في إطار الاحتفال بيوم المسرح المصري، ألقى الكاتب الكبير محمد سلماوي كلمةً استعرض فيها المسيرة التاريخية والدور التنويري للمسرح الحديث منذ نشأته في القرن التاسع عشر على يد يعقوب صنوع ورادته الأوائل، وجاء فعالية يوم المسرح المصري أمس السبت 5 سبتمبر الجاري، بمسرح المعهد العالي للموسيقى العربية، بالإسعاف في رمسيس.
وأكد «سلماوي» في كلمته أن المسرح المصري لم يكن يوماً مجرد وسيلة للإمتاع، ولكنه كان منبرًا للعقل ومرآة للمجتمع وضميرًا للأمة، مشيرًا إلى أن فترة الستينيات شهدت انطلاقته الحقيقية كأداة لتشكيل الوعي الجماهيري ومناقشة قضايا العدالة الاجتماعية والحرية، قبل أن ينتقل في السبعينيات إلى نقد التحولات الاجتماعية، وصولًا إلى التسعينيات حيث وقف في طليعة المواجهة ضد التطرف والإرهاب ليظل دائمًا رسالة تنوير ووسيلة لبناء الفكر الإنساني.
« وجاء نص كلمة الكاتب الكبير محمد سلماوي كالتالي:
«فِي يَوْمِ الْمَسْرَحِ الْمِصْرِيِّ، نَحْتَفِي بِخَشَبَةٍ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا مُجَرَّدَ مَكَانٍ تُرْوَى فَوْقَهُ الْحِكَايَاتُ، بَلْ كَانَتْ، مُنْذُ أَنْ أَطَلَّ الْمَسْرَحُ الْمِصْرِيُّ الْحَدِيثُ فِي الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، مِنْبَرًا لِلْعَقْلِ، وَنَافِذَةً عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَمَجَالًا تَتَصَارَعُ فِيهِ الْأَسْئِلَةُ الْكُبْرَى مَعَ ظَلَامِ التخلف. منذ يَعْقُوبَ صَنُّوعَ وَرُوَّادِ الْمَسْرَحِ الْأَوَائِلِ، أَدْرَكَ الْمَسْرَحُ الْمِصْرِيُّ أَنَّ رِسَالَتَهُ لَا تَكْتَمِلُ بِإِمْتَاعِ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّ الضَّحْكَةَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ فِعْلَ مُقَاوَمَةٍ، وَأَنَّ الْكَلِمَةَ عَلَى الْخَشَبَةِ قَدْ تُوقِظُ وَعْيًا غَافِيًا، وَتَفْتَحُ لِلْإِنْسَانِ طَرِيقًا إِلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ ظَلَّ الْمَسْرَحُ الْمِصْرِيُّ، فِي لَحَظَاتِهِ الْمُضِيئَةِ، ضَمِيرًا لِلْأُمَّةِ، وَمِرْآةً لِلْمُجْتَمَعِ، وَسُؤَالًا دَائِمًا لِلسُّلْطَةِ وَالْوَاقِعِ وَالْإِنْسَانِ.وَإِذَا كَانَتْ فَتْرَةُ السِّتِّينِيَّاتِ الْمَاضِيَةِ قَدْ شَهِدَتِ الِانْطِلَاقَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْمَسْرَحِ الْمِصْرِيِّ؛ فَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَدَاةَ تَشْكِيلٍ لِلْوَعْيِ الْجَمَاهِيرِيِّ، وَسَاحَةً لِمُنَاقَشَةِ الْقَضَايَا الْكُبْرَى، مِنَ الْعَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ. وَرَغْمَ مَرْحَلَةِ التَّرَاجُعِ الَّتِي صَاحَبَتْ سِيَاسَةَ الِانْفِتَاحِ الِاقْتِصَادِيِّ فِي السَّبْعِينِيَّاتِ، فَقَدْ شَهِدَ الْمَسْرَحُ تَحَوُّلًا فِي الْقَضَايَا الَّتِي يَطْرَحُهَا، فَانْتَقَلَ مِنَ التَّبْشِيرِ بِالْحَلَمِ الْقَوْمِيِّ إِلَى نَقْدِ الْوَاقِعِ الْجَدِيدِ، وَالتَّنْبِيهِ إِلَى مَخَاطِرِ التَّحَوُّلَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالنَّفْعِيَّةِ، وَمَعَ مَطْلَعِ التِّسْعِينِيَّاتِ حِينَ وَاجَهَتْ مِصْرُ تَحَدِّيًا خَطِيرًا تَمَثَّلَ فِي تَصَاعُدِ مَوْجَاتِ التَّطَرُّفِ الدِّينِيِّ وَالْإِرْهَابِ، كَانَ الْمَسْرَحُ مَرَّةً أُخْرَى فِي طَلِيعَةِ الْمُوَاجَهَةِ.إِنَّ الْمَسْرَحَ لَا يُغَيِّرُ الْعَالَمَ بِالصَّخَبِ، بَلْ بِمَا يَزْرَعُهُ فِي الْوِجْدَانِ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى التَّفْكِيرِ، وَفِي الْعَقْلِ مِنْ شَجَاعَةِ السُّؤَالِ، وَفِي الرُّوحِ مِنْ إِحْسَاسٍ بِالْجَمَالِ وَالْحَقِّ. وَلِذَلِكَ تَبْقَى رِسَالَتُهُ، الْيَوْمَ كَمَا كَانَتْ بِالْأَمْسِ، رِسَالَةَ تَنْوِيرٍ، فَهُوَ يَحُثُّنَا عَلَى أَنْ نَرَى مَا لَا نَرَاهُ، وَأَنْ نَتَسَاءَلَ حَوْلَ مَا نَظُنُّهُ يَقِينًا، وَأَنْ نَكْتَشِفَ فِي الْآخَرِ إِنْسَانِيَّتَنَا الْمُشْتَرَكَةَ.فِي يَوْمِ الْمَسْرَحِ الْمِصْرِيِّ، تَحِيَّةٌ إِلَى خَشَبَةٍ أَضَاءَتْ لَنَا الطَّرِيقَ، وَإِلَى كُلِّ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا مُؤْمِنًا بِأَنَّ الْفَنَّ لَيْسَ تَرَفًا، وَأَنَّ الْمَسْرَحَ، حِينَ يَكُونُ وَفِيًّا لِرِسَالَتِهِ، يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْعَلَ مِنَ الْوَعْيِ بِدَايَةً لِلتَّغْيِيرِ.فَلْيَظَلَّ الْمَسْرَحُ الْمِصْرِيُّ مِنْارَةً لِلْعَقْلِ، وَذَاكِرَةً لِلْوِجْدَانِ، وَصَوْتًا لِلْإِنْسَانِ».

