رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


النظام الدولي والثقة الغائبة

27-9-2026 | 14:26


عمرو سهل,

اعتدنا كل عام أن نستمع إلى كلمة مصر أمام الجمعية العامة، باعتبارها محطة نرصد فيها كيف تدار أولوياتنا الخارجية في لحظة بعينها، لكن خطاب هذا العام يستحق وقفة أطول من مجرد الرصد، لأنه لم يصغ كبيان مواقف متتالية بل كرؤية متكاملة، تحاول أن تمسك بخيط واحد يربط بين كل الملفات من فلسطين إلى سد النهضة ومن السودان إلى الذكاء الاصطناعي.

والخيط هنا هو مفهوم "استعادة الثقة"، في نظام دولي بات من منظورنا يعيش على شرعية شكلية أكثر منها فعلية، فالفكرة المركزية التي يقوم عليها الخطاب بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة الأثر.

فالأزمة ليست في نقص القواعد والمواثيق بل في اتساع المسافة بين ما يعلن وما يطبق، وبين من يقرر ومن يدفع الثمن، وهذا تشخيص نعرفه جيدا، فنحن من الدول التي عانت طويلا من كون القانون الدولي يطبق بمعايير مزدوجة بحسب موقع الدولة لا بحسب صحة موقفها.

لذلك جاءت الركائز الثلاث التي طرحتها مصر، وهي العدالة في التمثيل، والعدالة في تطبيق القانون، والعدالة في توزيع فرص التنمية كصياغة تلخص تراكما طويلا من الخطاب المصري في المحافل الدولية وليست ابتكارا لحظيا.

وما يلفت النظر أن هذا الإطار الثلاثي استخدم كأداة ربط بين ملفات قد تبدو منفصلة لغير المتابع، فحين نتحدث عن فلسطين وعن سد النهضة وعن إصلاح مجلس الأمن في خطاب واحد فنحن في الحقيقة نقول شيئا واحدا بصيغ مختلفة، أن العالم يدار بموازين قوى لا بموازين حق وأن مصر بثقلها التاريخي وموقعها الجغرافي ترفض أن تختزل قضاياها في ملفات ثنائية معزولة عن السياق الدولي الأشمل.

وفي الملف الفلسطيني يتضح أن الخطاب اختار مسارا واقعيا دون التنازل عن الثوابت، فربط تثبيت وقف إطلاق النار بخطة سياسية قائمة فعليا وبقمة إقليمية بعينها ليس تفصيلا عابرا، بل إشارة إلى أن مصر تتعامل مع اللحظة كما هي لا كما نتمناها مع تمسكها في الوقت نفسه بحل الدولتين وبرفض قاطع لأي محاولة تهجير.

وهذا هو نمط الدبلوماسية المصرية التقليدي واقعية في الأداة وصلابة في الثوابت، أما حين ينتقل الخطاب إلى الإقليم فإن مفهوم "الدولة الوطنية الجامعة" يظهر كعمود فقري لتحليلنا لأزمات المنطقة من السودان إلى ليبيا وسوريا ضمنا.

وهذا ليس موقفا نظريا بل خلاصة تجربة مصرية مريرة مع فوضى ما بعد "الربيع العربي" حين رأينا كيف أن إضعاف الدولة الوطنية لصالح ميليشيات أو كيانات موازية لا يصنع استقرارا بل يؤجل الانفجار، وربما كانت اللحظة الأكثر حسما في الخطاب هي تلك المتعلقة بالأمن المائي.

فالانتقال من لغة التوازنات الدبلوماسية المعتادة إلى وصف الملف بأنه "قضية وجودية لا تحتمل المساومة" ليس مجرد تصعيد لفظي بل رسالة مقصودة بأن الصبر المصري له سقف وأن التمسك بالتعاون لا يعني التخلي عن الحق المكفول بالقانون الدولي.

ويبقى أن نشير هنا إلى أن إدراج ملفي الذكاء الاصطناعي وإصلاح التمويل الدولي في صلب الخطاب، يعكس وعيا بأن معركة العدالة القادمة لن تخاض فقط حول الأرض والموارد التقليدية بل حول من يملك التكنولوجيا ومن يستبعد منها.

وهذا امتداد منطقي لرؤية مصرية تحاول أن تتموضع كصوت من الجنوب العالمي لا كمتلق لقراراته فحسب وفي المحصلة هذا خطاب يحاول أن يقول مصر لا تطلب فقط إصلاح النظام بل تقدم نفسها كنموذج لدولة تمارس هذا الإصلاح من موقعها الإقليمي والأفريقي والمتوسطي.