رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


سيد درويش.. فنان الشعب

14-9-2026 | 16:05


سيد درويش

همت مصطفى

قبل أن يُولد، كانت الموسيقى المصرية تسير في مجرى واحد الطرب لأجل الطرب، فجاء هو، فحوّلها نهرًا جارفًا بالوطن، يحمل معه الفقير والثائر والعاشق في آن واحد، لم يكن مجرد ملحّن أضاف نغمة إلى نغمة، لكنه كان زلزالًا فنيًا أعاد رسم الخريطة الموسيقية من جديد، حتى إن كل من أتى بعده وُزن بمقياسه، وكل من سبقه بدا فجأة وكأنه ينتمي إلى عصر آخر، وهذه قصة عبقري لم يتجاوز عمره واحدًا وثلاثين عامًا، لكنه صنع في هذا العمر القصير إرثًا يكفي لقرون إنه العبقري الذي لم تُنجب الموسيقى العربية مثله خالد الذكر « فنان الشعب»، «سيد الموسيقى» سيد درويش.

بذرة العبقرية في مقهى إسكندراني

وُلد سيد درويش في السابع عشر من مارس 1892م  بالإسكندرية، حيث مولد فصل الربيع، والنماء،  وبدأت موهبته تتفتح مبكرًا وهو ينشد مع أصدقائه ألحان الشيخ سلامة حجازي والشيخ حسن الأزهري، التحق بالمعهد الديني بالإسكندرية عام 1905م، لكن المعاهد لا تصنع العباقرة، لكنه المقاهي والحياة كانت مدرسته الحقيقية.

رحلة غيّرت تاريخ الموسيقى العربية

تزوج سيد درويش وهو في السادسة عشر، فوجد نفسه مسؤولًا عن أسرة في سنّ ما زال فيها غيره يلعبون،  عمل مع الفرق الموسيقية فلم يُكتب له التوفيق، فاضطر إلى العمل عاملَ بناء،  وهنا، في أكثر المشاهد رمزية في تاريخ الفن المصري، كان الشيخ سيد يرفع الطوب بيد، ويرفع صوته بالغناء باليد الأخرى، فيصمت العمال وأصحاب العمل ليستمعواإلى  صوت عامل بسيط استوقف الأخوين أمين وسليم عطا الله وهما يجلسان في مقهى قريب، فقررا أن يأخذا معهما هذا الصوت إلى الشام في رحلة غيّرت تاريخ الموسيقى العربية.

في الشام.. من مُنشد إلى صانع مدرسة

سافر سيد درويش إلى الشام أواخر عام 1908م، وعاد إلى مصر عام 1912م، وعاد إلى الشام ثانية في العام نفسه ، وبقي هناك حتى عام 1914، حيث أتقن أصول العزف على العود وكتابة النوتة الموسيقية، فبدأت موهبته الموسيقية تتفجر، ولحن أول أدواره «يا فؤادي ليه بتعشق». في عام 1917، انتقل سيد درويش إلى القاهرة، ومنذ ذلك الحين سطع نجمه وصار إنتاجه غزيرًا، فقام بالتلحين لكافة الفرق المسرحية في عماد الدين، أمثال فرقة نجيب الريحاني، وجورج أبيض، وعلي الكسار، حتى قامت ثورة 1919، فغنى «قوم يا مصري».

أدخل سيد درويش في الموسيقى للمرة الأولى في مصر الغناء البوليفوني في أوبريت «العشرة الطيبة»، وأوبريت «شهرزاد» و«البروكة».

وتتلمذ في حلب على يد الملا عثمان الموصلي العراقي،  لم يكن هذا سفرًا سياحيًا،  لكنه كان ورشة عمل حوّلت الموهبة الفطرية إلى أداة فنية متكاملة، و من رحم هذه التجربة، وُلد أول أدواره «يا فؤادي ليه بتعشق»، وعاد بخطة موسيقية جديدة كليًا جعلته يلحّن أعذب أدواره وموشحاته.

نبوة  سلامة حجازي

اشتهر اسم سيد درويش وذاعت أغانيه حتى وصل إلى سمع رائد المسرح الغنائي المصري سلامة حجازي، الذي حرص على زيارته في الإسكندرية والاستماع إليه شخصيًا عام 1914، وأبدى الإعجاب بأسلوبه الفني في التلحين، وتنبأ له بمستقبل كبير، ثم عرض عليه الانتقال إلى العاصمة القاهرة للعمل معه، وفعلًا، ترك الإسكندرية، واستمع جمهور القاهرة إليه لأول مرة كمطرب جديد بين الفصول المسرحية، لكن الجمهور الذي تعود على صوت سلامة حجازي كان استقباله له فاترًا، مما جعل الشيخ سلامة يخاطب الجمهور دفاعًا عنه، قائلًا: «هذا الفنان هو عبقري المستقبل»،  لكن الشيخ سيد قد قرر أن ينهي المهمة ويعود إلى مدينته في اليوم التالي.

في عام 1917، يعود سلامة حجازي إلى سيد درويش بعرض أقوى، وطلب منه تلحين رواية كاملة لفرقة جورج أبيض، هي «فيروز شاه»، وعندها انتبه الجمهور إلى موهبته، وكذلك الفرق الأخرى، إلى أن فنًا جديدًا قد أتى، وأن الألحان أثمن من الرواية نفسها، وحرصت معظم الفرق على اجتذاب سيد درويش لتلحين رواياتها، ثم أصبح في سنوات معدودة الملحن الأول في مصر، متفوقًا بذلك على الملحنين المخضرمين، مثل كامل الخلعي وداود حسني وغيرهما.

وعلى الرغم من شهرة سيد درويش، فهناك بعض الانتقادات الموجهة له من قبل معاصريه بأن سيد درويش اقتبس بعضًا من ألحان الشيخ عثمان الموصلي ووضعها ضمن ألحانه، وهو أمر لا يُستبعد في كل ملحن مشهور أن تُوجَّه له مثل هذه العيوب.

ثورة في تأسيس اللحن.. سرّ تفرّد سيد درويش

لم يكتفِ سيد درويش بتلحين كلمات جميلة، بل غيّر قواعد اللعبة الموسيقية ذاتها،  أدخل الواقعية إلى الغناء، فجعل كل طبقة اجتماعية تسمع صوتها في ألحانه، من الباعة الجائلين إلى الأفندية، فغنّى عن غلاء المعيشة: «استعجبوا يا أفندية... ليتر الكاز بروبية»، بلحن يحاكي إيقاع الحياة اليومية لا الطرب المجرد.

ويُنسب إلى فنان الشعب سيد درويش ابتكار نغمة «الزنجران»، وهي نغمة مركبة تجمع العجم والجهاركاه والحجاز كار في ترابط أشبه بحلقات السلسلة، ما منحها هذا الاسم. وهذا التجريب في بنية المقامات نفسها هو ما يفصل الملحن العادي عن المجدد الحقيقي.

 

سيد درويش.. ألحانٌ خرجت من وجدان الناس إلى الخلود

في الفترة التي عمل فيها الشيخ سيد درويش على المسارح  غير المعروفة، عرف أمرين لم يكن له بهما سابق معرفة: النساء وصياغة الألحان؛ فالتعارف الأول طبيعي، أما التعارف الثاني فكان بحكم الموهبة المتأصلة في نفسه وروحه، وكلاهما فطري بالنسبة لهذا الفنان، وكان ألمه الكامن في نفسه كان السبب في أن يخرج إلى الوجود بلغته الفلسفية النغمية، فيسحر بجمالها الألباب ويرقص النفوس.

إنه ما كان يلحن أغنية حتى يرددها أفراد الشعب والراقصات اللواتي يقمن الأفراح والمسارح الغنائية، وموسيقى الجيش والموسيقى الأهلية. إن السر في انتشار الشيخ سيد بين أفراد الشعب هو أن لكل لحن قصة ومناسبة، ولكل مناسبة أثرها العميق في نفس الشيخ سيد درويش المرهفة الحس.

فأول أغنية لحنها كانت «زوروني كل سنة مرة، حرام تنسوني بالمرة»، وكانت مناسبة تأليفها أن امرأة كان يحبها قالت له هذه العبارة: «ابقى زورنا يا شيخ سيد ولو كل سنة مرة».

ولحن آخر كان وحيه أيضًا من امرأة غليظة الجسم اسمها جليلة، أحبها حبًا عظيمًا، وغدت إلهامه في النظم والتلحين والغناء. هجرته هذه المرأة وأخذت تتردد على صائغ في الإسكندرية، وعمل لها الصائغ خلخالًا، فغضب الشيخ سيد وفكر بالانتقام من حبيبته وعزوله، وكان أول انتقام من نوعه على الطريقة الموسيقية الغنائية.

إرث موسيقى .. عشرة أدوار وخمسة عشر موشحًا وأوبريت وطقاطيق وأهازيج وأناشيد حماسية

بلغ إنتاج سيد درويش  في حياته القصيرة من القوالب المختلفة العشرات من الأدوار، وأربعين موشحًا، ومائة طقطوقة، و30 رواية مسرحية وأوبريت،  وفي ذكر آخر ينسب لسيد درويش  نسب إلى الشيخ سيد درويش عشرة أدوار، وخمسة عشر موشحًا، وأوبريت، وطقاطيق، وأهازيج، وأناشيد حماسية وغيرها، أما الأدوار فهي: «يا فؤادي ليه بتعشق» من مقام العجم، و«يللي قوامك يعجبني» من مقام التكريز، و«في شرع مين» من مقام الزنجران، و«الحبيب للهجر مايل» من مقام سازكار، و«ضيعت مستقبل حياتي» من مقام الشورى، و«أنا عشقت» من مقام الحجاز كار، و«أنا هويته وانتهيت» من مقام الكرد، و«عشقت حسنك» من مقام البستة نكار، و«يوم تركت الحب» من مقام الهزام، و«عواطفك دي أشهر من نار» من مقام النوأثر.

 موشحات في رحلة عبقري الموسيقى

 ألحان سيد درويش من الموشحات، تتمثل في: «يا ترى بعد البعاد» من مقام الراست، و«يا صاحب السحر الحلال» من مقام الحجاز كار، و«يا حمام الأيك» من مقام النوا أثر، و«يا عذيب المرشف» من مقام الراست، و«يا شادي الألحان» من مقام الراست، و«العذارى المائسات» من مقام الراست، و«يا غصين البان حرت في أمري» من مقام الحجاز، و«حبي دعاني للوصال» من مقام الشورى، و«طف يا دري» من مقام حجازكار كردي، و«منيتي عز اصطباري» من مقام النهاوند، و«سل فينا اللحظ هنديًا» من مقام الحجاز، و«كلما رمت ارتشافًا» من مقام الراست، و«يا بهجة الروح» من مقام الكرد، و«نما دمعي من عيوني ونما» من مقام الحجاز، و«صحت وجدًا» من مقام الراست.

الملحّن الذي غنّى للثورة

مع ثورة 1919، لم يقف سيد درويش متفرجًا، بل غنّى «قوم يا مصري»، واقتبس من عبارات مصطفى كامل مطلعَ نشيد «بلادي بلادي بلادي... لك حبي وفؤادي»، الذي ما زال حتى اليوم النشيد الوطني لمصر، وحين تظاهر المصريون ضد الاحتلال، كان صوته بينهم ينشد: «دقت طبول الحرب يا خيالة... وآدي الساعة دي ساعة الرجالة». لم تكن الموسيقى عنده ترفًا، بل كانت سلاحًا.

انتشار واسع وشعبية كبيرة

ولحن سيد درويش  أيضا نشيدًا وطنيا من نظم مصطفى صادق الرافعي ومطلعه:«بني مصر مكانكم تهيأ فهيا مهدوا للملك هيا خذوا شمس النهار حليًا» و لحن في مناسبة أخرى أناشيد وطنية قال فيها:

«أنا المصري كريم العنصرين.. بنيت المجد بين الاهرامين
جدودي أنشأوا العلم العجيب.. ومجرى النيل في الوادي الخصيب
لهم في الدنيا آلف السنين.. ويفنى الكون وهم موجودين»
وأنشد في جماعة من المتظاهرين ضد الاحتلال الإنكليزي هذا النشيد محمسا إياهم قال:

«دقت طبول الحرب يا خيالة.. وآدي الساعة دي ساعة الرجالة.. انظروا لأهلكم نظرة وداع.. نظرة ما فيش بعدها إلا الدفاع»
وعالج سيد في أغانيه الموضوع الاجتماعي في غلاء المعيشة والسوق السوداء فقال: «استعجبوا يا أفندية ليتر الكاز بروبية»،  وساهم سيد درويش في التعبير عن القضايا الاجتماعية والوطنية من خلال ألحانه وأغانيه، وحظيت أغانيه الوطنية بانتشار واسع وشعبية كبيرة في الأوساط المصرية.

عبقري الأوبريت ومسرح الغنائي

انتقل سيد درويش إلى القاهرة عام 1917، وكوّن مع الشاعر بديع خيري ثنائيًا أنتج الأغاني الخالدة، ولحن لفرق نجيب الريحاني وجورج أبيض وعلي الكسار،  انضم لاحقًا كليًا جديدًا لمسرح الغنائي العربي مع أوبريت «شهرزاد» الذي جاء في أواخر عام 1920، وبدأ في بداية انقلاب في الموسيقى العالمية، تلتها «العشرة الطيبة» و«البروكة» وجزء من «كليوباترا وأنطونيو» والتي أكملت تلحينها لاحقًا محمد عبد الوهاب،  وصلت مجموع أوبريتاته نحو العمل.

كان منهج سيد درويش الفني أقرب إلى منهج الممثل منه إلى الملحن الكلاسيكي: نص أصلي أولًا ليفهم معنا، ثم يعيش في عالم أبطاله ويعاشرهم، ثم يُلقي النص الإسبانيً تمثيليًا قبل أن يُلبسه كلاسيكيه الموسيقي، و كان يؤمن أن الموسيقى لغة عالمية يفهمها العالم كله.

رحيل  وسر لم يُحسم

في الخامس عشر من سبتمبر 1923م، رحل ملحّن الوطن الأول سيد درويش عن واحد وثلاثين عالميًا فقط، وهناك روايات كثيرة عن سبب وفاته، وأشهرها أن سبب الوفاة هو تسمم مدبر من قبل الإنجليز، وتوفي ولهُ من العمر إحدى وثلاثون سنة.

سيد درويش حاضر في الدراما المصرية.. بالسينما  والتلفزيون والمسرح

كان لشخصية سيد درويش حضور في عدد من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، من بينها فيلم «سيد درويش»، وقام بدور سيد درويش الفنان كرم مطاوع، ومسلسل «أهل الهوى»، وقام بدور سيد درويش حفيده إيمان البحر درويش، ومسرحية «سيد درويش» من إخراج محمد توفيق، وقام بدور سيد درويش الفنان محمد نوح،   مسلسل «أهو ده اللي صار»، ومسلسل «الضاحك الباكي» عن قصة حياة نجيب الريحاني، وقام بدوره الفنان محمد عادل (ميدو عادل) في العرض المسرحي «سيد درويش» من إنتاج  للبيت الفني للفنون الشعبية والإستعراضية، إنتاج فرقة أنغام الشباب  2021، تأليف السيد إبراهيم ، إخراج أشرف عزب.

 اليوم المصري للموسيقى مع ذكرى الرحيل

بدءًا من الغد، تفتح مصر ذاكرتها الموسيقية ا، لتحتفي في الخامس عشر من سبتمبر بـ«اليوم المصري للموسيقى»، وفاءً لذكرى الرحيل  للموسيقار الخالد سيد درويش، الذي لم يمت صوته يومًا وإن رحل جسده منذ أكثر من قرن، و في هذا اليوم، تتوقف الأوتار عن الصمت لتردد اسمه، وتتذكر مصر أن اللحن الذي حملها من الطرب إلى الثورة، ومن السهرة إلى الميدان، ما زال حيًا في كل نشيد يُغنّى وكل جيل يهمس ببلادي بلادي. فليكن هذا اليوم عهدًا متجددًا بأن العبقرية لا تموت، وأن سيد درويش، ابن الإسكندرية وفنان الشعب، سيظل النغمة الأولى التي تُقاس بها كل نغمة تأتي بعده.

عبقري  الموسيقى  الذي لن يتكرر

لم يكن سيد درويش مجرد ملحّن من جيله، لكنه  كان نقطة تحوّل تُقاس بها الموسيقى العربية قبله وبعده،  من عامل بناء في الإسكندرية، إلى صانع النشيد الوطني، إلى مبتكر نغمات جديدة، إلى رائد الأوبريت المصري — في أقل من عقد ونصف من العطاء، أعاد تعريف ما يمكن أن تكون عليه الأغنية العربية: مرآة للشارع، وصوتًا للثورة، وفنًا يخاطب العالم كله بلغته الخاصة.