لقاء الرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان.. محطة جديدة في مسيرة التحالف الاستراتيجي المصري السعودي
يأتي اللقاء الأخوي الذي يعقد بقاهرة المعز اليوم الثلاثاء بين السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، والأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية رئيس مجلس الوزراء، كمحطة جديدة ومهمة في مسيرة التحالف الاستراتيجي المصري السعودي.
ويمثل اللقاء حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من العلاقات الأخوية والتاريخية التي تربط القاهرة بالرياض، وتؤكد حرص الزعيمين على التشاور المستمر والتنسيق الدائم في ظل ما تشهده المنطقة والعالم من تحولات متسارعة تستلزم توحيد الرؤى وتكامل المواقف.
أولا: سلسلة زيارات تعكس متانة العلاقات
ويمتد تاريخ الزيارات المتبادلة بين مصر والمملكة العربية السعودية عبر عقود طويلة، غير أن علاقة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بالأمير محمد بن سلمان، منحت هذه العلاقة زخما غير مسبوق؛ حيث توالت لقاءات الزعيمين بوتيرة منتظمة عكست حجم الانسجام بين القيادتين.
ففي أبريل 2015، جاءت الزيارة الأولى للأمير محمد بن سلمان إلى مصر، تلتها زيارة في يوليو من العام ذاته، ثم زيارات متكررة في مارس 2018، ونوفمبر 2018، وصولا إلى زيارة يونيو 2022، التي شهدت توقيع 14 اتفاقية باستثمارات تجاوزت قيمتها 29 مليار ريال سعودي، ومن ثم زيارة أكتوبر 2024 التي شهد خلالها الزعيمان توقيع محضر تشكيل المجلس التنسيقي الأعلى المصري السعودي، والذي يعقد برئاسة الزعيمين بشكل مشترك.
وفي المقابل، لم تكن الزيارات في اتجاه واحد؛ إذ حرص السيد الرئيس السيسي على زيارة الرياض مرارا، من مشاركته في القمة العربية الإسلامية الأمريكية في مايو 2017، إلى زيارته في مارس 2022، ومشاركته في قمة جدة للأمن والتنمية في يوليو 2022، وغيرها من اللقاءات والقمم التي أكدت أن التواصل بين القيادتين بات نهجا ثابتا وليس استثناء.
ثانيا: علاقة أخوية وثيقة بين الزعيمين
وتتجاوز العلاقة بين السيد الرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان الإطار البروتوكولي المعتاد لعلاقات الدول، لتأخذ طابعا أخويا وشخصيا مميزا يعكسه حرارة الاستقبال والود الظاهر في كل لقاء.
فقد كان السيد الرئيس السيسي حريصا في أكثر من مناسبة على استقبال ولي العهد السعودي بنفسه في مطار القاهرة، وهي لفتة رئاسية نادرة تحمل دلالات عميقة على المكانة التي يحظى بها الأمير محمد بن سلمان لدى القيادة المصرية.
ويتشارك الزعيمان رؤية مشتركة حول مفهوم الدولة الوطنية القوية، وضرورة مكافحة الإرهاب والتطرف، وأهمية التنمية الاقتصادية كأساس للاستقرار، وهو ما جعل التفاهم بينهما سريعا وعميقا في مختلف الملفات، من السياسة إلى الاقتصاد إلى القضايا الإقليمية والدولية.
ثالثا: تصريحات متبادلة تؤكد عمق الشراكة
وعلى مدار السنوات الماضية، لم تخل اللقاءات بين الزعيمين من تصريحات تعبر بوضوح عن متانة العلاقة بين البلدين، فقد أكد الرئيس السيسي في أكثر من مناسبة أن العلاقات المصرية السعودية تاريخية وراسخة، وأن أمن المملكة واستقرارها، جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، مشددا على أن العلاقة بين البلدين، تعد ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة العربية بأكملها.
وفي المقابل، عبر الأمير محمد بن سلمان مرارا عن تقدير المملكة لدور مصر المحوري في المنطقة، مؤكدا أن مصر هي العمق الاستراتيجي للعرب، وأن الرياض تقف دائما إلى جانب القاهرة في مواجهة التحديات.
كما وصف العلاقات بين البلدين بأنها علاقات أخوية متجذرة لا تهتز أمام أي عواصف، مؤكدا حرص المملكة على دعم مصر شعبا وقيادة.
رابعا: تطابق الرؤى تجاه القضايا الإقليمية والدولية
وتكشف المواقف المشتركة للبلدين عن تطابق واضح في الرؤى تجاه أبرز قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية؛ حيث يتفق البلدان الشقيقان على دعم حقوق الشعب الفلسطيني وضرورة إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وينسقان بشكل مستمر في المحافل العربية والدولية لوقف الاعتداءات ودفع جهود التسوية العادلة.
وفيما يتعلق بالأمن القومي العربي، تتبنى الدولتان موقفا موحدا من رفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية، ودعم الدولة الوطنية ومؤسساتها، ومواجهة التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة التي تهدد استقرار المنطقة.
أما ما يتعلق بأمن البحر الأحمر، فتتعاون جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، باعتبارهما أكبر دولتين مشاطئتين للبحر الأحمر، في تأمين هذا الشريان الملاحي الحيوي، وهو ما تجسد في مشروعات ومبادرات مشتركة لتطوير المنطقة وحماية الملاحة الدولية.
كما يمثل التصدي للإرهاب والفكر المتطرف، قاسما مشتركا في سياسة البلدين، مع تنسيق مستمر على المستويات الأمنية والفكرية؛ لتجفيف منابع التطرف وقنوات تمويله.
خامسا: مواقف تاريخية من المساندة المتبادلة
واختبرت العلاقة بين القاهرة والرياض في لحظات فارقة في تاريخ البلدين الشقيقين، وثبتت في كل مرة أنها أقوى من أي تحد:
من جانب المملكة، وقفت السعودية إلى جانب مصر في أصعب الظروف، وكانت في مقدمة الدول الداعمة لإرادة الشعب المصري في 30 يونيو 2013، وقدمت دعما اقتصاديا سخيا ساهم في تعزيز استقرار الاقتصاد المصري في مراحل مفصلية، عبر ودائع واستثمارات ومشروعات تنموية، حتى تجاوزت الاستثمارات السعودية في مصر عشرات المليارات من الدولارات، موزعة على آلاف الشركات والمشروعات في قطاعات متنوعة.
ومن جانب مصر، وقفت القاهرة دائما إلى جانب الرياض في مواجهة أي تهديد لأمنها واستقرارها، وأكدت مرارا أن أمن الخليج خط أحمر لا يمكن المساس به، وساندت الرياض في المحافل الدولية ورفضت أي محاولات للإساءة إليها أو التدخل في شؤونها الداخلية.
كما توج هذا التعاون باتفاقيات استراتيجية كبرى، من بينها الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية المتتالية، وإنشاء المجلس التنسيقي الأعلى المشترك برئاسة الزعيمين، بما يؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة المؤسسية المستدامة.
وتأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة اليوم لتؤكد مجددا أن العلاقات المصرية السعودية ليست مجرد علاقات دبلوماسية عادية، بل هي تحالف استراتيجي راسخ بني على أسس تاريخية متينة، وعززته إرادة سياسية مشتركة لدى الرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان.
وفي وقت تمر فيه المنطقة العربية بتحديات غير مسبوقة، يظل التنسيق بين القاهرة والرياض صمام الأمان للأمن القومي العربي، وركيزة الأمل نحو مستقبل أكثر استقرارا وازدهارا للشعوب العربية.
وستظل هذه الزيارات واللقاءات شاهدة على أن العلاقة بين أكبر بلدين في المنطقة، أقوى من أي ظرف، وأثبت من أي تحد.