نقيب المعلمين خلال مشاركته بمؤتمر «الهوية الوطنية»: المدرسة نموذج مصغر للمجتمع.. و«المعلم» حجر الزاوية
أكد خلف الزناتي، نقيب المعلمين ورئيس اتحاد المعلمين العرب، أن بناء الهوية الوطنية المصرية لم يعد قضية ترتبط بالمناهج الدراسية أو المناسبات الوطنية فقط، وإنما مسؤولية مجتمعية متكاملة تشترك فيها المدرسة والمعلم والأسرة ومختلف مؤسسات المجتمع، مشددًا على ضرورة الانتقال من مفهوم «تعليم الهوية» إلى «ممارسة الهوية».
جاء ذلك خلال مشاركته في مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة»، المنعقد بمكتبة الإسكندرية، بحضور الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، واللواء الدكتور خالد فودة، مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية، وعدد من الوزراء والمحافظين والعلماء والمفكرين والمثقفين.
وقدم نقيب المعلمين خالص الشكر والتقدير للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، على رعايته للمؤتمر، مؤكدًا أن قضية الهوية الوطنية تتصل بصورة مباشرة بحاضر مصر ومستقبلها.
وقال الزناتي إن الهوية المصرية ليست مجرد درس في كتاب أو احتفال بمناسبة وطنية، وإنما هي «شخصية وطن وذاكرة أمة»، مؤكدًا أن مصر استطاعت عبر آلاف السنين أن تحافظ على هويتها وتتفاعل مع العالم وتستوعب الحضارات دون أن تفقد ملامحها وشخصيتها.
ودعا نقيب المعلمين إلى تحويل الرؤية الخاصة ببناء الهوية الوطنية إلى إجراءات عملية، من خلال وضع استراتيجية وطنية للتربية على الهوية والمواطنة عبر مراحل التعليم المختلفة، وتدريب المعلمين على بناء الوعي وإدارة الحوار ومواجهة التحديات الرقمية.
وشدد الزناتي على أن المدرسة تمثل أول مجتمع حقيقي يعيش فيه الطفل خارج أسرته، ومن خلالها يتعلم النظام والقانون واحترام الآخر وقبول الاختلاف والعمل الجماعي والحفاظ على الممتلكات العامة.
وأوضح أن المدرسة يجب ألا تكون مجرد مكان لتعليم الهوية، وإنما «نموذجًا مصغرًا للهوية التي نريدها لمصر».
وأكد أن الهوية الوطنية لا يمكن أن تكون مسؤولية مادة دراسية واحدة، موضحًا أن التاريخ يبني الوعي بالجذور، واللغة العربية تحافظ على جانب أساسي من الذاكرة والثقافة، والجغرافيا تعرف الطالب بوطنه وتنوعه، بينما تسهم العلوم والتكنولوجيا في بناء وعيه بأن المستقبل يحتاج إلى المعرفة، وتوفر الأنشطة المدرسية المجال لممارسة ما يتعلمه الطالب.
وأكد نقيب المعلمين أن المعلم يمثل حجر الزاوية في بناء الهوية الوطنية، مشددًا على أنه «لا يمكن أن نبني هوية وطنية قوية دون معلم قوي، يحظى بالتقدير والتدريب والدعم».
وأشار إلى أن دور المعلم لا يقتصر على شرح الدرس، وإنما يقدم نموذجًا للطلاب من خلال سلوكه وطريقة حديثه واحترامه للآخر وانضباطه وإيمانه بقيمة العلم والعمل.
وأوضح أن نقابة المهن التعليمية ترى ضرورة أن تتضمن برامج إعداد وتدريب المعلمين محورًا واضحًا بعنوان «التربية على الهوية والمواطنة»، يتناول إدارة الحوار، والتعامل مع الاختلاف، ومواجهة التنمر وخطاب الكراهية، والتربية الإعلامية والرقمية، وبناء التفكير النقدي، والتعامل المسؤول مع الذكاء الاصطناعي.
وأشار الزناتي إلى أن الطالب لم يعد يعيش داخل المدرسة فقط، وإنما يتلقى جانبًا كبيرًا من معلوماته من منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الفيديو والمؤثرين ومحركات البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن مواجهة هذا التحدي لا تكون بعزل الطلاب عن العالم، وإنما بتعليمهم كيفية التعامل مع هذا العالم دون فقدان هويتهم، مشددًا على أهمية بناء وعي رقمي يمكن الطلاب من استخدام التكنولوجيا بصورة مسؤولة.
وأكد نقيب المعلمين أن المدرسة والمعلم وحدهما لا يكفيان لبناء الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن الأسرة المصرية تمثل شريكًا أساسيًا في هذه المهمة.
وقال إن الطفل يسمع من المدرسة لكنه يرى في البيت، ويتعلم من الكتاب لكنه يتأثر بالسلوك، داعيًا إلى الانتقال بالعلاقة بين الأسرة والمدرسة من علاقة تقتصر على التعامل مع المشكلات إلى شراكة مستمرة في التربية وبناء الشخصية.
وأوضح أن الأسرة التي تعلم أبناءها احترام القانون والمعلم والآخر، والحفاظ على الممتلكات العامة واحترام الاختلاف، تمثل شريكًا حقيقيًا في بناء الهوية الوطنية.
وطرح الزناتي، خلال كلمته، مبادرة نقابة المهن التعليمية تحت عنوان «مدرسة الهوية المصرية»، موضحًا أنها لا تستهدف إضافة مادة جديدة أو أعباء جديدة على المعلم والطالب، وإنما إعادة توظيف الأنشطة والممارسات الموجودة داخل المدرسة لخدمة بناء الهوية، وتتضمن المبادرة تقديم «التاريخ الحي» من خلال الزيارات للمواقع التاريخية والمتاحف والمكتبات، إلى جانب تنفيذ مشروعات طلابية تحت عنوان «حكاية مصر» للتعريف بالشخصيات المصرية المؤثرة وتاريخ المحافظات وتراثها، ومبادرة «أنا مصري» للتعريف بالتنوع الجغرافي والثقافي الذي تتميز به مصر، فضلًا عن خدمة المجتمع حتى يتحول الانتماء إلى ممارسة وعمل.
كما طالب بإعادة الاعتبار للأنشطة المدرسية باعتبارها جزءًا أساسيًا من بناء شخصية الطالب، بما يجعله متمسكًا بثقافته ومنفتحًا على الحضارات، وقادرًا على استخدام التكنولوجيا دون أن تتحول التكنولوجيا إلى أداة تؤثر في هويته.
واختتم الزناتي كلمته بالتأكيد على أن الهوية المصرية يجب أن تكون «واثقة لا تنغلق، ومتجددة لا تنفصل عن جذورها»، مؤكدًا أن مصر التي حافظت على هويتها آلاف السنين قادرة على دخول المستقبل بهوية أكثر قوة وثقة وانفتاحًا، موجهًا التحية إلى المعلمين والمعلمات والأسر المصرية لدورهم في بناء الإنسان، ومختتمًا كلمته بتحية لمصر «وطنًا نفخر به في ماضيه وحاضره ومستقبله».