رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


ميدفست مصر يناقش آليات اختيار الأفلام القصيرة ودور المهرجانات في رعايتها

14-9-2026 | 00:14


مهرجان ميد فيست مصر

ياسمين محمد

ضمن فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان ميدفست مصر، أُقيمت ندوة بعنوان «لقاء مع المهرجانات»، بحضور مارييت ريسنبيك، وآنا فيستيل، ويوكا بيكا لاكسو، ومينا النجار، وأدار الحوار محمد طارق. وتناولت الندوة آليات اختيار الأفلام القصيرة، والمعايير التي يعتمد عليها المبرمجون في تقييم الأعمال، إلى جانب العلاقة بين المهرجانات والجمهور، وسبل بناء قاعدة جماهيرية جديدة، فضلاً عن أهمية العمل الجماعي في صناعة القرار، ودور المهرجانات في رعاية الأفلام وإتاحة فرص انتشارها.

 

 

 

استهل محمد طارق، مدير الندوة، اللقاء بالتأكيد على أهمية مهرجانات الأفلام القصيرة باعتبارها مساحة مناسبة لمناقشة هذا النوع من السينما، موضحاً أن عملية الاختيار تحيط بها الكثير من التساؤلات لدى صناع الأفلام، خاصة فيما يتعلق بالمعايير التي يعتمد عليها المبرمجون لقبول الأعمال أو استبعادها.

وأشار إلى أن الجلسة تهدف إلى إزالة الغموض المحيط بعملية البرمجة، وإتاحة فرصة للحوار المباشر مع المتحدثين والجمهور، قبل أن يطرح السؤال الافتتاحي حول كيفية تعريف الفيلم الجيد، وما الذي يجعل عملاً سينمائياً يستحق العرض والاهتمام.

وفي حديثه عن علاقة المبرمجين بالجمهور، أوضح طارق أن الجمهور يمثل جزءاً أساسياً من عملية الاختيار، لافتاً إلى أن العمل الجماعي يتيح الاستفادة من وجهات نظر متعددة، ويقلل من احتمالات اتخاذ قرارات فردية قد لا تتوافق مع ذائقة المشاهدين.

وأضاف أن بعض صناع الأفلام يشعرون بالإحباط نتيجة عدم اختيار أعمالهم في المهرجانات الكبرى، إلا أن عدم الاختيار لا يعني بالضرورة أن الفيلم ليس جيداً، إذ تتداخل عوامل عديدة في عملية البرمجة، من بينها رؤية المهرجان، وطبيعة جمهوره، والتوازن المطلوب داخل البرنامج.

 

 

أكدت مارييت ريسنبيك أن وصف فيلم ما بأنه «جيد» لا يخضع لتعريف مطلق، بل يرتبط بوجهة نظر المشاهد وما يبحث عنه في العمل السينمائي. وأوضحت أن الفيلم قد ينجح في التأثير من خلال طريقة سرده للقصة، أو قدرته على نقل مضمونها، أو تقديم تجربة تثير الفضول وتدفع المشاهد إلى الرغبة في معرفة المزيد.

وأشارت إلى أن قيمة الفيلم لا تتحدد بحجم ميزانيته أو العائد المالي الذي يحققه، وإنما بقدرته على التواصل مع المتلقي وتقديم رؤيته الخاصة بصورة مؤثرة.

وفيما يتعلق بالتعامل مع الجمهور، أوضحت ريسنبيك أن مهرجان برلين يستفيد من موقعه في مدينة كبيرة تضم جماهير ذات اهتمامات متنوعة، وهو ما يتيح للمهرجان تقديم أفلام مختلفة والوصول إلى شرائح متعددة من المشاهدين. وأضافت أن المهرجان يضم قسماً موجهاً إلى الجمهور الشاب، مؤكدة أهمية التعامل مع هذه الفئة باعتبارها جمهوراً ناضجاً قادراً على التفاعل مع القضايا المعاصرة، وعدم الاكتفاء بتقديم محتوى مبسط لمجرد صغر السن.

وحول آليات اختيار الأفلام، أشارت إلى أن حجم الطلبات المقدمة يفرض الاعتماد على فرق برمجة متعددة، تضم أشخاصاً لديهم خبرة في مشاهدة الأفلام والعمل بالمهرجانات. وأوضحت أن عملية الاختيار تمر بمراحل من المشاهدة والتصفية والمناقشة، مع الاستفادة من خبرات المبرمجين الذين سبق لهم العمل في دورات سابقة.

وأضافت أن متابعة المسيرة الفنية لصناع الأفلام الذين سبق اختيار أعمالهم تمثل جزءاً من العملية، إلى جانب اكتشاف أسماء جديدة وأفلام لم يسبق للفريق التعرف إليها.

وفي حديثها عن الأفلام التي لا تجد مكاناً في برنامج معين، أكدت ريسنبيك أن المهرجانات ينبغي أن تنظر إلى نفسها باعتبارها جهات راعية للأفلام، لا مجرد منصات للاختيار والاستبعاد. وأوضحت أن الفيلم قد لا يناسب رؤية مهرجان بعينه، لكنه قد يكون مناسباً لمهرجان آخر أو لقسم مختلف، مشيرة إلى أن مساعدة الفيلم في الوصول إلى جمهوره المناسب تمثل جانباً مهماً من مسؤولية العاملين في المجال.

 

 

 

وأكدت آنا فيستيل أن الحكم على جودة الفيلم يظل مسألة ذاتية، موضحة أن لكل مبرمج رؤيته الخاصة للأعمال التي تترك أثراً فيه. وأشارت إلى أن الفيلم الناجح بالنسبة إليها هو ما يثير اهتمامها وفضولها، ويدفعها إلى التفاعل معه وربما العودة إلى مشاهدته مرة أخرى.

وأضافت أن الأفلام التي تتجاوز المألوف، وتجرب في الأشكال والأنواع السينمائية، تحظى باهتمام خاص لديها، مؤكدة أن العمل لا يشترط أن يكون مثالياً حتى يكون لافتاً، إذ قد تمنحه بعض العيوب الصغيرة خصوصية تفتح للمشاهد نافذة على عوالم وثقافات ولغات وتجارب مختلفة.

وفيما يتعلق بعلاقة المهرجان بالجمهور، أوضحت فيستيل أن المهرجان يجمع بين كونه حدثاً مهماً لصناع السينما وكونه مهرجاناً جماهيرياً في المقام الأول، مشيرة إلى الإقبال الكبير على عروضه والاهتمام الذي يبديه الجمهور بمشاهدة الأفلام والمشاركة في النقاشات.

وتحدثت عن تجربة مهرجان هامبورغ في بناء جمهوره على مدار سنوات طويلة، لافتة إلى أهمية برامج الأطفال والشباب في تعريف الأجيال الجديدة بالسينما، وإتاحة الفرصة أمامهم لاكتشاف قضايا وثقافات مختلفة من خلال الأفلام.

وأشارت إلى أن المهرجان يعمل كذلك على الوصول إلى الفئات التي لا ترتاد دور السينما، سواء بسبب ارتفاع أسعار التذاكر أو عدم شعورها بأن هذه الأماكن مخصصة لها، موضحة أن ذلك يتطلب التعاون مع المدارس والمبادرات المحلية والمجتمعات المختلفة. وأضافت أن وجود مركز للمهرجان مفتوح للجمهور، يتيح للزائر التعرف إلى أجواء الحدث دون الحاجة إلى شراء تذكرة، قد يكون خطوة أولى لجذبه إلى مشاهدة الأفلام.

وحول حجم العمل المرتبط باختيار الأفلام، كشفت فيستيل أن فريقها شاهد نحو 6600 فيلم خلال الدورة الحالية، موضحة أن عملية البرمجة تعتمد على فريق يضم عشرة أشخاص من خلفيات ومناطق جغرافية متنوعة، وهو ما يمنح عملية التقييم تعدداً في الرؤى والخبرات.

وأوضحت أن كل عضو في الفريق يشاهد مئات الأفلام سنوياً، قبل أن تبدأ مراحل التصفية والمناقشة الجماعية، وصولاً إلى قائمة نهائية تضم نحو 45 فيلماً للمسابقة الدولية. وأكدت أن الاختيار لا يتعلق فقط بجودة الفيلم، بل يشمل مدى ملاءمته لرؤية المهرجان، وقدرته على تقديم أصوات وتجارب جديدة، إلى جانب تحقيق التوازن بين الدول والأشكال السينمائية المختلفة.

وفي سياق متصل، شددت فيستيل على أهمية رعاية الأفلام التي لا يقع عليها الاختيار في المسابقة، موضحة أن المهرجان يمتلك أقساماً للتوزيع والمبيعات والأرشيف، بما يسمح بإعادة توجيه الأفلام إلى منصات أو برامج قد تكون أكثر ملاءمة لها.

وأضافت أن قاعدة بيانات الأفلام القصيرة بالمهرجان تضم أكثر من 60 ألف عنوان، وتتيح تصنيف الأعمال وفق موضوعاتها وخصائصها، والاستفادة منها عند إعداد برامج مستقبلية. وأكدت أن الفيلم قد يجد فرصاً جديدة للعرض بعد سنوات من إنتاجه، إذا جرى توجيهه إلى المكان والجمهور المناسبين.

 

وأوضح يوكا بيكا لاكسو أن تعريف الفيلم الجيد يرتبط، في المقام الأول، بالشعور الذي يتركه العمل لدى المشاهد، مؤكداً أن الاستجابة العاطفية تمثل معياراً أساسياً في تجربته مع السينما. وأشار إلى أن تحليل أسباب الإعجاب بالفيلم يأتي في مرحلة لاحقة، خاصة عندما يكون مطلوباً من المبرمج أو عضو لجنة التحكيم شرح اختياراته للآخرين.

وأضاف أن الأفلام التي تتناول العالم والواقع الذي نعيشه، وتقدم رؤية جديدة أو تثير مشاعر مختلفة، تستحوذ على اهتمامه، موضحاً أن مهارة صانع الفيلم تكمن في قدرته على تقديم هذه الرؤية بطريقة تجعل المشاهد يرى العالم من زاوية مغايرة أو يكتشف شيئاً جديداً.

وأشار لاكسو إلى أن مهرجانات الأفلام القصيرة تمنح العاملين فيها فرصة نادرة للاطلاع على تجارب سينمائية متنوعة من مختلف أنحاء العالم، إلا أن التحدي يكمن في اختيار عدد محدود من الأعمال من بين آلاف الأفلام المتاحة.

وفي حديثه عن بناء الجمهور، أوضح أن مهرجان تامبيري استفاد من وجود علاقة مباشرة ومستمرة مع جمهوره المحلي، مؤكداً أهمية أن يكون للمهرجان وجه معروف وقريب من الناس. وأضاف أن متابعة الجمهور على مدار سنوات طويلة، وعودة المشاهدين إلى المهرجان بصورة منتظمة، تمثل مؤشراً مهماً على نجاحه في بناء علاقة مستدامة معهم.

ولفت إلى أن الوصول إلى جماهير جديدة يمثل تحدياً خاصاً أمام مهرجانات الأفلام القصيرة، خاصة مع تراجع الاهتمام الإعلامي بهذا النوع من الفعاليات في بعض المناطق. وأوضح أن تنظيم برامج خاصة خارج المسابقة الرسمية، تتناول موضوعات أو دولاً بعينها، يمكن أن يجذب أشخاصاً لا يهتمون بالأفلام القصيرة في الأساس، لكنهم يجدون في موضوع البرنامج مدخلاً إلى اكتشافها.

وأكد أن تنوع الأفلام القصيرة، من حيث المدة والأشكال والأنواع، يمنح المهرجانات مساحة واسعة للتجريب، موضحاً أن الفيلم قد يكون وثائقياً أو روائياً أو تحريكاً، وقد يمتد من أقل من دقيقة إلى نحو نصف ساعة، كما يمكن أن يتجاوز القوالب السردية التقليدية.

وحول عملية الاختيار، كشف لاكسو أن مهرجان تامبيري تلقى نحو 7400 فيلم للمسابقة الدولية خلال العام الحالي، موضحاً أن الفرز الأولي يعتمد على أشخاص سبق لهم العمل في المهرجان، وأن الخبرة في فهم رؤيته وتقاليده تمثل عاملاً مهماً في اختيار أعضاء فرق المشاهدة.

وأضاف أن المراحل النهائية تتضمن لجنة صغيرة تشاهد الأفلام المرشحة وتناقشها، مع إتاحة مساحة للتفضيلات الفردية التي قد تدفع أحد المبرمجين إلى الدفاع عن فيلم لا يحظى بإجماع بقية الفريق. وأوضح أن القائمة القصيرة قد تضم نحو 250 فيلماً، في حين لا تتسع المسابقة إلا لنحو 60 فيلماً، وهو ما يجعل عملية الاختيار النهائية شديدة التعقيد.

وأكد أن القرار النهائي لا يقوم على البحث عن «أفضل 60 فيلماً» بصورة مطلقة، بل على تكوين برنامج يعكس تنوع السينما العالمية، ويحقق التوازن بين الأنواع والأطوال والدول المختلفة، ويلائم تقاليد المهرجان ورؤيته.

وشدد لاكسو على أن العمل الجماعي يمثل ركيزة أساسية في تجربة تامبيري، موضحاً أن المهرجان لا يعتمد على قرار فرد واحد، بل على الحوار والمداولات ومحاولة إقناع الآخرين بقيمة الأفلام. وأضاف أن البرمجة الجيدة تتطلب مساحة للأعمال التي قد لا تناسب سوى شريحة محدودة من الجمهور، لكنها قد تكون شديدة الأهمية بالنسبة إلى هذه الشريحة، إلى جانب الأعمال التي تحظى بقبول أوسع.

 

وأكد مينا النجار أن جودة الفيلم القصير ترتبط بأصالة الرؤية التي يقدمها، وبالطريقة التي يختار بها صانع العمل أن يروي قصته. وأوضح أن كثرة مشاهدة الأفلام تؤثر على طريقة المبرمج في التقييم، إذ تتغير مع الوقت معاييره وقدرته على ملاحظة التفاصيل والتمييز بين التجارب المتشابهة.

وأشار إلى أن الفيلم لا يحتاج إلى ميزانية إنتاج ضخمة حتى يكون ناجحاً، مؤكداً أن القيمة الحقيقية تكمن في تكامل عناصره، وفي مدى صدق الرؤية التي يحملها، وكيفية توظيف كل عنصر لخدمة التجربة السينمائية.

وفي حديثه عن الجمهور، أوضح النجار أن مجال السينما المستقلة في مصر واجه لسنوات نقصاً في المساحات المخصصة لعرض الأفلام القصيرة والطويلة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تعاوناً متزايداً بين المهرجانات المختلفة، بما يدعم بناء الجمهور ويمنح صناع الأفلام فرصاً أكبر للعرض.

وأضاف أن طبيعة البرامج تؤثر في قرارات الاختيار، إذ قد يحتاج المبرمجون إلى تحقيق توازن بين الأعمال المعروضة وما يستطيع الجمهور استيعابه، موضحاً أن تجميع أفلام متعددة في عرض واحد قد ينتج أحياناً تداخلاً في المشاعر والأفكار لا يتطابق بالضرورة مع الطريقة التي أراد بها صانع الفيلم تقديم عمله.

وأشار إلى تجربة «زاوية» في تقديم عروض منفردة للأفلام القصيرة، موضحاً أن هذا النموذج يتيح عرض فيلم واحد في كل مرة، بصرف النظر عن مدته أو عدد الحاضرين، ويمنح المشاهد فرصة أكثر حميمية للتفاعل مع العمل. وأكد أن التفكير في طرق العرض المختلفة، سواء داخل قاعات السينما أو في أماكن مفتوحة وغير تقليدية، يوسع مفهوم التجربة السينمائية ويمنح الفيلم إمكانات جديدة للوصول إلى الجمهور.

وحول رعاية الأفلام، شدد النجار على أن المهرجانات وشركات التوزيع وصناع الأفلام يشتركون في مسؤولية الحفاظ على حياة الفيلم وإتاحة فرص جديدة أمامه. وأوضح أن الهوس بالعروض الأولى والحصريات قد يدفع بعض صناع الأفلام إلى الانتظار طويلاً أملاً في الوصول إلى مهرجان بعينه، وهو ما قد يحرم العمل من فرص مهمة للتفاعل مع الجمهور.

وأضاف أن خوض التجربة، وإرسال الفيلم إلى مهرجانات مختلفة، واختباره أمام المشاهدين، ثم الانتقال إلى خطوات جديدة، يمثل مساراً أكثر فائدة لصانع الفيلم وللعمل نفسه. وأشار إلى أن المهرجانات ينبغي أن تكون جزءاً من هذه الرحلة، سواء من خلال القبول أو الرفض أو توجيه الفيلم إلى برامج ومهرجانات أخرى قد تناسبه.

وأكد أن مهرجان ميدفست مصر لا يتعامل مع المسابقة باعتبارها الغاية الوحيدة، بل يعمل كذلك كمنصة لعرض الأفلام وإعادة تقديمها على مدار العام. وأوضح أن قاعدة بيانات المهرجان تتيح الاحتفاظ بالأعمال التي لا يتم اختيارها، بما يفتح أمامها فرصاً مستقبلية للعرض والانتشار.

واختتم النجار بالتأكيد على أن رعاية الفيلم القصير تعني التفكير في مستقبله، وليس فقط في لحظة اختياره أو استبعاده، مشيراً إلى أن كل فيلم يمكن أن يجد جمهوره ومكانه المناسبين إذا توافرت له الرؤية والجهود اللازمة لدعم مسيرته.