رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


الذكاء الاصطناعي وقائمة الأحلام

16-9-2026 | 13:44


زياد عبد التواب

وسط هذا الكم الكبير من النقاشات والمشاهدات لأقطاب الذكاء الاصطناعي وخبرائه، وهم يتحدثون عن حاضر ومستقبل هذا المجال الذي قلب شكل الحياة المعاصرة رأسًا على عقب، ومن المتوقع أن يحدث تحولات أعمق في المستقبل، بحسب تقديرات عدد غير قليل من الخبراء التقنيين والسياسيين وغيرهم، نجد في المقابل مجموعة من المتفائلين الذين يرون المميزات دون العيوب، ويعتقدون أن أي تطور في أنظمة ونماذج الذكاء الاصطناعي سيعود بالنفع على البشرية جمعاء.


والحقيقة أنه لا يمكن فصل الرؤية الأولى عن الثانية؛ فكلاهما مرتبط بالتطور الهائل الذي تشهده هذه النماذج، وقدرتها المتزايدة على التعلم والتطور، والانتقال من مجرد نماذج تقدم المقترحات إلى وكلاء قادرين على اتخاذ القرارات وتنفيذها بدرجات متزايدة من الاستقلالية.

وهنا تكمن أهمية الوصول إلى توافق دولي من أجل حوكمة رشيدة للذكاء الاصطناعي، تضمن استمرار التطوير والاستفادة من إمكاناته، مع وضع ضوابط واضحة تحول دون الوصول إلى الاستخدامات التي قد تمثل خطرًا على البشرية.

وليس حديثنا اليوم عن أين ومتى وكيف تتم تلك الحوكمة؛ فهذا نقاش مستمر يحتاج إلى مقالات ودراسات تفصيلية، ولا أريد أن أقع في فخ الاستطراد، لأنني أود الحديث عن الجانب الآخر المرتبط باستخدام تلك القدرات المتطورة في حل مشكلات البشرية.

نعم، حل مشكلات البشرية المستعصية والمزمنة أيضًا، تمامًا كما استطاعت بعض نماذج الذكاء الاصطناعي المساهمة في معالجة مسائل علمية ورياضية بالغة التعقيد، كان العلماء قد عجزوا عن الوصول إلى حلول لها لسنوات طويلة.

دعونا نتخيل أن البشرية وضعت خطة متكاملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لمعاونتها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي وضعتها الأمم المتحدة قبل أكثر من عقد من الزمن، والتي ينتظر أن تخضع نتائجها لتقييم شامل بحلول عام 2030.

أعرف أن الوقت المتبقي قليل، ولكن ربما تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي تسريع وتيرة العمل وتعويض جزء من السنوات التي لم يتحقق خلالها التقدم المأمول في عدد من هذه الأهداف.

دعونا نتخيل أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على المساعدة في حل إشكاليات التغير المناخي والاحتباس الحراري، وإيجاد حلول مبتكرة للحفاظ على الكوكب ونقاء بيئته واستدامة موارده، وأن تستطيع ابتكار أساليب منخفضة التكلفة لإنتاج طاقة نظيفة ومتاحة للجميع، بما يسهم في تقليل الصراعات والتوترات المرتبطة بمصادر الطاقة.

ولنتخيل أيضًا أن تسهم هذه الأنظمة في تطوير سلالات نباتية تجعل الزراعة أكثر إنتاجية وكفاءة، فلا نجد نقصًا في المحاصيل الزراعية، بل وفرة غذائية يستفيد منها الجميع، إلى جانب إيجاد حلول أكثر كفاءة واستدامة للإنتاج الحيواني والداجني والثروة السمكية.

ولماذا لا نتصور أن يسهم الذكاء الاصطناعي في إيجاد حلول لمشكلات التشغيل والبطالة، والمساعدة في خفض معدلات الفقر، وتحسين مستوى المعيشة، وتوفير فرص أكثر عدالة أمام البشر؟

وأن نوجه تلك الأنظمة إلى دعم جهود القضاء على الأوبئة، وتطوير وسائل علاج الأمراض البسيطة والمزمنة والمستعصية، وعلى رأسها السرطان، وربما الوصول مستقبلًا إلى وسائل تساعد على إبطاء معدلات التقدم في العمر وإطالة متوسط عمر الإنسان بصورة غير مسبوقة.

وما المانع من أن تساعد هذه القدرات في ابتكار وسائل أو آليات أو اتفاقيات تساهم في الحد من الصراعات والحروب، وإيجاد مساحات أكبر للتفاهم بين البشر، والارتقاء بمنظومة القيم الإنسانية والدينية بعيدًا عن التطرف أو فرض السيطرة أو التقليل من شأن الآخر؟

القائمة طويلة، وربما يراها البعض مستحيلة، ولذلك أسميتها «قائمة الأحلام».

ولكن إذا كان تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي يسير بالفعل بالسرعة التي يتحدث عنها الخبراء، فقد يصبح من الممكن توظيف هذه القدرات في تحقيق جانب من تلك الأحلام، إذا أردنا نحن ذلك، وإذا أحسنا توجيهها نحو ما يخدم الإنسان ويحافظ على مستقبل البشرية.

بعبارة أخرى، علينا نحن أن نحدد ما نريده من الذكاء الاصطناعي، وأن نضع له الأهداف والضوابط التي تضمن توظيفه في خدمة الإنسان، قبل أن تصبح قدراته على التأثير في عالمنا أكبر من قدرتنا على توجيه مساره.

فربما لا تكون القضية في النهاية هي: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟

بل: ماذا نريد نحن أن يفعل؟