عقب عرض مجموعة الأفلام التي حملت عنوان «تردد» ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان ميدفست مصر في دورته الثامنة، أقيمت جلسة نقاشية أدارها الأخصائي النفسي مايكل ملاك، وشارك فيها كل من الأخصائية النفسية ليديا جادالله، والفنانة چيدا منصور، والمخرج ياسر شفيعي، لمناقشة المشاعر والأفكار التي أثارتها الأفلام، وما تعكسه من تجارب إنسانية يعيشها كثيرون في حياتهم اليومية.
مايكل ملاك: أحيانًا الجمهور نفسه يصبح جزءًا من التجربة
بدأ مايكل ملاك النقاش بالإشارة إلى اختلاف تجربة مشاهدة الأفلام داخل قاعة المهرجان عن مشاهدتها بشكل منفرد، موضحًا أنه شعر أثناء العرض بأن الجمهور المحيط به أصبح جزءًا من التجربة النفسية نفسها.
وأشار إلى أن وجود أشخاص آخرين يعيشون اللحظة ذاتها قد يخلق نوعًا من التنظيم المشترك للمشاعر (Co-regulation)، حيث يمكن للإنسان أن يتأثر بوجود الآخرين حتى من دون حديث مباشر بينهم، قبل أن يفتح النقاش حول أكثر الأفلام تأثيرًا في المشاركين.
ليديا جادالله: الشاشة صنعت مسافة بين الإنسان والمجتمع
قالت الأخصائية النفسية ليديا جادالله إن الشعور الغالب الذي خرجت به من مجموعة الأفلام كان الحزن، خاصة فيما يتعلق بالمسافة المتزايدة بين الإنسان والعالم الخارجي.
وأشارت إلى أن الشاشات والهواتف وأجهزة الكمبيوتر أصبحت تخلق مسافة بين الإنسان والمجتمع الذي ينتمي إليه، بما يؤدي أحيانًا إلى حالة من الانفصال أو Disconnection.
وتوقفت عند فيلم «Signal»، موضحة أنها شعرت بصدقه الشديد، خاصة في الطريقة التي عبر بها عن وجود ضوضاء خارجية وأخرى داخلية، بينما يحاول الإنسان أن يرسل إشارة من بين كل هذه الضوضاء، من دون أن يكون مسموعًا أو مرئيًا بالشكل الذي يحتاج إليه.
ليديا جادالله: في التعامل مع الخرف.. لا تحاول إصلاح منطق المريض
وتحدثت ليديا جادالله عن فيلم تناول تجربة العيش مع شخص مصاب بالخرف، مشيرة إلى صعوبة هذه التجربة على المحيطين بالمريض.
وأوضحت أن أحد أهم الأمور التي لفتت نظرها في الفيلم هو أن الشخصية لم تحاول تصحيح منطق والدتها أو إجبارها على العودة إلى الواقع، وإنما تعاملت مع مشاعرها وصدقتها، وتركت لها مساحة للحديث عن زوجها وذكرياتها.
وأشارت إلى أن الشخصية تمسكت بالتفاصيل القليلة التي استطاعت والدتها تذكرها، خاصة اللحظات التي شعرت فيها أنها استعادت، ولو مؤقتًا، جزءًا من والدتها القديمة، معتبرة أن هذا النوع من التعامل يساعد على الحفاظ على مساحة من التواصل بدلًا من الدخول في صراع دائم مع المرض.
وانتقل النقاش إلى أحد الأفلام التي تناولت الوحدة والاحتياج، حيث أشارت ليديا جادالله إلى اختلاف طريقة تعبير الأجيال الجديدة عن احتياجاتها، معتبرة أن هناك استعدادًا أكبر لدى بعض الشباب لإظهار الضعف والاحتياج بدلًا من إخفائهما.
وتوقفت عند فكرة أن الإنسان لا يستطيع دائمًا انتظار الآخرين حتى يكتشفوا ما يحتاج إليه دون أن يطلبه، مؤكدة أهمية أن يتعلم الإنسان وضع كلمات واضحة لاحتياجاته (Words to our needs).
وأضافت أن الاحتياج إلى الانتماء Need to belong هو احتياج إنساني أساسي، وأن الإنسان يحتاج إلى معرفة أين يشعر بأنه ينتمي، ومن هم الأشخاص الذين يستطيع أن يكون بينهم على حقيقته، وإذا اكتشف أن الدائرة التي يوجد فيها لا تناسبه، فعليه أن يبحث عن دائرة أخرى أكثر ملاءمة.
چيدا منصور: «كل حد فينا بينزل الصبح يقابل ناس كتير.. بس في الآخر ممكن يبقى لوحده»
من جانبها، تحدثت الفنانة چيدا منصور عن علاقتها بالأفلام المعروضة، موضحة أنها استطاعت الارتباط بمشاعر عدد من الشخصيات حتى عندما لم تكن تجاربها مطابقة تمامًا لتجارب الشخصيات.
وتوقفت بشكل خاص عند فيلم «عن الفريزر»، معتبرة أن الوحدة التي قدمها الفيلم كانت قريبة من تجربة إنسانية شائعة؛ فالإنسان قد يبدأ يومه وسط العمل والناس والانشغالات، لكنه يصل في النهاية إلى لحظة يدرك فيها أنه وحيد.
وأشارت إلى تفصيلة تناولها الفيلم من خلال وجود الآيس كريم في الفريزر، معتبرة أنها تحولت إلى صورة بسيطة عن اكتشاف الشخصية لوحدتها، موضحة أن ما أعجبها في الفيلم هو أن حل هذه الوحدة لم يكن يحتاج إلى شيء معقد؛ كان يكفي أن تتصل بصديقتها وتسألها إن كانت تريدها أن تأتي، فتجد استجابة لاحتياجها.
چيدا منصور: الممثل لا يحتاج أن يشعر بالإحساس بنسبة 100%
وفي حديثها عن الاستعداد للأدوار، أوضحت چيدا منصور أن الشخصية التي تعتمد بشكل كبير على التعبير الداخلي تحتاج إلى بناء تاريخ واضح لها، وفهم نشأتها وعلاقاتها وأهدافها والتجارب التي أوصلتها إلى اللحظة التي نراها فيها على الشاشة.
وأشارت إلى أهمية إدراك الممثل أن المشاعر ليست منفصلة وبسيطة، فقد يشعر الإنسان بالحماس والخوف في الوقت نفسه، أو بالغضب والحزن وخيبة الأمل معًا.
وأكدت أن الممثل لا يشترط أن يعيش الإحساس نفسه بنسبة 100% حتى يستطيع تقديمه، موضحة أن صدق الظرف الدرامي وفهم الشخصية، إلى جانب الأدوات الفنية مثل تعبيرات الوجه ولغة الجسد والصوت، هي عناصر أساسية في نقل الإحساس إلى الجمهور.
وأضافت أن تقديم شخصية تشعر بالوحدة وسط مكان مزدحم ليس بعيدًا عن الواقع، لأن الإنسان قد يكون محاطًا بالناس والهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، ومع ذلك يشعر بالعزلة.
ياسر شفيعي: كلنا مررنا بشكل من أشكال الوحدة
وتحدث المخرج ياسر شفيعي عن تأثير الأفلام عليه، موضحًا أنه شعر بأن الأفلام المعروضة تشبه جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية، وأن مشاعر الوحدة تحديدًا يمكن أن يمر بها الإنسان في مراحل مختلفة من حياته.
وأشار إلى أن الأفلام، بمجرد مشاهدتها، يمكن أن تترك أثرًا في الذاكرة، حتى لو اختلفت الطريقة التي يستقبل بها كل شخص العمل.
وتوقف عند أحد الأفلام التي أثارت لديه سؤالًا حول وعي الشخصيات بما يحدث حولها، وكيف يمكن للإنسان أن يكون محاصرًا داخل أزمة أو وحدة، بينما يظل غير قادر على رؤية الصورة كاملة.
ياسر شفيعي: تفاصيل صغيرة تصنع صدق الشخصية
وفي حديثه عن صناعة الأفلام، أشار ياسر شفيعي إلى أن التفاصيل الصغيرة في السيناريو وأداء الممثلين هي التي تمنح الشخصيات صدقها، موضحًا أن العمل على السيناريو لا يتوقف عند المسودة الأولى، وإنما يحتاج إلى تطوير مستمر.
وأضاف أن العمل مع الممثلين على التفاصيل، والنبرات، وطريقة ظهور الشخصيات، يمكن أن يصنع فارقًا كبيرًا، حتى بالنسبة للشخصيات التي لا تظهر إلا لفترة قصيرة.
وأوضح أن المشاهد يشعر بأن الشخصيات تمثله عندما يجد فيها نماذج شبيهة بالأشخاص الذين يراهم في حياته، وهو ما يجعل التفاصيل الإنسانية البسيطة قادرة على تحويل التجربة الفردية إلى تجربة يشعر الجمهور بأنها تخصه.
وأوضح شفيعي أن طبيعة العمل الفني قد تضع الممثل في حالات نفسية متغيرة باستمرار، وهو ما يتطلب امتلاك مهارات تساعده على تنظيم مشاعره والعودة إلى الحاضر.
وأشار إلى أهمية ممارسات اليقظة الذهنية (Mindfulness)، والقدرة على إدراك المشاعر والتعامل معها، إلى جانب وجود دوائر داعمة في حياة الفنان، حتى يستطيع أن يفصل بين الشخصية وحياته الخاصة.
وأكد أن بعض الفنانين قد يفقدون هويتهم الإنسانية خارج الأدوار إذا لم يمتلكوا القدرة على التعامل مع مشاعرهم، وهو ما قد يدفعهم إلى البحث عن وسائل أخرى للهروب من الضغوط.