بليغ حمدي.. 33 عاما على رحيل "ابن النيل" الذي غنى له الوطن والحب
تحل اليوم السبت 12 سبتمبر ذكرى رحيل الموسيقار والملحن والمطرب المصري بليغ حمدي، الذي رحل عن عالمنا في مثل هذا اليوم من عام 1993، عن عمر ناهز 62 عاما، بعد صراع مع مرض الكبد، تاركا وراءه إرثا موسيقيا ضخما امتد لعقود، وجعل اسمه واحدا من أبرز الأسماء في تاريخ الموسيقى العربية.
ولد بليغ عبد الحميد حمدي مرسي في 7 أكتوبر 1931 بحي شبرا في القاهرة، وكان والده أستاذا لمادة الفيزياء بجامعة فؤاد الأول، جامعة القاهرة حاليا. وارتبط بليغ بالموسيقى منذ طفولته، فأجاد العزف على العود وهو في التاسعة من عمره، وحاول في سن الثانية عشرة الالتحاق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، إلا أن صغر سنه حال دون ذلك.
من دراسة الحقوق إلى عالم الموسيقى
التحق بليغ بمدرسة شبرا الثانوية، وفي الوقت نفسه درس أصول الموسيقى في مدرسة عبد الحفيظ إمام للموسيقى الشرقية، ثم تتلمذ على يد الموسيقار درويش الحريري، وتعرف من خلاله على فن الموشحات العربية.
والتحق بليغ بكلية الحقوق، لكنه لم يبتعد عن شغفه بالموسيقى، فدرس بشكل أكاديمي في معهد فؤاد الأول للموسيقى، المعهد العالي للموسيقى العربية حاليا.
البداية من الإذاعة ثم الانتقال إلى التلحين
بدأ بليغ حمدي مسيرته الفنية مطربا، بعدما أقنعه محمد حسن الشجاعي، مستشار الإذاعة المصرية وقتها، باحتراف الغناء، وسجل بالفعل أربع أغنيات للإذاعة المصرية.
لكن شغفه الحقيقي كان يتجه نحو التلحين، فقدم ألحانا لفايدة كامل من بينها «ليه لأ» و«ليه فاتني ليه»، ثم لحن لفايزة أحمد أغنية «ما تحبنيش بالشكل ده».
وتوطدت علاقته بالموسيقار محمد فوزي، الذي منحه فرصة التلحين لكبار المطربين والمطربات من خلال شركة «مصر فون» التي كان يمتلكها، حتى جاءت عام 1957 أولى محطات بليغ المهمة مع عبد الحليم حافظ من خلال أغنية «تخونوه».
بليغ حمدي وأم كلثوم.. بداية علاقة فنية استثنائية
كان محمد فوزي هو من قدم بليغ حمدي إلى أم كلثوم، في الوقت الذي كانت فيه كوكب الشرق تبحث عن تجديد موسيقاها.
وخلال إحدى الأمسيات في منزل الدكتور زكي سويدان، قدم فوزي بليغ لأم كلثوم، وأكد لها أنه ملحن مميز، ثم طلب منه أن يغني لها من ألحانه، فقدم «حب إيه».
وفوجئ بليغ بأم كلثوم تجلس إلى جواره على الأرض وسط دهشة الحاضرين، وطلبت منه أن يزورها في اليوم التالي لسماع الأغنية كاملة.
وفي ديسمبر 1960، غنت أم كلثوم «حب إيه»، لتحقق الأغنية نجاحا كبيرا، وتفتح الباب أمام واحدة من أهم العلاقات الفنية في تاريخ الموسيقى العربية.
وقدم بليغ لأم كلثوم بعد ذلك مجموعة من الألحان، من بينها «أنساك» عام 1961، و«ظلمنا الحب» عام 1962، و«كل ليلة وكل يوم» عام 1963، و«سيرة الحب» عام 1964، و«بعيد عنك» عام 1965، و«فات الميعاد» عام 1967، و«إنا فدائيون» أو «سقط القناع»، و«ألف ليلة وليلة» عام 1969، و«الحب كله» عام 1971، و«حكم علينا الهوى» عام 1973، التي كانت آخر ما غنته أم كلثوم من ألحانه.
مع عبد الحليم حافظ.. ألحان صنعت ذاكرة الأغنية
قدم بليغ حمدي لعبد الحليم حافظ مجموعة من أشهر ألحانه منذ نهاية الخمسينيات وحتى منتصف السبعينيات، من بينها «تخونوه»، «خسارة»، «خايف مرة أحب»، «أعز الناس»، «سواح»، «على حسب وداد قلبي»، «التوبة»، «جانا الهوى»، «عدى النهار»، «المسيح»، «البندقية اتكلمت»، «فدائي»، «الهوى هوايا»، «موعود»، «زي الهوا»، «مداح القمر»، «حاول تفتكرني»، «عاش اللي قال»، و«أي دمعة حزن لا».
كما ارتبط اسم بليغ بأغنية «حبيبتي من تكون»، التي أضيفت إليها المقدمة الموسيقية وسجلت وإذاعت بعد رحيل عبد الحليم حافظ.
وردة الجزائرية.. قصة حب وفن
تزوج بليغ حمدي من الفنانة الجزائرية وردة عام 1972 بعد قصة حب، وقدم لها خلال مسيرتهما المشتركة عددا كبيرا من أشهر ألحانه.
ومن أبرز ما غنت وردة من ألحانه «العيون السود»، «خليك هنا»، «حكايتي مع الزمان»، «بودعك»، «لو سألوك»، «اسمعوني»، «اشتروني»، «مالي وأنا»، «دار يا دار»، «وحشتوني»، «ولاد الحلال»، «احضنوا الأيام»، «والله يا مصر زمان»، «أحبك فوق ما تتصور»، «من بين ألوف»، «ليالينا»، «ليل يا ليالي»، «على الربابة» و«ومالو».
وكان بليغ أكثر من لحن لوردة خلال مسيرته، حتى أصبحت أعمالهما المشتركة من أبرز صفحات الموسيقى العربية.
شادية.. صوت مصر في ألحان بليغ
جمع بليغ حمدي والفنانة شادية تعاون فني واسع، تنوع بين الأغنيات الشعبية والعاطفية والوطنية.
ومن أبرز الأعمال التي جمعتهما «قولوا لعين الشمس»، «عطشان يا صبايا»، «يا حبيبتي يا مصر»، «أدخلواها سالمين»، «آخر ليلة»، «خدني معاك» و«مكسوفة».
كما لحن بليغ جميع أغاني واسكتشات مسرحية «ريا وسكينة» لشادية، ولحن أغاني فيلم «أضواء المدينة»، كما وضع ألحان فيلم «شيء من الخوف»، ومن بينها «يا عيني ع الوله».
وتبقى «يا حبيبتي يا مصر» واحدة من أشهر الأغنيات الوطنية في تاريخ الغناء المصري، وأكثر الأعمال ارتباطا باسم شادية وبليغ حمدي.
محمد رشدي والفلكلور المصري
كان لبليغ حمدي دور بارز في تقديم الفلكلور المصري إلى جمهور واسع، خاصة من خلال تعاونه مع المطرب محمد رشدي والشاعر عبد الرحمن الأبنودي.
وقدم الثلاثي عددا من الأغنيات التي أصبحت من علامات الأغنية الشعبية المصرية، من بينها «عدوية»، و«بلديات»، و«وسع للنور».
كما لحن بليغ لمحمد رشدي «طاير يا هوى»، «على الرملة»، «ميتي أشوفك»، «بياع القناديل» و«سالمة يا سلامة».
من نجاة إلى صباح وميادة الحناوي
امتدت ألحان بليغ حمدي إلى عدد كبير من الأصوات العربية، ومن بينها الفنانة نجاة التي قدم لها «أنا بستناك»، و«كل شيء راح»، و«الطير المسافر»، و«سلم علي»، و«ليلة من الليالي»، و«حلاوة الحب»، وغيرها.
كما تعاون مع الفنانة صباح في عدد من الأغنيات، من بينها «عاشقة وغلبانة»، «يانا يانا»، «زي العسل»، «جاني وطلب السماح» و«أمورتي الحلوة».
وكان لميادة الحناوي نصيب كبير من ألحانه، خاصة خلال السنوات الأخيرة من حياته، ومن أشهر ما قدم لها «الحب اللي كان» و«أنا بعشقك»، إلى جانب «مش عوايدك»، «فاتت سنة»، «أنا أعمل إيه»، «سيدي أنا»، «أول وآخر حبيب»، «حبينا واتحبينا» و«دعوة للحب».
وكان «عندي كلام» من كلمات الشاعر السعودي عبد الرحمن الحوتان آخر ألحانه لميادة الحناوي.
عزيزة جلال و«مستنياك»
قدم بليغ حمدي للفنانة المغربية عزيزة جلال مجموعة من الألحان، كان أبرزها «مستنياك» و«حرمت الحب عليه»، وحققت «مستنياك» نجاحا كبيرا، وأصبحت من أشهر الأغنيات في مسيرة عزيزة جلال.
كما قدم لها أغنية وطنية بعنوان «من كل دقة قلب» بمناسبة عيد العرش المغربي.
سميرة سعيد وعلي الحجار وأصوات أخرى
تعاون بليغ حمدي مع الفنانة سميرة سعيد في عدد كبير من الأعمال، من بينها «زي البحر حبيبي»، و«أحلام الأميرة»، و«خلاص حبينا»، و«علمناه الحب»، و«كتر الكلام»، و«بنلف».
كما كان بليغ حمدي مكتشف المطرب علي الحجار، ولحن له أول أغنياته «على قد ما حبينا»، إلى جانب «طب قولنا لما أنت ناوي ع السفر» و«طاب العنب»، كما لحن له أغنية «أحبابنا من عشمهم» و«ما بلاش»، ووضع ألحان تتر المقدمة والختام وأغاني الجزء الأول من مسلسل «بوابة الحلواني».
وامتدت أعماله إلى أصوات أخرى، من بينها هاني شاكر، وعفاف راضي، ومحمد الحلو، وأصالة نصري، وعماد عبد الحليم، ووليد توفيق، ونوال غشام، وسمية قيصر، وذكرى، وأحمد عدوية، ومحمد عبده، وطلال مداح، وفهد بلان، ومحرم فؤاد، ولطيفة وغيرهم.
بليغ حمدي وألحان النصر
ارتبط اسم بليغ حمدي أيضا بالأغنية الوطنية، خاصة خلال فترتي النكسة وحرب أكتوبر.
وبعد حرب 1967، قدم «عدى النهار» لعبد الحليم حافظ، لتصبح الأغنية واحدة من أبرز الأعمال التي عبرت عن مرحلة النكسة.
وخلال حرب أكتوبر 1973، ذهب بليغ حمدي وزوجته وقتها وردة الجزائرية إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون، ورغم منع غير العاملين من الدخول بسبب ظروف الحرب، أصر على دخول المبنى لتسجيل أغنيات للنصر.
وبحسب ما يروى عن الواقعة، طلب بليغ من صديقه الإذاعي وجدي الحكيم السماح له بالدخول، قائلا: «حعملك محضر في القسم يا وجدي عشان مش عاوز تخليني أدخل أعمل أغنية لبلدي».
وبعد السماح له بالدخول، تعهد بليغ بتحمل أجور الموسيقيين بسبب عدم وجود ميزانية لتسجيل أغاني النصر، وسجل أغنيتي «على الربابة بغني» و«بسم الله».
ومن أبرز أعماله الوطنية أيضا «البندقية اتكلمت»، «عبرنا الهزيمة»، «فدائي»، «عاش اللي قال» و«يا حبيبتي يا مصر».
بليغ حمدي في السينما والمسرح والتليفزيون
لم تقتصر إبداعات بليغ حمدي على الأغنيات، إذ وضع الموسيقى التصويرية لعدد كبير من الأفلام والمسرحيات والمسلسلات التليفزيونية والإذاعية.
ومن أبرز الأفلام التي وضع موسيقاها «إحنا بتوع الأتوبيس»، «شيء من الخوف»، «أبناء الصمت»، «العمر لحظة»، «مسافر بلا طريق»، «آه يا ليل يا زمن» و«أضواء المدينة».
كما وضع ألحان وموسيقى عدد من الأعمال المسرحية، من بينها «ريا وسكينة»، «زقاق المدق» و«تمر حنة»، وشارك في المسرح الغنائي من خلال أعمال مثل «مهر العروسة»، «تمر حنة» و«ياسين ولدي».
وفي الدراما، وضع موسيقى وألحان «أفواه وأرانب» و«بوابة الحلواني»، الذي يعد آخر ما لحنه في حياته، وأسهمت موسيقاه في ارتباط الجمهور بالمسلسل وشهرته.
«مولاي».. بليغ حمدي والمنشد النقشبندي
لم يتوقف إبداع بليغ حمدي عند الأغنية العاطفية والوطنية والشعبية، بل امتد إلى الابتهالات الدينية، ومن أشهر ما قدمه ألحانه للشيخ سيد النقشبندي، وفي مقدمتها الابتهال الشهير «مولاي».
كما قدم ألحانا للأطفال، من بينها «أنا عندي بغبغان»، وأعمالا أخرى ضمن مسلسل «أوراق الورد» للفنانة وردة.
بليغ حمدي.. «ملك الموسيقى»
وصف الشاعر كامل الشناوي بليغ حمدي بأنه «أمل مصر في الموسيقى»، كما عرف بلقب «سيد درويش العصر»، وكان «ملك الموسيقى» هو اللقب الأشهر الذي ارتبط به.
وكان بليغ يوقع بعض أغانيه ومقدماتها باسم مستعار هو «ابن النيل».
كما تناول الفيلم التسجيلي «بليغ لحن الشجن»، الذي أنتج عام 2007، مسيرته وشخصيته من خلال شهادات عدد من المقربين منه والفنانين والموسيقيين الذين عملوا معه أو عرفوه.
رحيل بليغ حمدي
رحل بليغ حمدي في 12 سبتمبر 1993 عن عمر ناهز 62 عاما، بعد صراع طويل مع مرض الكبد.
وفي صباح اليوم التالي، نعته جريدة الأهرام بعبارة «مات ملك الموسيقى»، في تعبير يلخص المكانة التي احتلها بليغ حمدي في تاريخ الموسيقى المصرية والعربية.
وبعد رحيله، بقيت ألحانه حاضرة في وجدان الجمهور، من «حب إيه» و«سيرة الحب» إلى «تخونوه» و«عدى النهار» و«يا حبيبتي يا مصر» و«العيون السود» و«أنا بعشقك» و«مستنياك» و«مولاي».
لم يكن بليغ حمدي مجرد ملحن، بل كان صاحب مشروع موسيقي خاص، نجح من خلاله في نقل الإيقاعات والجمل الشعبية المصرية إلى أصوات كبار المطربين، وقدم الموسيقى الرومانسية والوطنية والشعبية والدينية، ليترك إرثا فنيا لا يزال حاضرا بعد عقود من رحيله.