رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


«هل ينقذ الجنون من حبل المشنقة؟».. رحلة المتهم داخل الطب النفسي الشرعي

27-9-2026 | 09:18


ارشيفيه

في اللحظة التي تضيق فيها دائرة الاتهام حول متهم بارتكاب جريمة قتل عمد، قد ينتقل الدفاع إلى ساحة أخرى أكثر تعقيدًا: الطب النفسي الشرعي. فطلب عرض المتهم على جهة متخصصة لا يعني تلقائيًا نجاته من العقوبة، وإنما يفتح سؤالًا بالغ الأهمية: هل كان المتهم وقت ارتكاب الجريمة مدركًا لطبيعة أفعاله وقادرًا على الاختيار؟

وهنا تتقاطع قاعة المحكمة مع غرف الفحص النفسي، في محاولة للإجابة عن سؤال لا تحسمه المظاهر أو الانفعالات وحدها، وإنما تخضعه لتقييم طبي وقانوني دقيق.

متى يمكن أن تؤثر الحالة النفسية في المسؤولية الجنائية؟

تختلف القواعد القانونية من دولة عربية إلى أخرى، لكن المبدأ العام في عدد من التشريعات هو بحث مدى توافر الإدراك والاختيار لدى المتهم وقت ارتكاب الفعل. فليس مجرد وجود مرض نفسي أو تشخيص سابق كافيًا بذاته لانتفاء المسؤولية الجنائية، وإنما ينصب البحث على تأثير الحالة العقلية على المتهم في وقت ارتكاب الجريمة، وفقًا للقانون المطبق في الدولة المعنية.

كما أن انتفاء المسؤولية الجنائية، في الأنظمة التي تقرره، لا يعني بالضرورة أن الشخص يصبح حرًا بلا قيود؛ فقد تترتب تدابير علاجية أو احترازية يحددها القانون والجهة القضائية المختصة. ماذا يحدث داخل الفحص النفسي الشرعي؟

عندما تقرر المحكمة إحالة المتهم للفحص، تخضع حالته لتقييم متخصص يعتمد على مجموعة من العناصر، من بينها المقابلات الطبية، والتاريخ المرضي، والسلوك، والاختبارات النفسية، والمعلومات المتاحة عن حالته قبل الواقعة وأثناءها وبعدها.

وقد تتم الاستعانة بملف القضية وشهادات المحيطين بالمتهم، بهدف تكوين صورة متكاملة عن حالته العقلية ومدى ارتباطها بالواقعة محل الاتهام. أما القول بأن مجرد ادعاء الهلوسة أو الاضطراب النفسي يكفي لإثبات المرض، فهو غير دقيق؛ إذ إن تحديد الحالة العقلية مسألة فنية تخضع للفحص والتقييم من المختصين. هل كل مرض نفسي يمنع العقوبة؟

هنا تكمن إحدى أهم النقاط في هذا الملف. المرض النفسي ليس مرادفًا تلقائيًا لفقدان المسؤولية الجنائية. فقد يعاني الشخص من الاكتئاب أو القلق أو بعض اضطرابات الشخصية، ومع ذلك يظل مدركًا لطبيعة أفعاله وقادرًا على الاختيار.

وفي المقابل، قد توجد حالات عقلية شديدة تؤثر بصورة جوهرية في إدراك الواقع أو القدرة على التحكم والاختيار، وهو ما قد تكون له آثار قانونية تختلف بحسب التشريع. لذلك، لا يمكن القول إن تشخيصًا نفسيًا بعينه يؤدي تلقائيًا إلى إعفاء المتهم من العقوبة؛ فالفيصل هو الحالة الفعلية وقت ارتكاب الجريمة وتأثيرها على الإدراك والاختيار، وفقًا للمعيار القانوني المعمول به. التخطيط للجريمة..

هل يحسم مسألة الإدراك؟ قد تنظر الجهات الطبية والقضائية إلى سلوك المتهم قبل الجريمة وأثناءها وبعدها، مثل التخطيط أو إخفاء الأدلة أو الهروب، باعتبارها عناصر يمكن أن تساعد في تقييم حالته.

لكن هذه التصرفات لا تُعد وحدها دليلًا قاطعًا على سلامة الحالة العقلية، كما لا تكفي بمفردها لإثبات انتفاء المرض؛ إذ إن تقييم المسؤولية الجنائية يعتمد على مجموع الأدلة والتقييم الطبي والقانوني.

التقرير الطبي ليس حكمًا قضائيًا وفي النهاية، يظل التقرير النفسي الشرعي عنصرًا فنيًا ضمن أدلة الدعوى، بينما تحدد المحكمة الأثر القانوني للحالة العقلية وفقًا للقانون والأدلة المطروحة أمامها.

ومن هنا، فإن عرض المتهم على الطب النفسي لا يمثل «تأشيرة هروب» من العقوبة، كما أن وجود اضطراب نفسي لا يعني تلقائيًا ثبوت المسؤولية أو انتفائها.

إنها منطقة دقيقة تقف فيها العدالة بين احتمالين: ألا يُحمّل شخص مسؤولية جنائية في حالة انتفى فيها إدراكه أو اختياره وفقًا للقانون، وفي الوقت نفسه ألا تتحول الادعاءات غير المثبتة إلى وسيلة للتأثير في مسار المحاكمة.