رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


التحرر من الدولار في تجارتنا الإفريقية

20-9-2026 | 15:03


عمرو سهل,

إن من الزوايا اللافتة للنظر في تطور التجارة البينية بين الدول المتجاورة جغرافيا، أن جزءا كبيرا من هذه المعاملات يمر تقليديا عبر عملة أجنبية واحدة كوسيط رئيسي، حتى بين دول لا يستخدم أي منها هذه العملة في اقتصاده الداخلي، وهذا نمط تشكل عبر عقود من تطور النظام المالي العالمي، ويعكس ببساطة الطريقة التي بنيت بها البنية المصرفية الدولية منذ منتصف القرن الماضي.

واليوم مع تنامي حجم التجارة الإقليمية وتطور الأنظمة المصرفية المحلية، تبرز فرص جديدة أمام الدول لتنويع الأدوات المتاحة لتسوية معاملاتها التجارية المتبادلة، وهذا التحول الذي قد يبدو تقنيا بحتا، يحمل في جوهره أبعادا تتعلق بالمرونة الاقتصادية والاستقلالية النقدية، فكل معاملة تجارية تمر عبر عملة وسيطة واحدة تعني طلبا إضافيا عليها، وهي عملة نادرة أصلا في خزائن كثير من الدول النامية، كما تعني ارتباطا غير مباشر بتقلبات سياسة نقدية تدار بعيدا عن مراكز القرار الإقليمي سواء في القاهرة أو نيروبي أو أبوجا.

والدول التي مرت بضغوط في توفير النقد الأجنبي، وجميعنا يدرك جيدا حجم العبء الذي يفرضه هذا الاعتماد على عملة واحدة في تمويل تجارتنا الخارجية، ومن هنا تكتسب فكرة أنظمة التسوية الإقليمية البديلة أهميتها الحقيقية، فحين تستطيع بنوك دولتين متجاورتين تسوية معاملاتهما المتبادلة بشكل مباشر، أو عبر آلية تصف صافية بعملاتهما المحلية، دون المرور بعملة ثالثة، فإن ذلك لا يوفر فقط تكلفة وزمنا، بل يمنح مساحة أكبر من المرونة في إدارة القرار الاقتصادي، وهذا بالضبط ما يجعل التوجه نحو تعميق التكامل المالي الإفريقي خطوة تستحق أن تقرأ باعتبارها مسارا استراتيجيا، لا مجرد إجراء مصرفي فني.

غير أن الرهان على هذا المسار لا يخلو من تحديات حقيقية يجب عدم التهوين منها، فبناء الثقة بين المنظومات المصرفية لدول بالقارة، تتفاوت فيها درجات الاستقرار النقدي والرقابي بشكل كبير ليس أمرا يسيرا، والحوكمة التي تحمي هذه الأنظمة من مخاطر التمويل غير المشروع أو غسل الأموال تحتاج بنية رقابية صارمة ومتجانسة عبر دول قد لا تملك جميعها القدرات المؤسسية ذاتها.

كما أن نجاح أي نظام تسوية إقليمي يظل مرهونا بحجم التجارة البينية نفسها، فمهما كانت الآلية متطورة فإنها لن تحدث أثرا يذكر إن ظلت التجارة بين دول القارة محدودة الحجم، مقارنة بتجارة كل دولة مع شركائها خارج القارة.

ومع ذلك، فإن اتجاه التطور الاقتصادي العالمي يميل بوضوح نحو تعدد أقطاب التسوية النقدية، بعد عقود طويلة من نموذج كان له ما يبرره في حقبة سابقة من تاريخ الاقتصاد العالمي، ودول كثيرة من آسيا إلى أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا، تتحرك اليوم في الاتجاه ذاته البحث عن آليات تسوية تقلل من الاحتكاك مع عملة واحدة، ليس بالضرورة كموقف سياسي مواجه، بل كحسابات اقتصادية بحتة تتعلق بالكلفة والمخاطرة وأمن الإمدادات المالية.

المسألة إذن ليست خيارا بين الاستمرار في النموذج القائم أو التخلي عنه بالكامل، فهذا طرح غير واقعي في المدى المنظور، المسألة الحقيقية هي بناء مسارات موازية تدريجية ومحسوبة، تمنح الاقتصادات الإقليمية هامشا أكبر من المرونة والاستقلالية في إدارة تجارتها البينية، بحيث لا تظل العملة الوسيطة التقليدية هي الطريق الوحيد الممكن لكل معاملة، بل إحدى الطرق المتاحة من بين طرق أخرى.

وهذا التدرج بما يحمله من حذر واختبار مستمر، هو تحديدا ما يجعل مثل هذه المبادرات قابلة للاستمرار والنجاح على المدى الطويل، بعيدا عن أي قفزات متسرعة قد تكلف أكثر مما تجني.