الأزهر للفتوى: حفظ الجميل ورد الإحسان بالإحسان من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام
أكد مركز الازهر العالمي للفتوى الالكترونية، بعر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، أن حفظ الجميل، وشكر المعروف، ورد الإحسان بالإحسان من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام، ودعا إلى ترسيخها في النفوس؛ حتى لا يكون اختلاف الناس أو تغير أحوالهم سببًا في جحود ما كان بينهم من فضل وإحسان، قال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].
وجاءت الشريعة بما يربي النفس على الاعتراف بالجميل وعدم نكرانه، فقال تعالى: {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237].
وقد نقل الإمام الطبري في تفسيره عن سعيد بن جبير في معنى الآية: «لا تنسوا الإحسان»، ونقل عن قتادة: «يرغبكم الله في المعروف، ويحثكم على الفضل» [تفسير الطبري، 5/165].
والآية الكريمة، وإن وردت في سياق أحكام الطلاق، فإن في توجيهها إلى عدم نسيان الفضل معنى أخلاقيًّا عظيمًا؛ إذ لا ينبغي أن يمحو الاختلاف ما كان بين الناس من معروف وإحسان.
كما حثت السنة المطهرة على الاعتراف بالفضل ومكافأة أهل الإحسان، فقال رسول الله ﷺ: «مَن صُنِعَ إليه معروفٌ فليَجْزِه، فإن لم يجد ما يُجْزِه فليُثْنِ عليه؛ فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره» [أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وغيره].
والحديث لا يقتصر على النهي عن نكران الجميل، بل يربي النفس على مقابلة الإحسان بالإحسان، ومكافأة المحسن بما يليق بعمله، ولا يعني العجز عن المكافأة في بعض الأحوال، أن يترك الثناء باللسان وإعلان الفضل بين الناس؛ وهي معانٍ راقية تدل على حسن الإسلام، وسواء النفس، وطيب الأخلاق.
وحفظ الجميل خلق أحوج ما نكون إليه في واقعنا؛ فأخلاق الإنسان مع الناس لا تظهر في أوقات المودة وحدها، وإنما تظهر حقيقتها عند الاختلاف وتغيُّر العلاقات؛ فكثيرًا ما يتحول الخلاف عند بعض الناس إلى إنكارٍ وجحود، وكأن المواقف الطيبة لم تكن، والمعروف لم يُقدَّم، وقد يصل الأمر إلى الإساءة والتشويه والتنكر لمن كان له يومًا يدٌ بالخير.
لكن اختلافك مع إنسان لا يعني أن تنكر فضله، ولا أن تغيُّر علاقتك به لعدواة وجحود، فالإنصاف وكرم الأخلاق أن تعطي كل موقف حقه، فتحفظ الجميل وإن اختلفت، وتعترف بالفضل وإن بَعُدت، ولا تجعل خلاف اليوم يمحو معروف الأمس.
ولم تكن هذه المعاني النبوية مجرد توجيهات نظرية، بل تجلت في سيرته ﷺ ومواقفه؛ فقد حفظ للناس معروفهم، ولم يمنعه اختلافه معهم من الاعتراف بفضلهم.
ومن ذلك ما كان من مُطعم بن عدي حين أجار النبي ﷺ بعد عودته من الطائف، فلما وقعت غزوة بدر ووقع في الأسر بعض المشركين، قال سيدنا النبي ﷺ في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيًّا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم له» [أخرجه البخاري].
فهذا رجل مات قبل بدر ولم يعتنق الإسلام، ومع ذلك لم يمت معروفه في ذاكرة سيدنا رسول الله ﷺ، وظل حافظًا لجميله.
ومن تمام التأسي بسيدنا النبي ﷺ ألا ينكر الإنسان الجميل بسبب خلاف كبر أو صغر، فالعداوة توصد أبواب الرحمة، والاعتراف بالجميل نُبلٌ يفتح أبواب الخير والصلة ولو بعد حين.