"باسف" تسعى للاستحواذ على "إفونيك".. خطوة نحو إعادة تشكيل قطاع الكيماويات الأوروبي
كشفت صحيفة "فاينانشيال تايمز" اليوم السبت ، أن شركة "باسف" الألمانية العملاقة، أكبر شركة كيماويات في العالم، تسعى إلى الاستحواذ على منافستها المحلية "إفونيك"، التي يراها مراقبون بأنها خطوة تساعد الشركة على توسيع نطاقها الجغرافي، وتنويع سلة منتجاتها، فضلاً عن تعزيز الاندماج في هذا القطاع الذي يواجه ضغوطاً متزايدة.
وقالت مصادر مطلعة للصحيفة إن شركة "باسف"، التي تتخذ من مدينة لودفيجسهافن الألمانية مقراً لها، قدمت أخيراً مقترحاً للاندماج إلى شركة "إفونيك" وإلى أكبر مساهم فيها، وهي مؤسسة راج- ستيفتونج".
وأشارت إلى أن أي صفقة محتملة ستكون ضخمة الحجم، نظراً لأن القيمة السوقية لشركة "إفونيك"، التي تتخذ من مدينة إيسن مقراً لها، تصل إلى 8.4 مليار يورو، ومن المرجح أن تطالب الشركة بعلاوة استحواذ كبيرة، علماً بأن قيمة المؤسسة الإجمالية، شاملة صافي الديون، تتجاوز 12 مليون يورو.
وأفادت بعض المصادر بأن "باسف"، التي تصل قيمتها إلى 45 مليار يورو، تجري محادثات مع بنوك بشأن عملية استحواذ محتملة منذ وقت سابق من هذا العام، وتواصل العمل على إتمام الصفقة، غير أن المصادر ذاتها نبهت إلى أنه رغم دخول الأطراف المعنية في مناقشات في هذا الصدد، فلا يوجد ضمان للتوصل إلى اتفاق نهائي.
وعقب تقرير نشرته "فاينانشيال تايمز" حول مقترح "باسف" أكدت "إفونيك" تلقيها عرضاً "غير ملزم" للاستحواذ من منافستها، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنه "لا توجد محادثات جارية حالياً"، كما أكدت مؤسسة "راج ستيفتونج" أنها تلقت تواصلاً بهذا الشأن.
من جانبها، صرحت "باسف" بأنها أجرت ما وصفته بـ"مباحثات استكشافية" مع مؤسسة "راج ستيفتونج" وشركة "إفونيك"، مضيفة أن "مسار ونتائج" هذه المناقشات "لا تزال مفتوحة على كافة الاحتمالات في هذه المرحلة".
وفي هذا السياق، قال مصدر مطلع على شؤون الشركة إن الأمر يتطلب إقناع مساهمي "إفونيك" ومديريها التنفيذيين بأن الاندماج مع منافستها يمثل خطوة استراتيجية موفقة، فضلاً عن ضرورة رضاهم عن علاوة السعر المعروضة. ومن المنتظر أن يكون موقف مؤسسة "راج ستيفتونج"، التي تمتلك حصة تبلغ 44 في المائة، عاملاً حاسماً في إمكانية التوصل إلى أي اتفاق.
واستجابت الأسهم لتقرير "فاينانشيال تايمز" الجمعة حيث قفزت أسهم "إفونيك" بعد صدور التقرير بنسبة 10 في المائة، فيما أغلقت التداولات مرتفعة بنسبة 7.2 في المائة، وفي المقابل تراجعت أسهم شركة "باسف" بنسبة 3.6 في المائة. وتنظر الأسواق لعملية الاستحواذ على أنها خطوة مهمة يتخذها الرئيس التنفيذي لشركة "باسف"، ماركوس كاميث، لتوحيد قطاع الكيماويات الأوروبي الذي يتسم بالتشتت.
ومن شأن هذه الخطوة أن تخلق كياناً أوروبياً عملاقاً، يتخذ من ألمانيا مقراً له، قادراً على المنافسة بفعالية أكبر أمام المنافسين الصينيين، مثل شركة "سينوبك"، والأمريكيين مثل شركة "داو"، علماً بأن إجمالي إيرادات الشركتين الألمانيتين بلغ 74 مليار يورو في العام الماضي.
ورغم أن هذا الاندماج سيخضع لتدقيق الجهات التنظيمية، فإن بروكسل أبدت اهتماماً متزايداً بدعم كيانات أوروبية كبرى وأكثر قدرة على المنافسة. كما أن وجود تداخل في العمليات داخل دول مثل ألمانيا سيتيح فرصاً لخفض التكاليف وتحقيق النمو في أسواق آسيا والولايات المتحدة.
وبينت "فاينانشيال تايمز" أن إبرام صفقة بين "باسف" و"إفونيك" من شأنه أن يحافظ على هوية الشركة الألمانية، وهو أمر قد يلقى قبولاً لدى الساسة المحليين رغم مخاطر إلغاء الوظائف.
وفي هذا السياق، صرح آرني راوتنبرج، رئيس قسم الأسهم في شركة "يونيون إنفستمنت"، وهي مستثمر في كلتا الشركتين، بأن قائمة منتجات المجموعتين "تكميلية"، وأن الصفقة قد تعزز مكانة "باسف" في مجال الكيماويات المتخصصة.
غير أن المحلل في بنك "بيرنبرج"، سيباستيان براي، تساءل عن مدى توافق الاستحواذ على "إفونيك" مع استراتيجية "باسف" الرامية إلى تبسيط محفظة أعمالها وتركيز الاستثمارات على مواقع الإنتاج المتكاملة الكبيرة؛ حيث قال: "قد يكون هذا مقترحاً مثيراً للاهتمام ولكن في توقيت غير مناسب".
تعمل شركة "إفونيك" في أكثر من 100 دولة وتوظف نحو 31 ألف شخص، وتنتج إضافات كيميائية متخصصة للدهانات ومكونات تصنيع المراتب، فضلاً عن البوليمرات المستخدمة في صناعات السيارات والطيران والأحماض الأمينية لأعلاف الحيوانات. وقد أعلنت الشركة هذا الأسبوع عن خطط لإلغاء أكثر من 3 آلاف و200 وظيفة، معظمها في ألمانيا.
يتولى إدارة "إيفونيك" حالياً الرئيس التنفيذي المؤقت، كلاوس ريتيج، الذي تسلم مهامه بعد تنحي كريستيان كولمان في أغسطس لأسباب صحية. وتعمل الشركة حالياً على إغلاق المصانع الصغيرة وبيع الأنشطة غير الأساسية، مع السعي لاقتناص فرص النمو في آسيا والأمريكتين.
كانت "باسف" قد رفعت في يوليو توقعاتها للأرباح السنوية بعد زيادة أسعار منتجاتها، التي تدخل في صناعات متنوعة تشمل البناء والسيارات ومواد التنظيف والبلاستيك، مما ساعدها في تعويض ارتفاع أسعار الطاقة والبتروكيماويات الناجم عن الحرب الأمريكية مع إيران. ودأبت الشركة، تحت قيادة "كاميث"، على بيع أصول غير أساسية وخفض التكاليف وتقليص الوظائف، بهدف تعزيز الأرباح ومواجهة مشكلة فائض الطاقة الإنتاجية العالمي وضعف الطلب.
وفي شهر يوليو، أتمت شركة "باسف" صفقة بيع حصة أغلبية في قطاع طلاء السيارات التابع لها إلى شركة الاستثمار المباشر "كارلايل" مقابل 7.7 مليار يورو. كما كلفت الشركة بنوكاً هذا الشهر بالعمل على خطة طرح قطاع الحلول الزراعية للاكتتاب العام، والمقرر إجراؤه في منتصف عام 2027.
وعلى مدار العام الجاري، عمدت كبرى شركات الكيماويات الألمانية، التي تعد محركاً رئيسياً للإنتاج الصناعي في البلاد، إلى رفع الأسعار، في ظل معاناتها من الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة الناجم عن الصراع الدائر في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، حظي بعض المنتجين بميزة تنافسية قصيرة الأمد مقارنة بنظرائهم الآسيويين الذين يعتمدون بشكل أكبر على منطقة الخليج في الحصول على المواد الخام، مثل "النافثا" و"الميثانول".
.