لا تتحدث الإنجليزية.. الجيل الجديد في أفريقيا يستعيد لغاته الأصلية
بعد عقود تراجعت خلالها لغات أفريقية كثيرة أمام الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية، بدأت موجة جديدة من الإحياء الثقافي يقودها الشباب، الذين يحاولون استعادة لغاتهم الأصلية وتحويلها من إرث مهدد بالتراجع إلى وسيلة للتواصل وتعزيز الهوية والانفتاح على المستقبل.
وتتنامى هذه الحركة داخل القارة الأفريقية وفي أوساط أبنائها في الشتات، مدفوعة برغبة متزايدة في فهم الجذور الثقافية والتواصل مع الأجيال السابقة.
وفي لاغوس، العاصمة الاقتصادية لنيجيريا، يجذب برنامج مسابقات تلفزيوني يحمل اسم “ماسوينبو”، أي “لا تتحدث الإنجليزية”، اهتمامًا واسعًا من خلال قاعدة بسيطة: استخدام الإنجليزية يعني الخسارة.
ويخضع المتسابقون في البرنامج لاختبارات في لغة اليوروبا وثقافتها، بينما تصل قيمة الجوائز إلى آلاف الدولارات.
ويرى مقدم البرنامج، أولاليكان فابيلولا، أن نجاح التجربة يعكس تحولًا ثقافيًا أوسع، قائلًا إن الناس باتوا “يتوقون للعودة إلى جذورهم” والتعرف إلى أصولهم.
ولا يتوقف هذا الاهتمام عند حدود القارة. ففي كندا، تتعلم نياشادزاشي ماشينجورا، البالغة 15 عامًا، لغة الشونا عبر الإنترنت مع معلمة في زيمبابوي. وتقول إن نشأتها من دون فهم لغة عائلتها جعلتها تشعر أحيانًا بالغربة، رغم تناولها الطعام التقليدي وارتدائها الملابس المحلية.
لكن تعلم اللغة غيّر علاقتها بعائلتها، إذ أصبحت قادرة على إجراء محادثات أطول مع جديها في زيمبابوي، وتقول إن ذلك منحها شعورًا أكبر بالفخر بتراثها.
وفي زيمبابوي، تركت شونغو تشيدوفي عملها في القطاع المصرفي للتفرغ لمنصة “ZimbOriginal”، التي تقدم دروسًا في لغة الشونا من خلال القصص ونوادي القراءة وبرامج تبادل اللغة.
وتضم المنصة نحو 20 طالبًا في دول عدة، مقابل اشتراك شهري يبلغ 50 دولارًا.
وتكشف هذه المبادرات عن تغير في نظرة الأجيال الجديدة إلى اللغات الأفريقية، بعد سنوات طويلة هيمنت خلالها الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية على قطاعات التعليم والإدارة والأعمال في العديد من دول القارة.
وتضم أفريقيا، وفق تقديرات اليونسكو، ما بين 1500 و3000 لغة، لكن خبراء يحذرون من أن كثيرًا منها لم يطور بما يكفي لاستخدامه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتجارة، كما أن حضور اللغات الأفريقية على الإنترنت لا يتجاوز نحو 2%، الأمر الذي يحد من قدرتها على مواكبة تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتحاول مؤسسات، من بينها الاتحاد الأفريقي واليونسكو، مواجهة هذا التراجع من خلال توثيق اللغات والعمل على إحيائها، فيما ساهم اعتماد السواحيلية لغة عمل رسمية للاتحاد الأفريقي عام 2022 في تعزيز مكانتها.
ومع اتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتعليم الإلكتروني، تبدو اللغات الأفريقية أمام مرحلة جديدة، تتحول فيها من مجرد إرث ثقافي مهدد بالتهميش إلى أداة لاستعادة الهوية وتعزيز التواصل بين الأجيال وفتح آفاق جديدة في التعليم والأعمال.