خالد العناني: زيارة بابا الفاتيكان إلى اليونسكو تكريم رفيع لـ80 عامًا من خدمة السلام
أكد الدكتور خالد العناني، المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، أن زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى مقر المنظمة في باريس تمثل تكريمًا رفيعًا لـ80 عامًا من خدمة اليونسكو للسلام.
وقال العناني، في كلمة ألقاها أمام البابا ليون الرابع عشر وأسرة اليونسكو، إن هذه الزيارة تؤكد كذلك الروابط العريقة التي تجمع بين المنظمة والفاتيكان، المراقب الدائم لدى اليونسكو منذ عام 1952.
ووصف العناني الزيارة بأنها «لحظة تاريخية»، كونها أول زيارة بابوية إلى اليونسكو منذ عام 1980، معربًا، بالنيابة عن الدول الأعضاء الـ194، ونحو 4800 من العاملين في المنظمة حول العالم، وشبكاتها العالمية وشركائها، عن خالص الامتنان والتقدير لقداسة البابا لقبوله الدعوة.
وأضاف أن اليونسكو تشعر بامتنان خاص لكونها أول منظمة دولية خارج روما يختار بابا الفاتيكان زيارتها.
وشدد العناني على أن الرسالة البابوية «ماغنيفيكا هومانيتاس» (Magnifica Humanitas) (الإنسانية العظيمة) تمثل شهادة قوية على القيم المشتركة بين اليونسكو والفاتيكان، مشيرًا إلى أنها تنسجم بعمق مع دستور اليونسكو، وتعكس الرسالة التي شاركها البابا معه عندما استقبله في الفاتيكان في يونيو الماضي، والمتمثلة في «الواجب الحيوي للتقريب بين الشعوب وصون الكرامة الإنسانية في عصر يشهد تحولات عالمية عميقة».
وقال إن الإنسان يقف في صميم مهمة اليونسكو، سواء الطلاب أو المعلمون أو العلماء أو الباحثون أو المبتكرون أو الفنانون أو العاملون في المجالات الثقافية أو الصحفيون أو المجتمعات المحلية أو الشعوب الأصلية، مشيرًا إلى أن المنظمة تعمل إلى جانبهم لتحقيق كامل إمكاناتهم، وصون حقوقهم وكرامتهم، والوقوف إلى جانب من يواجهون الأزمات والنزاعات عندما تكون الحاجة إلى التضامن في أشد صورها.
وأضاف أنه من خلال التعليم، تنمي اليونسكو القيم والمهارات والتفكير النقدي، وتعزز السلام وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، وتكافح خطاب الكراهية.
وأوضح أنه من خلال النهوض بالعلوم الأخلاقية والمفتوحة، القائمة على النزاهة والتعاون، تسعى المنظمة إلى ضمان أن يكون التقدم موجّهًا نحو الصالح العام، وأن يعود بالنفع على جميع البشر، وأن يسهم في حماية كوكبنا.
ولفت إلى أنه من خلال الثقافة، تصون اليونسكو التراث وتبني جسورًا بين الشعوب والأمم، بما يعزز الحوار بين الثقافات، والتفاهم المتبادل، واحترام التنوع، والإحساس الأعمق بإنسانيتنا المشتركة.
وتابع أنه من خلال دعم الذين يدافعون عن حرية التعبير والسعي إلى الحقيقة، تقف اليونسكو ضد الرقابة والتضليل الإعلامي، وتسهم في تعزيز الثقة داخل المجتمعات.
وأوضح العناني أن أولويات اليونسكو تشمل أفريقيا، باعتبارها قارة ديناميكية تسهم في تشكيل مستقبل الإنسانية، إلى جانب المساواة بين الجنسين وتعزيز حقوق النساء والفتيات وحرياتهن، وكذلك الدول الجزرية الصغيرة النامية التي تقف في الخطوط الأمامية لمواجهة تغير المناخ والكوارث الطبيعية، فضلًا عن الشباب الذين تواصل أصواتهم إلهام المنظمة وتوجيهها، كما تجسد ذلك في المبادرات الأخيرة حول مستقبل السلام و الذكاء الاصطناعي.
وأكد أن أسرة اليونسكو بأكملها تعمل لخدمة الشعوب في مختلف أنحاء العالم وعبر الأجيال، من خلال الحفاظ على التراث الذي ورثته عن الماضي، وإتاحة الوسائل أمام الجميع اليوم للازدهار والنماء، ومواجهة تحديات المستقبل.
وشدد على أن حماية الكوكب والذكاء الاصطناعي من بين التحديات التي تعيد تشكيل مجتمعاتنا، مؤكدًا أن «ضمان بقاء هذه الثورة التكنولوجية في خدمة الإنسانية أمر حيوي».
وذكر بالدور المحوري الذي اضطلعت به اليونسكو في عام 2021، من خلال اعتماد «التوصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، التي شكلت أول إطار عالمي لوضع المعايير في هذا المجال.
وأضاف أنه مع تسارع وتيرة التقدم منذ ذلك الحين، وما أتاحه من آفاق استثنائية وما أثاره من تساؤلات جوهرية حول مكانة الإنسان وقدرتنا على الاحتفاظ بالسيطرة على مصيرنا، تذكرنا الرسالة البابوية في هذا السياق بأنه لا يوجد ذكاء اصطناعي قادر على أن يحل محل التمييز، أو الضمير الأخلاقي، أو حس المسؤولية، أو الإبداع، أو التعاطف.
وقال العناني إن هذه القناعة ذاتها تقف في صميم عمل اليونسكو، موضحًا أن المنظمة، بالتعاون مع الدول الأعضاء وخبرائها وشبكاتها، تعمل على تطوير ذكاء اصطناعي في خدمة الشعوب، يكون أخلاقيًا ومتاحًا ومنصفًا ومستدامًا؛ ذكاء اصطناعي يتيح لكل واحد منا التعلم والتعليم والإبداع، ويعزز البحث والمعرفة، ويسهم في مكافحة التمييز وتعزيز نزاهة المعلومات.
وأشار إلى أن الشباب يقفون في قلب هذا التحول الكبير، مؤكدًا أن اليونسكو هي المنتدى الأمثل لاستضافة التفكير في الإطار الذي يتيح للشباب إتقان الذكاء الاصطناعي وتحويله إلى أداة للتحرر وصناعة المستقبل.
وقال العناني «في اليونسكو، نؤمن أكثر من أي وقت مضى بأولوية الذكاء البشري. فالذكاء البشري كان وسيظل دائمًا في صميم عملنا، لأنه موردنا الأثمن والأكثر استدامة».
وأضاف أن الذكاء البشري، بعيدًا عن مجرد معارضة الذكاء الاصطناعي، هو الذي يحدد آفاقه ويشكل إطاره، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يصبح قوة حقيقية للتقدم إلا إذا تم تطويره وحوكمته بصورة مسؤولة، وفي خدمة هدفنا المشترك، وبفضل التعاون الدولي المعزز والتزام جميع الأطراف.
وتابع: «العالم بحاجة إلى تعددية أطراف متجددة، قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، مع البقاء وفية لقيمها التأسيسية».
وأضاف أن اليونسكو تحتل هنا مكانة خاصة، إذ «لم تكن ولايتها الشاملة في أي وقت مضى بمثل هذه الأهمية، للعمل على الأسباب العميقة للتحولات التي يشهدها عصرنا ومواجهة تداعياتها».
وأشار العناني إلى أن زيارة بابا الفاتيكان تعزز عزم اليونسكو على مواصلة العمل مع الدول الأعضاء لبناء منظمة أقوى وأقرب وأكثر استجابة.
وقال إن اليونسكو تجمع شركاءها لتحويل قناعاتها إلى نتائج ملموسة، وتضع السلام والكرامة الإنسانية والحوار في صميم عملها، وتجسد الأمل في عالم أفضل للأجيال القادمة.
وفي ختام كلمته، أهدى المدير العام لليونسكو بابا الفاتيكان عملًا فنيًا يلخص قناعات وآمال أسرة اليونسكو بأكملها ودولها الأعضاء، ويجسد تطلعهم المشترك إلى إنسانية أكثر تضامنًا وأخوّة وسلامًا. وقال: «وعندما فكرنا فيما يمكن أن نقدمه لقداستكم احتفالًا بهذه الزيارة التاريخية، وجدنا أن هذا العمل يجسد اليونسكو، باعتبارها الذراع الفكرية للأمم المتحدة، وأود أن أقدمه لكم نيابة عن أسرة اليونسكو بأكملها».