مصر والسعودية.. علاقات استراتيجية وتنسيق مشترك لحماية الأمن العربي
على مر العقود ظلت العلاقات المصرية السعودية استراتيجية، في ظل تنسيق مشترك بين البلدين لتعزيز وحدة الصف العربي والتعامل مع التحديات الإقليمية، وأكد خبراء أن زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي مصر تحمل أهمية كبيرة في هذا التوقيت، في ظل ما تشهده المنطقة من تصعيد خطير وتصاعد العمليات العسكرية.
ويستقبل السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس الوزراء، وذلك في إطار زيارة عمل يقوم بها إلى جمهورية مصر العربية، وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن برنامج الزيارة يتضمن عقد لقاء ثنائي بين الزعيمين، يعقبه جلسة مباحثات موسعة بين وفدي البلدين، ثم مأدبة غداء يقيمها السيد الرئيس تكريمًا لصاحب السمو الملكي.
ومن المقرر أن تتناول المباحثات سبل تعزيز أوجه العلاقات الثنائية بين مصر والمملكة العربية السعودية في مختلف المجالات، فضلًا عن تبادل الرؤى بشأن التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
علاقات استراتيجية بالغة الحساسية
وقال الدكتور محمد عبد العظيم الشيمي، أستاذ العلاقات الدولية، أن العلاقات المصرية السعودية تجاوزت مرحلة الشراكات الاستراتيجية والدول الصديقة، وأصبحت في إطار العلاقات بالغة الحساسية، على اعتبار أن الدولتين لديهما تاريخ طويل من العلاقات، وتكامل كبير على العديد من الملفات والاهتمامات والمصالح المشتركة على المستوى الإقليمي ومن ثم الدولي.
وأضاف في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أن هناك ردود فعل وتنسيقات مرتبطة بالعديد من الأزمات والمواقف المشتركة، ولاسيما في ظل حالة التصعيد الأخيرة في المنطقة، وفي إطار وجود ممر ملاحي مهم بمنطقة البحر الأحمر والهجمات الأخيرة التي تعرضت لها المملكة العربية السعودية من الحوثيين في اليمن، وكذلك أيضاً استمرار الهجمات والضربات من جانب إيران.
وأوضح أن الأمر يعكس اهتمام الجانبين المصري والسعودي أن يكون هناك تنسيق مشترك لوضع مجموعة من الخطوط العريضة بشأن القضايا السياسية واللوجستية الاستراتيجية الخاصة بمنطقة البحر الأحمر، أحد أهم الممرات الاستراتيجية على مستوى العالم.
وأشار إلى أن هناك أيضاً التنسيق المشترك في إطار استمرار الأزمة الإيرانية الأمريكية، واستمرار هذه الحرب وتداعياتها على المنطقة وعلى مصر والسعودية بشكل خاص، وتسببها في حالة عدم الاستقرار في المنطقة وانعكاساتها على معظم الأزمات الأخرى بشكل عام.
وفيما يتعلق بأهمية التنسيق على المستوى الثنائي بين مصر والسعودية، قال إن التنسيق بين البلدين يأخذ أكثر من محور، الأول فيما يخص العلاقات الثنائية والتعاون على المستوى الاقتصادي والاستثماري، والثاني على المستوى الإقليمي، مضيفا أن المواقف المصرية واضحة وثابتة فيما يخص أمن المنطقة بشكل عام وأمن دول الخليج بشكل خاص.
وأشار إلى أن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في قمة البريكس الأخيرة بنيودلهي، شهدت التأكيد على تكامل الأمن القومي المصري مع الأمن القومي العربي، وأن هناك مجموعة من الخطوط يجب الحفاظ عليها، وكذلك أهمية عدم التصعيد في المنطقة.
وأضاف أن هناك ملف آخر للتنسيق بين مصر والمملكة يخص أزمة غزة الأخيرة ومتابعة تنفيذ اتفاقية شرم الشيخ للسلام، التي تم توقيعها منذ ما يقترب من عام، وأهمية أن يكون هناك تنسيق مشترك في إدارة الأزمة والمضي في تنفيذ خارطة الطريق التي تعطلت بعض مراحلها بسبب المواقف الإسرائيلية، والضغط على تل أبيب للالتزام بما تم الاتفاق عليه، في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية الشهر المقبل، وكذلك انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي الشهر بعد المقبل.
وفيما يتعلق بالموقف المصري من التصعيد في المنطقة وأهمية مراعاة الأمن القومي العربي والخليجي، أكد أن هناك عقيدة رئيسية للسياسات الخارجية المصرية أهم مرتكزاتها أن الأمن القومي المصري مرتبط بالأمن القومي العربي ولاسيما الأمن القومي في منطقة الخليج في ظل العلاقات الممتدة بين مصر والدول الخليجية خاصة والدول العربية عامة.
وشدد على أن مصر تتبنى مجموعة من الرؤى والمواقف الداعمة لدول الخليج وللمواقف العربية عامة، ودائما ما تدعو إلى التنسيق والدفاع المشترك وتوحيد الصف العربي، لمواجهة أية تدخلات إقليمية أو دولية، ومنع ضرب أو زعزعة الأمن الإقليمي وتبذل كل الجهود لتحقيق ذلك.
منع التصعيد وتحول المنطقة لساحة صراع إقليمي
قال السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية في ظل التوترات الإقليمية، بما يجعلها زيارة تتجاوز بكثير حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة والرياض لأنها ترتبط بإعادة ترتيب الموقف العربي تجاه مرحلة جديدة من التصعيد في المنطقة.
وأوضح حجازي، أن المملكة تواجه تهديدا مباشرا لأمنها واستقرارها في الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف من اتساع دائرة المواجهة وتحول اليمن والبحر الأحمر إلى ساحة لصراع إقليمي أوسع .
وأكد أن هناك تنسيق إقليمي بشأن التصعيد الحادث في المنطقة، وكيفية مواجهته وتعزيز القدرات لحماية الأمن والمصالح الاستراتيجية، وكذلك تنسيق التحرك السعودي والمصري لاحتواء التصعيد وفتح مسارات سياسية تحول دون انتقال المواجهة من الحوثيين إلى مواجهة إقليمية مباشرة مع إيران.
وهنا تكتسب القاهرة أهمية استثنائية باعتبارها دولة عربية محورية ولها وزن سياسي وأمني مباشر في معادلة البحر الأحمر والملاحة وقناة السويس وفي الوقت نفسه تمتلك قنوات اتصال مع مختلف الأطراف وهو ما يجعل التنسيق المصري السعودي ضروريا في هذه المرحلة خصوصا بعد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في قمة بريكس بنيودلهي والذي حمل رسالة واضحة بضرورة وقف الاعتداءات وخفض التصعيد .
وأضاف أن زيارة ولي العهد السعودي للقاهرة محاولة لصياغة موقف متوازن يجمع بين القوة والدبلوماسية، فالقوة تستخدم للردع ومنع فرض وقائع جديدة بالقوة بينما تستخدم الدبلوماسية لمنع انفجار إقليمي شامل، مشيرا إلى أن الرسالة السعودية المصرية الأهم هي أن أمن الخليج والبحر الأحمر وأمن الدول العربية مترابط ولا يمكن التعامل مع كل أزمة باعتبارها أزمة منفصلة.
وأكد أن القاهرة والرياض أمام اختبار حقيقي يتمثل في القدرة على منع التصعيد من التحول إلى حرب مفتوحة مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرة الردع وحماية الأمن القومي العربي، مؤكدا أن زيارة ولي العهد السعودي ليست تشاورية فقط ولكن لإدارة أزمة إقليمية مفتوحة ووضع خيارات متعددة أمام صانع القرار بحيث يبقى الخيار العسكري حاضرا كورقة ردع بينما تظل الدبلوماسية هي المسار الأكثر أهمية لإنهاء التصعيد ومنع المنطقة من الدخول في دائرة جديدة من الحروب المفتوحة.