تتوقع أوساط أوروبية أن تفرض العقوبات والضغوط البريطانية والأوروبية المرتقبة على الشركات الإسرائيلية العاملة في المستوطنات تداعيات واسعة على اقتصاد المستوطنات، مع اتجاه لتوسيع نطاق الإجراءات لتشمل الشركات التي «تسهل أو تيسر» الأنشطة الاستيطانية، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل بهدف دفعها إلى تغيير سياساتها وممارساتها في الضفة الغربية.
وقالت صحيفة "فاينانشيال تايمز" إن إسرائيل في ظل الحكومة الحالية سرعت بشكل كبير من خططها للتوسع الاستيطاني مثل مشروع "إي 1" المثير للجدل بالقرب من القدس، في وقت تصاعدت فيه وتيرة هجمات المستوطنين اليهود ضد الفلسطينيين.
وأشارت الصحيفة إلى أن نظام العقوبات الجديد ضد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، الذي أعلن عنه هذا الشهر وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، تزامن مع تعهد من فرنسا وكندا بحظر استيراد منتجات المستوطنات.
كما أعلنت كل من أيرلندا، وإسبانيا، وبلجيكا، والنرويج بالفعل عن فرض قيود على التجارة مع المستوطنات، ومن المقرر أن تدخل العقوبات الهولندية حيز التنفيذ الأسبوع المقبل.
ومن المخاوف القائمة لدى الإسرائيليين أن تبدأ بعض الشركات الأجنبية في تجنب ليس فقط السلع والشركات المرتبطة بالمستوطنات، بل أيضاً السلع والشركات الإسرائيلية بشكل عام، نظراً للتعقيدات المرتبطة بتتبع سلاسل التوريد الحديثة.
ويشير مسؤولون إلى أن المملكة المتحدة ستحتاج إلى فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر لوضع اللمسات الأخيرة على تفاصيل تشريعات العقوبات.
وقد أوضح ميليباند أن هذه التدابير لن تقتصر على حظر استيراد السلع من المستوطنات فحسب، بل ستشمل أيضاً فرض عقوبات على الشركات التي "تموّل أو تسهّل" أنشطة الاستيطان، وهو إجراء قد تكون له تداعيات أوسع نطاقاً.
وسلطت الصحيفة الضوء على اتهام وزير الخارجية البريطاني للمستوطنين الإسرائيليين بممارسة "التطهير العرقي" ضد الفلسطينيين في أجزاء من تلك الأراضي، مشيرة إلى إن حكومة نتانياهو، خلال فترة ولايتها التي استمرت قرابة أربع سنوات، وافقت على إنشاء أكثر من 100 مستوطنة جديدة، ما ضاعف تقريباً عدد المستوطنات القائمة سابقاً (والبالغ 127 مستوطنة)، ويعيش فيها الآن أكثر من 500 ألف إسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية.
في حين يقيم بعض المستوطنين هناك لأسباب دينية أو أيديولوجية، فإن آخرين تستهويهم اعتبارات اقتصادية، إذ غالباً ما تكون تكاليف السكن في المستوطنات أقل منها في إسرائيل.
ويعد الإنتاج الزراعي جزءاً كبيراً من الناتج الاقتصادي للمستوطنات، حيث تشمل الصادرات الرئيسية الفواكه، مثل التمور والأفوكادو والعنب، ومنتجات وزيت الزيتون.
غير أن بعض المستوطنات، مثل "معاليه أدوميم" و"شعار بنيامين" و"أريئيل"، تضم أيضاً مناطق صناعية تنتج سلعاً تتراوح بين البلاستيك ومستحضرات التجميل.
ورغم التدابير العقابية المرتقبة، فإن الصحيفة رأت أنه على صعيد الاقتصاد الكلي، سيكون التأثير المباشر للعقوبات على منتجات المستوطنات غير معلوم إذ لا تتوفر بيانات رسمية حول حجم التجارة بين المملكة المتحدة والمستوطنات لكن "اتحاد المصنعين الإسرائيليين" قدر أن الصادرات السنوية من المستوطنات إلى المملكة المتحدة بلغت 11.1 مليون دولار فقط؛ وهي نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بإجمالي الواردات البريطانية من السلع الإسرائيلية التي بلغت قيمتها 1.2 مليار جنيه إسترليني (بما يعادل 1.6 مليار دولار).
ومن مستوطنة "معاليه أدوميم"، يقول الرئيس التنفيذي لشركة الأغذية "مايا" المنتجة للتوابل ورقائق البطاطس، إيتسيك موشيل، إن المجموعة ستستجيب للأمر من خلال السعي لتعزيز مبيعاتها في أسواق أخرى، مضيفاً: "سيؤثر ذلك علينا، ولكن بشكل طفيف؛ إنه أمر يمكننا تجاوزه".
وأكدت "فاينانشيال تايمز" أن أكثر ما يثير القلق لدى المديرين التنفيذيين الإسرائيليين هو تهديد وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، بفرض عقوبات على "الشركات والأفراد الذين يقدمون خدمات كالبناء، أو البنية التحتية، أو التمويل، أو العقارات، والتي تساهم في توسيع المستوطنات".
ولا يزال هيكل تدابير العقوبات البريطانية وتفاصيله الدقيقة محل تساؤل في أروقة صنع القرار البريطاني "وايت هول"، وستعتمد ملامحه النهائية جزئياً على المسار الذي ستسلكه الحكومة الإسرائيلية والشركات الإسرائيلية في الأشهر المقبلة.
وقالت الزميلة المشاركة في برنامج الشرق الأوسط بمركز "تشاتام هاوس"، جولي نورمان، إن بريطانيا احتفظت بـ "هامش للمناورة بانتظار ما ستسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية"، المقرر إجراؤها الشهر المقبل، بهدف "معرفة ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية الجديدة ستُعلق مشروع التوسع الاستيطاني في منطقة(إي1) وتكبح جماح عنف المستوطنين" ضد الفلسطينيين.
وتشير استطلاعات الرأي إلى منافسة محتدمة، حيث لا يحظى حالياً أي من بنيامين نتنياهو أو خصومه، الذين يتبنون آراءً متباينة بشأن الضفة الغربية، بالأغلبية.
وترى الصحيفة أن العقوبات التي تستهدف البنوك وشركات التأمين التي تتعامل مع المستوطنات تعتبر أقوى أداة من هذا القبيل.
وفي هذا الصدد، قال الرئيس السابق لـ"هيئة المنافسة الإسرائيلية" والرئيس التنفيذي الحالي لـ"المعهد الإسرائيلي للتخطيط الاقتصادي"، درور ستروم: "سيكون هذا أمراً بالغ الأهمية، لأن البنوك تتمتع بصلات واسعة النطاق في دوائر متعددة".
وأضاف: "هناك أنظمة الدفع، وهناك أنظمة الائتمان التي يمكن أن تشارك فيها بنوك بريطانية كبرى ضمن تحالفات لتمويل المشاريع... وتعتبر لندن واحدة من أهم ثلاثة مراكز مالية في العالم؛ لذا فإن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى عواقب وخيمة".
ويرى آخرون أن هذا الترابط الوثيق بين المؤسسات المالية هو بالتحديد ما قد يجعل المملكة المتحدة مترددة في فرض عقوبات على البنوك الإسرائيلية، إذ يصعب القيام بذلك دون التأثير سلباً على الاقتصاد الإسرائيلي.
ولكن حتى لو لم تصل المملكة المتحدة إلى حد اتخاذ مثل هذه الخطوة، فإن عقوباتها قد تظل مؤثرة على الاقتصاد الإسرائيلي بشكل غير مباشر.
وقد تحذو دول أخرى حذو هذه الدول؛ ففي الوقت الذي أعلنت فيه كل من المملكة المتحدة وفرنسا وكندا عن فرض عقوبات، صرحت عدة دول أوروبية أخرى بأنها تعتزم تطبيق تدابير خاصة بها أو تدرس اتخاذ إجراءات على مستوى الاتحاد الأوروبي.
وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب، عيران ياشيف،: "إن القيود الوطنية التي قد تفرضها عدة دول أوروبية ستُعرِّض الشركات الإسرائيلية لخطر (الاستبعاد من) سوق أكبر بكثير".
وأضاف أنه في حال بقاء ائتلاف نتنياهو في السلطة بعد الانتخابات واستمراره في تبني سياساته المتشددة، فقد يتزايد خطر فرض دول أخرى عقوبات لا تقتصر على المستوطنات فحسب، بل تشمل إسرائيل أيضاً. وقال ياشيف: "نظراً لأن أوروبا هي الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، فإن هذا سيعد أمراً بالغ الأهمية".