عرابي.. «زعيم الفلاحين»
في التاريخ رجال يُخلَّدون لأنهم انتصروا، وآخرون لأنهم قالوا الكلمة التي خشيها الجميع، وهو من هؤلاء الآخرين، وعلى الرغم من هزيمته على يد الإنجليز عند التل الكبير، إلا أن جملته في ساحة عابدين ما زالت تتردد بعد أكثر من قرن: «لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا»، ليبقى القائد في ذاكرة المصريين رمزًا لرجلٍ رفض أن يُورَّث كما تُورَّث الأرض إنه زعيم الفلاحين المناضل أحمد عرابي.
ابن العمدة اليتيم
وُلد أحمد عرابي، في 31 مارس 1841م بقرية هرية رزنة في الشرقية، واسمه بالكامل أحمد محمد عرابي محمد وافي محمد غنيم عبد الله الحسيني، ثاني أبناء عمدة القرية، والدته كان اسمها فاطمة بنت السيد سليمان ابن السيد زيد، وتجتمع مع والده في الجد الثالث عشر المسمى إبراهيم مقلد والعارف بالله السيد صالح الذي جاء إلى مصر في منتصف القرن السابع الهجري.
حفظ أحمد عرابي القرآن الكريم صغيرًا، وتدرّب خمس سنوات على يد صرّاف القرية على القراءة والكتابة والحساب، ثم أخذه طموحه إلى الأزهر الشريف وهو في الثامنة، فدخله في نوفمبر 1849م، وأقام فيه أربع سنوات، وكان اليتم قد سبقه إلى الطريق، فقد مات أبوه بمرض «الكوليرا» وهو في الثامنة من عمره، وتولى أخوه الأكبر محمد الإنفاق عليه من ريع أربعة وسبعين فدانًا تركها الأب، و هكذا نشأ فتى ريفيًا يعرف الأرض وأهلها، ويحمل الكتاب معهم.
جندي يصعد السلم
في الثالثة عشرة من عمره دخل أحمد عرابي الجيش، وأمر سعيد باشا بإلحاق أبناء المشايخ والأعيان بالخدمة العسكرية، فالتحق «عرابي» في ديسمبر 1854م جنديًا بسيطًا، وصعد بعدها بسرعة لافتة، فبلغ رتبة ملازم ثانٍ بعد أربع سنوات، ثم توالت ترقياته حتى صار قائمقامًا (عقيدًا) قبل أن يتم العشرين، وقرّبه سعيد باشا إلى درجة أنه أشركه في ترتيب المناورات، وأهداه كتابًا عن نابليون مكتوبًا بالعربية، و كانت تلك سنوات الوعد بجيش يفتح أبوابه للمصري كما يفتحها للشركسي.
معاناته من التمييز
بعد رحيل سعيد باشا تبدّل الحال، وعادت التفرقة بين المصريين والشراكسة، اصطدم أحمد عرابي بأحد اللواءات الشراكسة، فقُدّم إلى المحاكمة العسكرية، وانتهى الأمر بفصله من الجيش وحرمانه من راتبه، وتركت هذه الواقعة في نفسه كراهية عميقة لسيطرة الضباط الشراكسة، وحاول ثلاث سنوات أن يرفع مظلمته إلى الخديوي إسماعيل، دون أن يلتفت إليها أحد، ثم عاد إلى الخدمة بوساطة من أقارب زوجته، وشارك في الحملة المصرية على الحبشة، وشهد هزيمتها وما رآه من استهتار القيادة، و من هذه التجارب الثلاث، الظلم والفصل والهزيمة، تشكّل ضميره السياسي.
ساحة «عابدين».. لحظة الانفجار
جاءت لحظة الانفجار في عهد الخديوي توفيق، أصدر ناظر الجهادية عثمان رفقي قرارات رأى فيها الضباط المصريون انحيازًا صريحًا للشراكسة، فرفع عرابي ورفيقاه مذكرة إلى رئيس النظار، وطالبت بالمساواة بين الأجناس في الجيش، وتعيين ناظر وطني للحربية، وقيام مجلس نواب، وزيادة عدد الجيش، ورد الخديوي بالاعتقال والمحاكمة العسكرية، فحرر الضباط زملاءهم بالقوة، وتوالى انضمام الوحدات إليهم.
وفي التاسع من سبتمبر 1881م، زحفت القوات إلى سراي «عابدين»، وهناك دار الحوار الشهير، و قال الخديوي إنه ورث البلاد عن آبائه وأجداده، وإنهم «عبيد إحسانه»، فجاءه الرد الذي غدا شعارًا للثورة، وتحت ضغط التفاف الشعب حول القائد الفلاح، سقطت وزارة رياض وقامت وزارة شبه وطنية.
خطبة أحمد عرابي الشهيرة
ويذكر أن الحوار جاء كالتالي: الخديوي توفيق: لا حق لكم في هذه المطالب، لقد ورثت هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساننا.
فرد «عرابي»: لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فوالله الذي لا إله غيره، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم»
وزير الجهادية في مواجهة الأساطيل
توّجت هذه الموجة بحكومة محمود سامي البارودي، وصار أحمد عرابي فيها ناظرًا للجهادية (وزيرًا للدفاع)، ونائبًا لرئيس مجلس النظار، وصدر الدستور في فبراير 1882م، غير أن الاستعمار لم يقبل أن يترك مصر تدير شؤونها، وأرسلت بريطانيا وفرنسا أسطوليهما إلى الإسكندرية بحجة حماية الأجانب، وقدمتا مذكرة تطلب إبعاد عرابي، فرفضتها الوزارة، وتراجع الخديوي فاستقال «البارودي»، ولكن حامية الإسكندرية أعلنت أنها لا ترضى بغير عرابي ناظرًا للجهادية، فاضطر الخديوي إلى إبقائه، وعلى الجانب الآخر، كان توفيق يظهر لعرابي التأييد، ويراسل الإنجليز سرًا، وكان السلطان العثماني يلعب مع الأطراف كلها.
من الإسكندرية إلى التل الكبير
في صيف 1882م، قصف الأسطول البريطاني الإسكندرية، سحب الزعيم أحمد عرابي قواته وتحصّن في كفر الدوار، وأعلنه الخديوي متمردًا بعدما انحاز إلى الإنجليز واستقبل قائد أسطولهم، ورفض «عرابي» عزله، وأيدته جمعية وطنية ضمت نحو خمسمائة من العلماء والأعيان والقضاة والعُمد وممثلي الطوائف، فأصدرت قرارها بوقف أوامر الخديوي، وتقاطر الناس من القرى بالرجال والخيل والبنادق والغلال؛ لكن الطريق كانت تضيق.
وأكد «دليسبس» أن قناة السويس محايدة، فلا داعي لردمها، ثم سمح بمرور الإنجليز عبرها، ثم كانت القصاصين، ثم التل الكبير في 13 سبتمبر 1882م، و هجم الإنجليز ليلًا على معسكر نائم، وتقول الرواية إن عرابي فوجئ بهم في قلب معسكره قبل أن يكمل ارتداء حذائه، وتتعدد المصادر في أسباب الهزيمة، والخيانات: خيانة بعض البدو والضباط، وخنفس باشا قائد حامية القاهرة، وخديوي فتح ذراعيه للغازي، وسلطان أعلن عصيان عرابي في وقت حرج.
المحاكمة والمنفى
استسلم المهزوم المنتصر وصوت الفلاحين «عرابي» مشترطًا أن يكون تسليمه لبريطانيا لا للخديوي، فأمّن بذلك حياته من مصير كان ينتظره، وفي 3 ديسمبر 1882م، قضت المحكمة بإعدامه، ثم خُفف الحكم فورًا إلى النفي المؤبد، بترتيب سبق بين سلطة الاحتلال والقضاة، و حُملت سفينته إلى سيلان (سريلانكا حاليًا)، ومعه رفاقه، ومنهم البارودي وعبد الله النديم، وأقاموا في مدينة كولومبو سبع سنوات، ثم نُقل «عرابي» و«البارودي» إلى «كاندي» وبدأ احتلال دام أربعة وسبعين عامًا، لم يخرج آخر جنوده إلا في يونيو 1956م.
أحمد عرابي.. غارس المانجو
عاد الزعيم والفلاح الثائر أحمد عرابي إلى مصر عام 1903 بعد عشرين عامًا، وقد أنهكه المرض، وأتى معه بشجرة «مانج»، هي الأولى التي عرفتها أرض مصر، وو كتب مذكراته في ثلاثة دفاتر كبيرة أسماها «كشف الستار عن سر الأسرار»، وحققها الدكتور عبد المنعم الجميعي، وطُبعت في ثلاثة مجلدات عام 2005.
وفي 21 سبتمبر 1911 مات في القاهرة، وقد سبقته الهزيمة بثلاثة عقود، وبقيت خلفه جملة «عابدين».
الشجرة التي بقيت
هزم الجيش الإنجليزي زعيم «الثورة العرابية» أحمد عرابي، ونفاه الاحتلال، وطعنه الخديوي والسلطان وبعض رفاقه، لكن الفلاح الذي ولد في «هرية رزنة» عاد من منفاه بشجرة تثمر في أرضٍ لا ينتزعها منه أحد، فصار الزعيم الرجل الذي رفض أن يُورَّث أحمد عرابي، في ذاكرة المصريين، كالشجرة التي غرسها: حين تُقطع من جذورها الأولى، تعطي في الأرض الجديدة ثمرًا.
أحمد عرابي حاضرًا في الثقافة والإعلام والدراما
وبقي أحمد عرابي حاضرًا في الثقافة والإعلام، بوصفه إحدى الشخصيات التاريخية التي استلهمتها السينما والدراما المصرية في أعمال فنية عدة تناولت مراحل مختلفة من تاريخ مصر، وظهر في عدد من الأفلام والمسلسلات، وجسّد شخصيته مجموعة من الفنانين، من بينهم سعيد خليل، ورياض الخولي، وهشام الجمل، وهشام عبد الله، ومحمد ثروت.
ففي عام 1962، ظهر أحمد عرابي في فيلم «ألمظ وعبده الحامولي»، وجسّد شخصيته الفنان سعيد خليل، وتناولت الدراما شخصيته في الجزءين الثاني والثالث من مسلسل «بوابة الحلواني» عامي 1994 و1997م، وجسّد دوره الفنان رياض الخولي، ثم ظهر في مسلسل «الإمام محمد عبده» عام 2005م، وجسّد شخصيته الفنان هشام الجمل، ومسلسل «علي مبارك» عام 2008، وجسّد دوره الفنان هشام عبد الله. وفي عام 2014، ظهر عرابي في فيلم «الحرب العالمية الثالثة»، وجسّد شخصيته الفنان محمد ثروت.