سجلت السندات الحكومية الأمريكية أسوأ مستوياتها الشهرية منذ أربع سنوات بعدما حذر مستثمرون من سقوط أهم سوق دين على مستوى العالم في "حلقة مفرغة" من عمليات بيع محمومة، فيما وصف محللون المشهد بأنه "لا أحد يرغب في الوقوف أمام قطار هائج لا يمكن إيقافه".
وذكرت صحيفة "فاينانشيال تايمز" أن سندات الخزانة لأجل عشر سنوات قفزت عوائدها بنسبة تجاوزت نصف نقطة مئوية في سبتمبر لتسجل 5.3 في المائة، لتصبح بذلك الأعلى منذ ما يقرب من 20 عاماً، كما أنه يلامس أسوأ مستويات عرفها السوق منذ 24 عاماً، مشيرة إلى أن هذا التحرك الذي طرأ على تلك السندات، التي تبلغ إجماليها 32 تريليون دولار وتمثل ركناً جوهرياً في أسواق التمويل العالمية، تعد تحركاً غير مألوف.
ولفتت إلى أن عمليات البيع المكثفة، المدفوعة بالمخاوف بشأن الدين العام الأمريكي وصعود معدلات التضخم، أثارت موجات بيع نفذتها صناديق الاستثمار، حسب تأكيدات مستثمرين بارزين ومتداولين كبار، الذي أكدوا أن "حلقة التغذية العكسية" أحكمت سيطرتها خلال هذا الأسبوع؛ إذ ارتفعت عوائد السندات إلى مستويات أجبرت صناديق معينة على بيع سندات الخزانة، والدخول في نوبات جديدة من عمليات بيع السندات، ما دفع تكاليف الاقتراض للصعود إلى مستويات قياسية.
ورأت مديرة المحافظ في "جي بي مورجان" لإدارة الأصول، بريا ميسرا، ما يحدث في السوق على أنها "حلقة مفرغة، تجعل المرء يتساءل كيف يمكن كسرها".. وأضافت قائلة: "قد يستمر هذا الوضع لفترة، فلا أحد يرغب في الوقوف أمام قطار هائج لا يمكن إيقافه".
وأفادت "فاينانشيال تايمز" بأن التقرير الصادر أمس الأربعاء، الذي أظهر استقرار معدل التضخم في نفقات الاستهلاك الشخصي، المقياس المفضل للأسعار لدى الاحتياطي الفيدرالي، عند 3.4 في المائة في أغسطس، خلافاً للتوقعات التي أشارت إلى ارتفاعه إلى 3.7 في المائة، لم يفلح في تهدئة مخاوف المستثمرين.
كما فشل قرار وزير الخزانة، سكوت بيسنت، في أغسطس بتوسيع نطاق مشتريات وزارته من سندات الخزانة في وقف موجة البيع.
وتشهد تكاليف الاقتراض الأمريكية ارتفاعاً منذ اندلاع الحرب الإيرانية في فبراير، حيث أدى الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة إلى تفاقم التضخم؛ وهو أمر يضر بشدة بالسندات التي توفر تدفقات ثابتة من مدفوعات الفائدة على مدى سنوات.
كما ساهمت عمليات الاقتراض المكثفة من قبل شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، وتوقعات النمو الاقتصادي الأمريكي القوي، وتجاوز الدين العام الأمريكي حاجز الـ 40 تريليون دولار، في دفع العوائد نحو الارتفاع، لكن العوامل الفنية تلعب الآن دوراً مهماً أيضاً.
ويقول رئيس التداولات العالمية في شركة "أوليانس بيرنشتاين"، ماثيو سكوت، إن صناديق التحوط وصناديق الاستثمار العقاري، التي تمتلك محافظ ضخمة من الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، كانت من بين كبار البائعين المضطرين لسندات الخزانة طويلة الأجل هذا الأسبوع.
وأوضح سكوت أنه مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، يصبح الأمريكيون أكثر تردداً في السداد المبكر لقروضهم العقارية. وبالنسبة للمستثمرين الذين يحوزون أوراقاً مالية مدعومة بالرهن العقاري، فإن هذا الأمر يمدد الفترة الزمنية اللازمة لسداد تلك القروض، مما يضطرهم للتخلص من أدوات دين أخرى طويلة الأجل، مثل سندات الخزانة، للتعويض عن هذا التغير.
ولفت المحلل في بنك "باركليز"، أمروت ناشيكار، إلى أن ديناميكية مماثلة تحدث في قطاعات أخرى من السوق، مثل عمليات إعادة توازن المحافظ التي تقوم بها الصناديق المعتمدة على الرافعة المالية، التي تمتلك مراكز ضخمة في سوق العقود الآجلة لسندات الخزانة.
وأيد رئيس تداول عقود المقايضة في أمريكا الشمالية لدى "سيتي" بنك، دانيال جوتلاندر، هذا الرأي، قائلاً: "عندما تحدث عمليات البيع المكثف هذه، فإنك تحتاج إلى خفض المخاطر في أجزاء أخرى من المحفظة. ولهذا السبب يحدث كل ذلك في وقت واحد؛ إذ يوجد الكثير من تأثيرات الامتداد والعدوى بين الأسواق".
ورغم أن هذه التأثيرات تعد أمراً معتاداً في حالات البيع المكثف، فإنه عادة ما يوجد مستثمرون مستعدون للتدخل وشراء السندات بأسعار منخفضة، ما يساعد على استقرار السوق، بيد أن هذا الأمر لا يحدث حالياً، حسبما أكد جوتلاندر، الذي أشار إلى أن "المشتري الهامشي لم يظهر بعد"