رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


الأمم المتحدة: مخاوف وتساؤلات دولية بشأن الضوابط المنظمة للذكاء الاصطناعي

4-10-2026 | 10:48


الأمم المتحدة

أكدت الأمم المتحدة خلال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة، أن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا التي تقف وراءه يتحرك بوتيرة متسارعة وأصبح موضوع الساعة، بوصفه قضية وحدت الدول من جهة، وأثارت التساؤلات والانقسامات بينها من جهة أخرى، بشأن من يحصل على مقعد في طاولة القرارات حول كيفية استخدام هذه التكنولوجيا.

وبحسب مركز إعلام الأمم المتحدة، فإنه على الرغم من اتفاق الدول إلى حد كبير على أن للذكاء الاصطناعي فوائد ومكاسب كبيرة، فإنها تختلف بشأن المخاطر، ومن يضع القواعد المنظمة له، وكيف يمكن الحيلولة دون تخلف بلدان بأكملها عن الركب. وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش": "فالذكاء الاصطناعي بالفعل عامل مغير لقواعد اللعبة، ويحمل إمكانات هائلة للنهوض بالطب، وتسريع الاكتشافات العلمية، وتوسيع نطاق الفرص، وتحسين حياة الناس".

وبدت الدول مركزة على إيجاد التوازن المناسب: كيف يمكن دفع الجوانب الإيجابية لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلى الأمام، من دون فتح الباب أمام الجوانب السلبية، وقد عبر رئيس الجمعية العامة، خليل الرحمن عن الأمر بوضوح قائلا: "يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون محفزا قويا لتقدم البشرية؛ ولذلك يجب ألا نغلق الباب أمام الابتكار". لكنه أشار أيضا إلى الأضرار المحتملة، ومنها فقدان الوظائف واتساع الفجوات الرقمية، داعيا في الوقت نفسه إلى وضع ضوابط تستند إلى العلم لا إلى الخوف.

وظهر التباين واضحا بين الدول بشأن المخاطر والأضرار، فحذرت من أن التنظيم ينبغي أن يبني الثقة من دون خنق الفوائد التي يمكن أن يحققها الذكاء الاصطناعي. وركزت اليابان على التعاون في مجال سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. أما السعودية، فركزت على الأخلاقيات والاستخدام المسؤول. وأيدت سنغافورة إجراء الاختبارات وبناء الثقة والإبلاغ عن الحوادث عبر الحدود، مع التنبيه إلى المخاطر الناجمة عن الأنظمة التي تزداد استقلالية بمرور الوقت.

وصاغ "جوتيريش" التحدي بصورة حادة قائلا: "الخطر ليس في التكنولوجيا. بل الخطر يكمن في التكنولوجيا من دون مساءلة: القدرة من دون رقابة، واتخاذ القرارات من دون شفافية".

وأصبح التساؤل المطروح هو : ماذا يعني الذكاء الاصطناعي للحياة اليومية؟ أشارت المملكة المتحدة بإيجابية عن تسريع تشخيص السرطان، وتجديد النشاط الاقتصادي، وتحسين الخدمات العامة. وذهبت الهند إلى أبعد من ذلك، ووصفت الذكاء الاصطناعي بأنه أداة تنموية رائدة، قائلة: "ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره محركا تحويليا لتمكين الإنسان، والازدهار الاقتصادي، وحل المشكلات على نطاق سكاني واسع". تعكس هذه المخاوف نقاشا أوسع بشأن ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تقليص أوجه عدم المساواة أم إلى تعميقها.

وثم تساؤل أخر من يضع القواعد المنظمة للذكاء الإصطناعي، وهل ستكتفي الدول باستخدام الذكاء الاصطناعي، أم ستشارك في تشكيل مستقبله؟ ، فقد كانت جنوب إفريقيا مباشرة في موقفها: تحتاج إفريقيا إلى أن يكون لها دور في صياغة هذه القواعد، وربطت ذلك بالبحث العلمي والشباب والتحول الاقتصادي. ووافقت سويسرا على أن المشاركة الحقيقية تعني المساهمة في تشكيل الحوكمة، وليس مجرد الحصول على إمكانية الوصول.

ودفعت الهند باتجاه مبدأ السيادة، قائلة: "نؤمن بحق كل دولة في تشكيل منظومتها الخاصة، من خلال تطوير نماذجها واستراتيجياتها الخاصة للنشر، بما يتسق مع أهدافها وأولوياتها الوطنية". وفي الوقت نفسه، ركزت الصين على ضمان تقاسم التقدم التكنولوجي على نطاق واسع، بدلا من تركزه في عدد محدود من الدول أو المجتمعات.

وذهبت سنغافورة إلى أبعد من ذلك، إذ طرحت فكرة وضع اتفاقية إطارية أممية مستقبلية وإنشاء مؤسسة دولية مخصصة للذكاء الاصطناعي، بحيث يكون الجميع، وليس فقط الدول الرائدة، حاضرين إلى طاولة النقاش.

وقد بدأت الأمم المتحدة بالفعل في جمع الدول لمناقشة القضايا التي يثيرها الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك إنشاء الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي، وعقد الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي. وأشارت البرازيل إلى النفوذ الكبير الذي تتمتع به شركات التكنولوجيا العملاقة. وأثارت فرنسا مخاطر الاعتماد على دول مهيمنة أو على حفنة من الشركات الخاصة.

ووفقا للأمم المتحدة، تريد الدول النامية أداء دور أكبر في التنمية الرقمية، داعية إلى إتاحة قدر أكبر من القدرة الحوسبية، والخبرات التقنية، والبنية التحتية، وإلى منحها صوتا مؤثرا في وضع المعايير. وربطت الصين ذلك بالفجوة الرقمية، وجنوب إفريقيا بالمشاركة في البحث العلمي والحوكمة، والسعودية بمؤسسات بناء القدرات، فيما ركزت سويسرا على دعم المهارات والبنية التحتية. والخلاصة هنا هي أن مستقبل الذكاء الاصطناعي قد يتعلق بإمكانية الوصول إليه بقدر ما يتعلق بتنظيمه.

وبحسب تقرير الأمم المتحدة، برزت المخاوف الأمنية في العديد من كلمات الدول خلال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة. أشارت فرنسا إلى المخاطر المتعلقة بالدفاع والأمن السيبراني والفضاء. وأشارت اليابان إلى سلامة المعلومات وإلى الأنظمة المتقدمة التي تزداد قوة. ودعت تركيا إلى وضع إطار قانوني دولي. وحذرت أوكرانيا من أنه كلما ازدادت قدرات هذه التكنولوجيا، ازدادت إلحاحا الحاجة إلى البحث عن السلام. وانضمت سنغافورة إلى المخاوف بشأن الأسلحة ذاتية التشغيل وفقدان السيطرة البشرية.

وقد طرحت الأمم المتحدة فكرة إلى مدى ينبغي أن تمتد الرقابة العالمية على الذكاء الاصطناعي، ففي حين تؤيد دول كثيرة فكرة التعاون، لا يزال التوصل إلى أرضية مشتركة بشأن مدى هذا التعاون أمرا إشكاليا.

فقد أيدت روسيا وضع قواعد تتمحور حول الأمم المتحدة وتحظى بقبول عالمي. ودعت تركيا إلى العمل على إعداد اتفاقية أممية بشأن الذكاء الاصطناعي. وطالبت المملكة المتحدة بمبادئ ومعايير عالمية، وقالت إن الذكاء الاصطناعي سيكون قضية رئيسية عندما تتولى رئاسة مجموعة العشرين.

وذهب الأمين العام للأمم المتحدة إلى أبعد من ذلك، إذ طرح مقترحات ملموسة تشمل تعزيز الضوابط الوقائية، والرقابة المستقلة، وإنشاء هيكل جديد لإدارة المخاطر، قائلا أمام الجمعية العامة: "لكن لأن هذا الأمر يؤثر فينا جميعا، فإن التنسيق العالمي أمر لا غنى عنه".

غير أن الحكومات ذات السيادة ليست جميعها مقتنعة بأن تشديد الضوابط هو الحل. وقدمت الولايات المتحدة الموقف الأكثر وضوحا في الاتجاه المقابل، إذ تعاملت مع التفوق في مجال الذكاء الاصطناعي باعتباره ضرورة استراتيجية واقتصادية.