حذر بعض أبرز الشخصيات في وادي السيليكون، معقل أبرز شركات التكنولوجيا الأمريكية، من أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل تهديدًا وجوديًا للبشرية، حتى في الوقت الذي كانوا يدفعون فيه نحو تطوير هذه التكنولوجيا، وهذا الأسبوع، أدى الاستقالة البارزة لأحد الباحثين في شركة "أنثروبيك" إلى نقل هذا النقاش إلى دائرة الاهتمام العام.
واستقال جاكوب كوكسون، وهو موظف عادي في الشركة، من وظيفته واتهم جهة عمله السابقة، شركتي "أنثروبيك" المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي "كلود"، و"أوبن إيه آي"، المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي "شات جي بي تي"، بـ«المقامرة بحياتنا» من خلال «التسابق نحو ذكاء اصطناعي فائق»، بحسب ما نقلته وكالة أنباء "بلومبرج" الأمريكية اليوم السبت.
وقال كوكسون إن الأشخاص الذين يطورون الذكاء الاصطناعي يعتقدون إنه قد «يقتلنا جميعًا بحلول نهاية العقد»، وهو ما ردده لاحقًا أشخاص آخرون في الشركة عبر شبكة الإنترنت، وقال أحد باحثي "أنثروبيك" إنه يعتقد أن هناك احتمالًا يتجاوز 10% لأن يقضي الذكاء الاصطناعي على جميع البشر خلال العقد المقبل.
وشوهدت منشورات كوكسون أكثر من 100 مليون مرة على منصة "إكس"، وأثارت موجة واسعة من ردود الفعل من صناع سياسات، مثل السيناتور بيرني ساندرز، إلى مغنية البوب شيريل كرو، وجميعهم دعوا إلى ضرورة أن يسيطر البشر على الذكاء الاصطناعي قبل أن يفرض هيمنته على الجنس البشري، كما قوبلت مذكرة استقالته بموجة من الدعم من موظفين في شركات مختلفة للذكاء الاصطناعي، بينهم عدد من زملائه السابقين.
ويعكس الاهتمام واسع الانتشار بتصريحات موظف كان غير معروف إلى حد كبير من قبل، استمرار التشاؤم العام تجاه الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في الولايات المتحدة، إلى جانب تصاعد القلق داخل وادي السيليكون مع تقدم التكنولوجيا وتصرفها بطرق أقل قابلية للتنبؤ.
وخلال الأيام الأخيرة، أشاد مسئولون تنفيذيون في "أوبن إيه آي" و"إنفيديا" ببداية «عصر الذكاء الاصطناعي العام»، في إشارة إلى شكل أكثر قوة من الذكاء الاصطناعي يُعرف باسم الذكاء الاصطناعي العام، يمكنه مجاراة البشر أو التفوق عليهم في معظم المهام.
ولا يزال هذا المفهوم غير محدد بشكل جيد ويخضع لنقاش واسع، لكن داخل قطاع التكنولوجيا، هناك قلق واسع من أن الذكاء الاصطناعي يقترب من المرحلة التي سيتمكن فيها من تطوير نفسه، وربما يتطور إلى ما يتجاوز سيطرتنا.
وقال بول كريستيانو، الباحث في سلامة الذكاء الاصطناعي والمستشار للحكومة الأمريكية، والذي عُين هذا الأسبوع في مجلس إدارة "أوبن إيه آي" غير الربحي: «أعتقد الآن أن هناك خطرًا حقيقيًا يتمثل في أن يؤدي التسارع السريع في قدرات الذكاء الاصطناعي إلى فقدان كارثي ولا رجعة فيه للسيطرة في المستقبل القريب جدًا».
وأضاف: «لا أعتقد أن قطاع الذكاء الاصطناعي عمومًا، بما في ذلك أوبن إيه آي، يسير حاليًا على المسار الصحيح لخفض هذا الخطر إلى مستوى مقبول».
وفي أواخر يوليو الماضي، وقع أكثر من 1,000 موظف في جميع شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى عريضة تدعو إلى إنشاء آلية لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، كما استقال عدد من العاملين في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي من مختبرات كبرى خلال الأشهر الأخيرة، وقال كبير العلماء في "أوبن إيه آي"، جاكوب باتشوكي، إن «لا أحد مستعد لعواقب الارتفاع السريع والمتواصل في ذكاء الآلات».
ورغم أن هذه التحذيرات اكتسبت مزيدًا من الإلحاح، فإنها ليست جديدة تمامًا، فمنذ بداية طفرة الذكاء الاصطناعي، حذر ما يُعرفون باسم المتشائمين في أوساط مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة وحولها من مستقبل هذه التكنولوجيا.
وقد تحدث مسئولون تنفيذيون بارزون، مثل داريو أمودي من "أنثروبيك"، وإيلون ماسك من "سبيس إكس"، علنًا عن احتمالية أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تدمير البشرية، أو ما يُعرف في أوساط القطاع باحتمال الهلاك، وقدّر ماسك أن تصل هذه الاحتمالية إلى 20%، بينما قال أمودي إن هناك احتمالًا بنسبة 25% لأن تسير الأمور «بشكل سيئ جدًا جدًا».
وغالبًا ما جرى رفض هذه التوقعات القاتمة باعتبارها محاولات من قادة قطاع التكنولوجيا لتسويق قدرات منتجاتهم وتقديم أنفسهم باعتبارهم أفضل من يمكنه إدارة هذه التكنولوجيا، أو لتحفيز فرض تنظيمات تصب في مصلحة قادة القطاع.
وعملت "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" وشركات أخرى على تطوير نماذج أكثر تطورًا للذكاء الاصطناعي، بهدف معلن يتمثل في اتخاذ الخطوات المناسبة لمواءمة التكنولوجيا مع المصالح البشرية، ويتمثل الهدف منذ فترة طويلة في الحد من المخاطر وتحقيق فوائد واسعة للمجتمع، سواء من خلال زيادة الإنتاجية أو علاج الأمراض.
وقال متحدث باسم "أنثروبيك" في بيان: «لطالما كنا واضحين بشأن أن الذكاء الاصطناعي سيجلب فوائد هائلة ومخاطر غير مسبوقة، ولمواجهة هذه المخاطر، نواصل بناء نماذج تتمتع ببعض أقوى وسائل الحماية في القطاع».
وأشار متحدث باسم "أوبن إيه آي" إلى مقال باتشوكي الذي حذر فيه من مخاطر المسار الحالي لتطوير الذكاء الاصطناعي، ودعا فيه إلى تعزيز الضوابط الوقائية المفروضة على الذكاء الاصطناعي الحالي، وربما «التنسيق لإبطاء التطوير المستقبلي عند الحاجة».
وقالت "أوبن إيه آي" إنها أبطأت أجزاء من تطوير النماذج وأوقفت مؤقتًا بعض عمليات التدريب الداخلي للذكاء الاصطناعي مؤخرًا بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.
وأثارت اكتشافات حديثة قلق العديد من المراقبين في القطاع، بعدما تبين أن وكلاء ذكاء اصطناعي «متمردين» من "أوبن إيه آي" عملوا معًا لاختراق إجراءات الاحتواء والتسلل إلى موقع إلكتروني تابع لجهة خارجية.
وأظهرت هذه الواقعة وحوادث أمنية أخرى مماثلة ارتفاع القدرات السيبرانية للنماذج الجديدة، إلى جانب الإخفاقات الواضحة لشركات الذكاء الاصطناعي في منع النسخ الحالية من التكنولوجيا من التصرف بصورة خارجة عن السيطرة، ناهيك عن النماذج المستقبلية الأكثر تطورًا.