نظمت بالمجلس الأعلى للثقافة ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.

 المشاركون في ندوة«الجيو-مسرحي بين العدالة الاجتماعية وجماليات الأداء» 

وأدارت الندوة الدكتورة أسماء يحيى الطاهر، بمشاركة الدكتورة نورا أمين، والباحث ويلي براجر من بلغاريا، والدكتور وفوندا إلهونغو من نيجيريا، مؤكدة في مستهل الجلسة أن الأوراق الثلاث تجمع بين اختلاف التجارب الثقافية وتنوع الرؤى البحثية، بما يفتح المجال أمام تلاقح فكري وفني ملهم.

وفوندا إلهونغو: بيئة «دلتا النيجر» ليست خلفية للعرض بل مؤدٍّ فاعل في صناعة المعنى

قدم الدكتور وفوندا إلهونغو من نيجيريا ورقة بعنوان «العنف النفطي: جماليات الأداء وإعادة تخيل دلتا النيجر في المسرح التجريبي والأفلام»، تناول خلالها الآثار البيئية والسياسية والاجتماعية لاستخراج النفط في منطقة دلتا النيجر، وكيف تحولت هذه الحقائق القاسية إلى مادة للأداء الفني.

وأوضح أن «العنف النفطي» لا يقتصر على الصراعات المسلحة، بل يشمل التلوث الناتج عن التسربات النفطية، وتدمير مصادر الصيد والزراعة، وعسكرة المجتمعات والصراعات المرتبطة بالموارد. كما أشار إلى مفهوم «العنف البطيء»، المتمثل في التدهور البيئي التدريجي الذي يؤثر في حياة السكان وصحتهم وعلاقتهم بأرضهم عبر الزمن.

وأكد «إلهونغو» أن مهمة الفنان لا تقتصر على توثيق المعاناة، بل تتمثل في تحويلها إلى صور وحكايات وحركة وصوت وتجارب جمالية قادرة على كشف أبعاد الواقع. وطرح سؤالًا محوريًا حول ما تفعله جغرافيا دلتا النيجر داخل الأداء نفسه، وكيف تتحول البيئة إلى عنصر مشارك في صناعة السرد.

واستند الباحث «إلهونغو» إلى مفهوم «الجماليات الجغرافية»، الذي ينظر إلى المكان بوصفه «مؤديًا مشاركًا»، حيث تؤثر الممرات المائية والمناظر الطبيعية والفضاءات العسكرية في حركة الشخصيات وتكوين الصراع وإنتاج المعنى.

وطبق«إلهونغو»  دراسته على فيلمي «الخور» و«دم ونفط»، إلى جانب تجربة مسرحية تجريبية، من خلال خمسة محاور تشمل الدراماتورجيا البيئية، والوكالة المكانية والمادية، والأداء الجسدي، والسينوغرافيا، وعلاقة هذه العناصر بالمتفرج. وخلص إلى أن جغرافيا دلتا النيجر لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد ديكور، بل بوصفها قوة فاعلة تشكل الجسد والسرد والصورة المسرحية.

نورا أمين: التجريب الأدائي يعيد تعريف المتفرج ويجعل المسرح مساحة للعدالة الاجتماعية

و قدمت الدكتورة نورا أمين ورقة مستندة إلى بحث ميداني ودراسات حالة تجريها منذ عام 2016 حول التجريب في الفنون الأدائية في مدينة برلين، مع التركيز على مفهوم المتفرج والمشاهدة في مدينة تتسم بالتنوع الثقافي والهجرة والشتات.

وأوضحت «نورا» أن برلين تضم عددا كبيرا من الفنانين المنتمين إلى خلفيات مهاجرة ومتعددة الثقافات، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على المشهد الأدائي وعلى طبيعة جمهوره، وأشارت إلى أن هذا التنوع أسهم في ظهور موجة من التجريب تتجاوز الأشكال المسرحية المستقرة والتقليدية.

نورا أمين : مفهوم «المشاهدة المتجانسة» بدأ في التلاشي ليحل محله متفرج متعدد الانتماءات والخلفيات والثقافات

وأكدت «أمين» أن مفهوم «المشاهدة المتجانسة» بدأ في التلاشي، ليحل محله متفرج متعدد الانتماءات والخلفيات والثقافات،  و حضور فنانين ينتمون إلى ثقافات الجنوب العالمي أسهم في إعادة تعريف العلاقة بين الفنان والجمهور، وفي تطوير أشكال طقسية وتفاعلية وتشاركية للأداء.

 نورا أمين تستند  في بحثها إلى ثلاث تجارب لفنانين وفرق ذات أصول ثقافية متنوعة

واستندت   نورا أمين في بحثها إلى ثلاث تجارب لفنانين وفرق ذات أصول ثقافية متنوعة، مؤكدة أن هذه التجارب تجمع بين ثقافات أداء مختلفة والنشاط السياسي المناهض للعنصرية والاستعمار والساعي إلى العدالة الاجتماعية.

وأضافت أن هذه الممارسات تعيد الاعتبار للتجارب والسير الذاتية، وتكسر التحيزات التي تنظر إلى المواد الشخصية باعتبارها أقل احترافية، لتفتح بدلًا من ذلك مساحات جديدة لإنتاج المعرفة والتواصل الإنساني.

ورأت أن المسرح يمكن أن يتحول إلى مساحة متكافئة يصبح فيها الفنان والجمهور شركاء، مشددة على أن التجريب الأدائي يمثل فعلًا سياسيًا وفنيًا في آن واحد، لأنه لا يكتفي بانتقاد التمييز والهرمية، بل يتيح ممارسة بديلة للعلاقات الإنسانية، ويجعل من «التواجد معًا» تدريبًا حقيقيًا على إمكانية تغيير الواقع وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ويلي براجر: الجسد في الفنون الأدائية «عملة» تحمل قيماً ثقافية وسياسية واقتصادية

أما الباحث ويلي براجر من بلغاريا، فتناول في ورقته مفهوم «الجسد كعملة» في الفنون الأدائية والرقص المعاصر، موضحًا أن الجسد في العالم المعاصر لم يعد مجرد أداة فنية، بل أصبح حاملًا لقيم اقتصادية وثقافية وسياسية واجتماعية.

وأشار إلى أن الجسد في سوق الفنون الأدائية ينتقل بين المهرجانات والعقود والإقامات الفنية والإنتاجات المشتركة، ويمكن أن تصبح الهوية الثقافية والجغرافية والجماليات المرتبطة به جزءًا من عملية إنتاج القيمة الفنية.

وركز «براجر» على تجربة شرق وجنوب شرق أوروبا، ولا سيما بلغاريا، في مرحلة ما بعد عام 1989م، وسقوط جدار برلين، الذي أحدث تحولًا سياسيًا وثقافيًا أنهى احتكار الدولة للمؤسسات الفنية، وأتاح ظهور المبادرات المستقلة والمنظمات غير الحكومية والمهرجانات والمنصات الجديدة.

وأوضح  «براجر» أن الفنون الأدائية قبل هذا التحول كانت خاضعة لسيطرة الدولة وللسرديات الأيديولوجية، بينما شهدت المرحلة اللاحقة توسعاً في استقلال الفنانين وانفتاحاً على الشبكات الدولية والإنتاجات المشتركة.

وأكد  «براجر» أن هذا التحول أتاح للجسد والفنون المعاصرة مساحة أكبر للتجريب والحركة والتبادل، مشيراً إلى أهمية المهرجانات والإقامات الفنية والشراكات الدولية في ضمان استدامة الفنانين والعروض وتوسيع آفاق الحوار الثقافي.

واختتمت الندوة بتأكيد أهمية النظر إلى الجغرافيا والجسد والمتفرج باعتبارها عناصر فاعلة في العملية الأدائية، لا مجرد مكونات ثابتة، بما يفتح المسرح على إمكانات جديدة للتجريب والمقاومة وإنتاج المعرفة والبحث عن العدالة الاجتماعية.

دعم التجريب والانفتاح على أحدث الاتجاهات في المسرح المعاصر

وتقام الدورة الثالثة والثلاثون من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي برئاسة الدكتور سامح مهران، في الفترة من 1إلى 8 سبتمبر المقبل، على مسارح القاهرة الكبرى، وتتضمن إلى جانب عروضها المسرحية برنامجًا فكريًا وورشًا تدريبية وفعاليات موازية، في إطار توجه المهرجان إلى دعم التجريب والانفتاح على أحدث الاتجاهات في المسرح المعاصر.