أدب المعركة أو الحرب: جنس أدبي يستدعي تجارب عن النزاعات المسلحة والحروب كمصدر إلهام أدبي, يتناول ظاهرة الحرب وتأثيراتها الإنسانية والنفسية والاجتماعية على الأفراد والمجتمعات, لا يقتصر هذا النوع الأدبي على وصف المعارك العسكرية والعمليات القتالية فقط, بل يغوص في التبعات الأخلاقية والوجودية للحروب, معبرًا عن مشاعر الخوف, والفقد, والتضحية, والبطولة, والدمار.
إن العلاقة بين الأدب والحرب علاقة تاريخية وطيدة، بدءًا من المعارك المدونة على جدران المعابد والبرديات، والملاحم اليونانية القديمة مثل الإلياذة، إلى حروب العصر الحديث، وما حدث فيها من تحول جذري تمثل في التعبير عن كارثيتها، المناقضة لطبيعة النفس البشرية السوية، المحبة للحياة، وطرح الأسئلة الوجودية حول جدواها، وتصوير مشاعر المقاتل وخوفه واضطرابه ولحظات انكساره، وتحولاته الوجدانية المختلطة بين الحزن والفرح.
هنا تبرز حرب أكتوبر 1973 ليس كحدث عسكري صرف، بل كنقطة فاصلة في تاريخ السرد العربي والمصري، أعادت رسم ملامح الرواية العربية، وموضوعاتها وبنيتها الفنية. لقد مثلت قفزة بين ما قبل وما بعد، إذ خيمت هزيمة يونيو 1967 بمرارتها على الأجواء، وساد الرواية طابع من الانكسار واليأس، بدا واضحًا كمثالين في روايتي نجيب محفوظ "ميرامار" و"الكرنك". أما بعد 1973، تحول الخطاب السردي إلى العكس، وحلت مشاعر الأمل واستعادة الكرامة محل القهر والهزيمة، وانتقلت الرواية من التباكي إلى الفعل والتغيير والفخر والبطولة، وابتعد الروائيون عن سرد البطولات الزائفة، وقدموا الجنود على اختلاف هوياتهم: فلاحون وعمال وموظفون، كأبطال حقيقيين يخوضون غمار المعركة.
ومن أهم هذه التحولات كانت مشاركة أدباء وكتاب حقيقيين كجنود فوق أرض المعركة، مما أضفى واقعية شديدة على كتاباتهم، وفي قلب هذا التحول برزت أسماء أدبية لم تكتب عن المعركة من برج عاجي، بل عاشوا تفاصيلها وعاصروا أهوالها، امتزجت أجسادهم ودماؤهم بتراب الجبهة، ورائحة البارود، ودوي المدافع والرصاص، يأتي في مقدمتهم جمال الغيطاني وفؤاد حجازي، اللذان نقلا نبض الميدان من قلب المعركة إلى أحضان الأدب.
اختلفت زاوية الرؤية الأدبية للحرب بين جمال الغيطاني وفؤاد حجازي نتيجة اختلاف موقع كل منهما في خط المواجهة. خاض جمال الغيطاني نضاله الأدبي مراسلًا حربيًا على جبهة القتال، وشاهدًا ينظر إلى المشهد كاملًا، يلتقط أدق التفاصيل الإنسانية وسط صخب القذائف، ولم يكتفِ برصد التحركات العسكرية وتكتيكات القتال، بل غاص في نفوس الجنود المرابطين على خطوط القتال، بينما عاشها حجازي على الضفة الأخرى من المعركة، ليس مجرد شاهدٍ عليها، بل كجندي مقاتل، يختبر التجربة من نقطة الاشتباك المباشرة، وأسيرًا في يد قوات العدو خلال حرب يونيو 1967، وهذه التجربة القاسية والمريرة منحت أدبه زاوية استثنائية وفريدة.
لعب جمال الغيطاني (1945 – 2015) دورًا استثنائيًا في حرب أكتوبر وما سبقها من سنوات الاستنزاف، إذ لم يكن مجرد صحفي ينقل الأخبار من المكاتب المغلقة، بل كان أول مراسل حربي يتطوع للذهاب إلى خطوط القتال الأمامية على جبهة القناة لمجلة "الرئيس"، ثم جريدة "الأخبار". عايش الغيطاني حياة الجنود وضباط الصف في الملاجئ والخنادق، تقاسم معهم طعامهم وتحركاتهم ولحظات ترقبهم للشهادة، ما منح تجربته مصداقية ودفئًا إنسانيًا. لم يُكتب أدبه عن الحرب بمداد الخيال، بل بوعيٍ معجون بتراب سيناء ورائحة البارود. استطاع أن يمزج بين الحس الصحفي التوثيقي والرؤية الأدبية الصوفية والحرص على الهوية والتاريخ المصري، لم ينقل الأحداث بأسلوب تقريري جاف، بل صاغها بلغة فنية، مستوحاة من التراث والمؤرخين القدامى (مثل ابن إياس)، ليسبغ على التحول النفسي للجنود بُعدًا ملحميًا وتاريخيًا ممتدًا. شكلت تجربة معايشة الجبهة كمراسل حربي نقطة الشفاء النفسي والتأصيل الفكري للغيطاني، ألهمته خطوط النار رؤية الحرب كاستمرار لنضال الشخصية المصرية عبر التاريخ. تجلى هذا في أعماله مثل "الرفاعي" و"أرض أرض" و"حكايات الغريب"، حوّل تجربة الجبهة إلى لغة فريدة تراثية النكهة، معاصرة الطرح، لقد صاغ البطولات اليومية للجنود البسطاء بلغة الملاحم والكتب التراثية القديمة، معبرًا عن لحظات الخوف والصمود في صورة تجليات إنسانية خالدة.
أما فؤاد حجازي (1938-2019)، فيعد أحد أبرز الأصوات الاستثنائية في أدب الحرب العربي، مثلت تجربته توثيقًا لأحداث حرب أكتوبر 1973، ما قبلها وما تلاها. لم يكتب عن المعركة من منظور المشاهد الخارجي أو المحلل السياسي، بل كتبها بدمه وتجربته الحية كجندي شارك في القتال على الجبهة، وأسيرًا في قبضة القوات الإسرائيلية. لم يكتب عن الحرب برؤية منعزلة عن الواقع، بل قدمها كمسار متصل يبدأ من صمود الهزيمة والأسر وينتهي بانتصار العبور. ابتعد عن السرد المكتبي أو التمجيد الدعائي، كتب بروح الجندي المقاتل الذي عاش المعاناة واللحظات الفارقة على الجبهة وفي معتقلات العدو، ركز على أبعاد الخوف، والصمود، والاشتياق للوطن، والعقيدة القتالية للمقاتل المصري البسيط بصوت هادئ دون شعارات رنانة. لقد عني بتقريب أدب الحرب وأحداث المعارك إلى عامة الشعب، ونشر الوعي الثقافي والتاريخي بتضحيات الجنود بعيدًا عن المؤسسات الرسمية التقليدية.
الرفاعي
استلهم الغيطاني من حرب أكتوبر التقنيات التراثية والرواية الملحمية، حيث ألهمته التركيز على الجنود البسطاء والقادة الميدانيين، رأى أن المعركة قد أزاحت الستار عن الجوهر الحقيقي للإنسان المصري بعيدًا عن شعارات الإعلام الرسمي، ورسخ لشجاعة الشهداء والضباط (مثل إبراهيم الرفاعي)، فكتب نصوصًا تمزج بين السير الشعبية والمستندات والوثائق الحربية بلغة صوفية، كما تجلى في رواياته "الرفاعي" و"حكايات الغريب"، و"أرض.. أرض".
وثقت رواية "الرفاعي" سيرة وشجاعة أحد أبرز أبطال القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر 1973: الشهيد العميد أركان حرب إبراهيم الرفاعي، قائد المجموعات الخاصة 39 قتال. جمعت الرواية بين البعد التوثيقي التاريخي والأسلوب الأدبي الجمالي، تناول الغيطاني شخصية الرفاعي كرمز للبطولة والجسارة والتضحية في سبيل الوطن، سلطت الرواية الضوء على العمليات الجريئة والخاطفة التي نفذها رجال المجموعة 39 قتال خلف خطوط العدو خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، وقدمت شخصية الرفاعي كقائد وأب، يجمع بين الصرامة العسكرية والإنسانية في أرقى صورها. اعتمد في تقنيتها على شهادات حية ووقائع حقيقية، تجسيد روح الصمود المصري عقب نكسة 1967 وحتى نصر أكتوبر، استخدام الغيطاني لغة سردية مميزة، تمزج بين النفس التراثي والواقعية التوثيقية.
تناولت رواية "حكايات الغريب" صمود الشعب المصري والمقاومة الشعبية والقوات المسلحة في الفترة ما بين حرب النكسة 1967 وحرب أكتوبر 1973 في مدينة السويس الباسلة. لقد استغل الغيطاني الاختفاء الميداني للعميد الشاذلي (عبد الرحمن) ليعبر عن اغتراب الفرد ومقدار التهميش له قبل الحرب، وكيف تحول بفعل الممارسة الميدانية والمقاومة إلى "رمز عابر للزمن". تدور الأحداث حول البحث عن شخصية شاب يُدعى "عبد الرحمن"، انطوائي وعادي في حياته اليومية قبل الحرب، لكنه تغير تمامًا وتحول إلى بطل ومقاتل يذود عن بلده أثناء محاصرة السويس، ثم اختفت أخباره، ليصبح رمزًا لكل المواطنين والأبطال المجهولين الذين قدموا أروع التضحيات دون انتظار شهرة أو تكريم. إن النصر هنا ليس مجرد عبور جغرافي، بل هو استرداد للذات والكرامة، وكيفية التحول الوجداني لدى المواطن المصري البسيط من حالة اليأس والرمزية التي تلت عام 1967 إلى ملحمة الصمود والبطولة في حرب 1973. تميز أسلوب الرواية السردي بالمزج بين الحس الصحفي التوثيقي، وبين الحس المستمد من التراث العربي الأدبي والصوفي، مقدمًا شهادات حية ومقاطع إنسانية تنبض بالواقع.
أما رواية "أرض.. أرض"، فتعكس جانبًا هامًا من تجربة الغيطاني الأدبية والفكرية، استمد عنوانها من المصطلح العسكري الشهير (أرض - أرض)، وهو نوع من الصواريخ أو المقذوفات، يحمل العنوان دلالة رمزية تعبر عن الالتصاق بالواقع، والصراع على الأرض، والمواجهة المباشرة مع التحولات الاجتماعية والسياسية. مزج فيها بين تقنيات السرد الحديث، واستدعاء التراث التاريخي والمعماري لمصر، حيث ركز على التفاصيل المكانية التي تجعل من المكان بطلًا رئيسًا، رصدت أحداثها التغيرات الجذرية التي طرأت على المجتمع المصري عبر فترات زمنية متعاقبة، مع الحفاظ على الذاكرة المكانية والروحية في مواجهة التهميش أو التغيير القسري، وجسدت الصراع الإنساني ومعاناة شخصياتها في بحثها عن الاستقرار والانتماء وسط أزمات الواقع.
على الجانب الآخر، اتسمت لغة فؤاد حجازي بالصدق والبساطة، بعيدًا عن الشعارات المبالغ فيها، صوّر لحظات الخوف، والشوق للأهل، والوفاء للرفاق الذين سقطوا شهداء، ما منح البطولات العسكرية عمقًا إنسانيًا ملموسًا.
نقل حجازي أدب الحرب في رواياته: من مجرد تمجيد النصر أو رثاء الهزيمة إلى المنطقة الأعمق: أدب السجن والأسر والإرادة الصامدة. استطاع بتلقائية وصدق جارح أن يصور معاناة الأسير المصري، ليس فقط على المستوى الجسدي، بل النفسي والفكري، وكيف يصبح الصمود والكرامة والتماسك الإنساني هما السلاح الأخير ضد المحو والانكسار.
تعد روايته "الأسرى يقيمون المتاريس" (1976) واحدة من أشهر وأهم أعماله عن أدب الحرب، تدور أحداثها داخل معتقل "عتليت" الإسرائيلي عقب نكسة 1967، توثق المعاناة الجسدية والنفسية داخل المعتقل، وترصد الصمود الإنساني، والتضامن بين الأسرى، وكيف استطاعوا تنظيم أنفسهم وتحويل المعتقل إلى جبهة مقاومة، وكذا تؤرخ الرواية للروح النضالية والإرادة. لقد كانت بمثابة التمهيد النفسي والعقائدي لمعركة العبور ونصر أكتوبر المجيد.
وتستند روايته "الرقص على طبول مصرية" إلى التجربة الإنسانية والاجتماعية المؤلمة للمجتمع المصري في مرحلة ما بعد حرب 1967 (النكسة) وما تلاها من تغيرات سياسية واقتصادية ونفسية حادة خلال فترة السبعينيات، سقوط الأحلام الكبرى، وحالة الانكسار الصادمة التي عاشها البسطاء والمثقفون على حد سواء، وكيف أدى الانهيار الأيديولوجي والسياسي إلى فقدان البوصلة والشعور بالتهميش. تناقش الرواية أحداث حرب أكتوبر من خلال سرد تجربة جندي الشرطة العسكرية، الذي كان ينظم المرور المتجه من الضفة الغربية لقناة السويس إلى الضفة الشرقية دون تأثير الحرب عليه، وتتضمن هذه الرواية 47 فصلًا، ترصد أحداث ووقائع حرب أكتوبر وعمليات العبور بطريقة الملحمة السياسية والاجتماعية والعسكرية، تتناول حكايات الجنود، تفاصيل حياتهم اليومية للقتال، وروحهم المعنوية، وتصف ملحمة العبور، اعتمدت في تقسيمها البنائي على مشاهد بانورامية وشهادات متداخلة، تمزج بين الرصد الدقيق للوقائع بلسان مقاتل خاض تجارب القتال والأسر سابقًا، وبين السرد الأدبي والإنساني للجنود والضباط والمجتمع المصري خلال تلك الفترة.
وتُقدم رواية "المحاصرون" لفؤاد حجازي صورة استثنائية وغير تقليدية لحرب أكتوبر 1973، إذ تبتعد عن سرد الانتصارات العسكرية المباشرة لتغوص في أدب الصمود والمقاومة تحت ضغط الحصار والأسر.
إذ تعرض لصمود السويس وأحداث الثغرة، وتؤرخ لتجربة الحصار الدرامية التي شهدتها المدينة، وما حولها عقب أحداث "الثغرة"، مستعرضة الملحمة الشعبية والعسكرية، والتلاحم بين الجنود والأهالي لمواجهة التطويق وإصرارهم على عدم الاستسلام، وتنفرد بتوثيق البعد المأساوي والإنساني للجنود الذين وقعوا في الأسر داخل معتقلات الاحتلال عقب العبور، حيث تجعل من المعتقل مسرحًا جديدًا للمواجهة والثبات النفسي، معتبرة أن تجربة الأسر لم تكن طريقًا للانكسار، بل دافعًا لاسترداد الكرامة والتحدي. تعكس الرواية روح الجماعة الوطنية، وتتلاشى الفوارق بين الضابط والجندي، وبين ابن المدينة وابن القرية، ليشترك الجميع في هم واحد هو الحفاظ على العرض والأرض.
أخيرًا، يبقى جمال الغيطاني وفؤاد حجازي علمين من أعلام أدب الحرب المصري الحديث، حفرا اسميهما في الذاكرة الوطنية والأدب المصري. لقد أثبتا بما لا يدع مجالًا للشك أن الأدب الحقيقي هو الذي يولد من رحم التجربة المباشرة والمعاناة، وأن الكلمة عندما تُكتب على وقع نيران المعركة ودوي المدافع والرصاص، تكتسب خلودًا عصيًا على الزوال.الغيطاني وحجازي من قلب المعركة إلى أحضان الأدب حاتم رضوان
كاتب وروائى أدب المعركة أو الحرب: جنس أدبي يستدعي تجارب عن النزاعات المسلحة والحروب كمصدر إلهام أدبي, يتناول ظاهرة الحرب وتأثيراتها الإنسانية والنفسية والاجتماعية على الأفراد والمجتمعات, لا يقتصر هذا النوع الأدبي على وصف المعارك العسكرية والعمليات القتالية فقط, بل يغوص في التبعات الأخلاقية والوجودية للحروب, معبرًا عن مشاعر الخوف, والفقد, والتضحية, والبطولة, والدمار.
إن العلاقة بين الأدب والحرب علاقة تاريخية وطيدة، بدءًا من المعارك المدونة على جدران المعابد والبرديات، والملاحم اليونانية القديمة مثل الإلياذة، إلى حروب العصر الحديث، وما حدث فيها من تحول جذري تمثل في التعبير عن كارثيتها، المناقضة لطبيعة النفس البشرية السوية، المحبة للحياة، وطرح الأسئلة الوجودية حول جدواها، وتصوير مشاعر المقاتل وخوفه واضطرابه ولحظات انكساره، وتحولاته الوجدانية المختلطة بين الحزن والفرح.
هنا تبرز حرب أكتوبر 1973 ليس كحدث عسكري صرف، بل كنقطة فاصلة في تاريخ السرد العربي والمصري، أعادت رسم ملامح الرواية العربية، وموضوعاتها وبنيتها الفنية. لقد مثلت قفزة بين ما قبل وما بعد، إذ خيمت هزيمة يونيو 1967 بمرارتها على الأجواء، وساد الرواية طابع من الانكسار واليأس، بدا واضحًا كمثالين في روايتي نجيب محفوظ "ميرامار" و"الكرنك". أما بعد 1973، تحول الخطاب السردي إلى العكس، وحلت مشاعر الأمل واستعادة الكرامة محل القهر والهزيمة، وانتقلت الرواية من التباكي إلى الفعل والتغيير والفخر والبطولة، وابتعد الروائيون عن سرد البطولات الزائفة، وقدموا الجنود على اختلاف هوياتهم: فلاحون وعمال وموظفون، كأبطال حقيقيين يخوضون غمار المعركة.
ومن أهم هذه التحولات كانت مشاركة أدباء وكتاب حقيقيين كجنود فوق أرض المعركة، مما أضفى واقعية شديدة على كتاباتهم، وفي قلب هذا التحول برزت أسماء أدبية لم تكتب عن المعركة من برج عاجي، بل عاشوا تفاصيلها وعاصروا أهوالها، امتزجت أجسادهم ودماؤهم بتراب الجبهة، ورائحة البارود، ودوي المدافع والرصاص، يأتي في مقدمتهم جمال الغيطاني وفؤاد حجازي، اللذان نقلا نبض الميدان من قلب المعركة إلى أحضان الأدب.
اختلفت زاوية الرؤية الأدبية للحرب بين جمال الغيطاني وفؤاد حجازي نتيجة اختلاف موقع كل منهما في خط المواجهة. خاض جمال الغيطاني نضاله الأدبي مراسلًا حربيًا على جبهة القتال، وشاهدًا ينظر إلى المشهد كاملًا، يلتقط أدق التفاصيل الإنسانية وسط صخب القذائف، ولم يكتفِ برصد التحركات العسكرية وتكتيكات القتال، بل غاص في نفوس الجنود المرابطين على خطوط القتال، بينما عاشها حجازي على الضفة الأخرى من المعركة، ليس مجرد شاهدٍ عليها، بل كجندي مقاتل، يختبر التجربة من نقطة الاشتباك المباشرة، وأسيرًا في يد قوات العدو خلال حرب يونيو 1967، وهذه التجربة القاسية والمريرة منحت أدبه زاوية استثنائية وفريدة.
لعب جمال الغيطاني (1945 – 2015) دورًا استثنائيًا في حرب أكتوبر وما سبقها من سنوات الاستنزاف، إذ لم يكن مجرد صحفي ينقل الأخبار من المكاتب المغلقة، بل كان أول مراسل حربي يتطوع للذهاب إلى خطوط القتال الأمامية على جبهة القناة لمجلة "الرئيس"، ثم جريدة "الأخبار". عايش الغيطاني حياة الجنود وضباط الصف في الملاجئ والخنادق، تقاسم معهم طعامهم وتحركاتهم ولحظات ترقبهم للشهادة، ما منح تجربته مصداقية ودفئًا إنسانيًا. لم يُكتب أدبه عن الحرب بمداد الخيال، بل بوعيٍ معجون بتراب سيناء ورائحة البارود. استطاع أن يمزج بين الحس الصحفي التوثيقي والرؤية الأدبية الصوفية والحرص على الهوية والتاريخ المصري، لم ينقل الأحداث بأسلوب تقريري جاف، بل صاغها بلغة فنية، مستوحاة من التراث والمؤرخين القدامى (مثل ابن إياس)، ليسبغ على التحول النفسي للجنود بُعدًا ملحميًا وتاريخيًا ممتدًا. شكلت تجربة معايشة الجبهة كمراسل حربي نقطة الشفاء النفسي والتأصيل الفكري للغيطاني، ألهمته خطوط النار رؤية الحرب كاستمرار لنضال الشخصية المصرية عبر التاريخ. تجلى هذا في أعماله مثل "الرفاعي" و"أرض أرض" و"حكايات الغريب"، حوّل تجربة الجبهة إلى لغة فريدة تراثية النكهة، معاصرة الطرح، لقد صاغ البطولات اليومية للجنود البسطاء بلغة الملاحم والكتب التراثية القديمة، معبرًا عن لحظات الخوف والصمود في صورة تجليات إنسانية خالدة.
أما فؤاد حجازي (1938-2019)، فيعد أحد أبرز الأصوات الاستثنائية في أدب الحرب العربي، مثلت تجربته توثيقًا لأحداث حرب أكتوبر 1973، ما قبلها وما تلاها. لم يكتب عن المعركة من منظور المشاهد الخارجي أو المحلل السياسي، بل كتبها بدمه وتجربته الحية كجندي شارك في القتال على الجبهة، وأسيرًا في قبضة القوات الإسرائيلية. لم يكتب عن الحرب برؤية منعزلة عن الواقع، بل قدمها كمسار متصل يبدأ من صمود الهزيمة والأسر وينتهي بانتصار العبور. ابتعد عن السرد المكتبي أو التمجيد الدعائي، كتب بروح الجندي المقاتل الذي عاش المعاناة واللحظات الفارقة على الجبهة وفي معتقلات العدو، ركز على أبعاد الخوف، والصمود، والاشتياق للوطن، والعقيدة القتالية للمقاتل المصري البسيط بصوت هادئ دون شعارات رنانة. لقد عني بتقريب أدب الحرب وأحداث المعارك إلى عامة الشعب، ونشر الوعي الثقافي والتاريخي بتضحيات الجنود بعيدًا عن المؤسسات الرسمية التقليدية.
الرفاعي
استلهم الغيطاني من حرب أكتوبر التقنيات التراثية والرواية الملحمية، حيث ألهمته التركيز على الجنود البسطاء والقادة الميدانيين، رأى أن المعركة قد أزاحت الستار عن الجوهر الحقيقي للإنسان المصري بعيدًا عن شعارات الإعلام الرسمي، ورسخ لشجاعة الشهداء والضباط (مثل إبراهيم الرفاعي)، فكتب نصوصًا تمزج بين السير الشعبية والمستندات والوثائق الحربية بلغة صوفية، كما تجلى في رواياته "الرفاعي" و"حكايات الغريب"، و"أرض.. أرض".
وثقت رواية "الرفاعي" سيرة وشجاعة أحد أبرز أبطال القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر 1973: الشهيد العميد أركان حرب إبراهيم الرفاعي، قائد المجموعات الخاصة 39 قتال. جمعت الرواية بين البعد التوثيقي التاريخي والأسلوب الأدبي الجمالي، تناول الغيطاني شخصية الرفاعي كرمز للبطولة والجسارة والتضحية في سبيل الوطن، سلطت الرواية الضوء على العمليات الجريئة والخاطفة التي نفذها رجال المجموعة 39 قتال خلف خطوط العدو خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، وقدمت شخصية الرفاعي كقائد وأب، يجمع بين الصرامة العسكرية والإنسانية في أرقى صورها. اعتمد في تقنيتها على شهادات حية ووقائع حقيقية، تجسيد روح الصمود المصري عقب نكسة 1967 وحتى نصر أكتوبر، استخدام الغيطاني لغة سردية مميزة، تمزج بين النفس التراثي والواقعية التوثيقية.
تناولت رواية "حكايات الغريب" صمود الشعب المصري والمقاومة الشعبية والقوات المسلحة في الفترة ما بين حرب النكسة 1967 وحرب أكتوبر 1973 في مدينة السويس الباسلة. لقد استغل الغيطاني الاختفاء الميداني للعميد الشاذلي (عبد الرحمن) ليعبر عن اغتراب الفرد ومقدار التهميش له قبل الحرب، وكيف تحول بفعل الممارسة الميدانية والمقاومة إلى "رمز عابر للزمن". تدور الأحداث حول البحث عن شخصية شاب يُدعى "عبد الرحمن"، انطوائي وعادي في حياته اليومية قبل الحرب، لكنه تغير تمامًا وتحول إلى بطل ومقاتل يذود عن بلده أثناء محاصرة السويس، ثم اختفت أخباره، ليصبح رمزًا لكل المواطنين والأبطال المجهولين الذين قدموا أروع التضحيات دون انتظار شهرة أو تكريم. إن النصر هنا ليس مجرد عبور جغرافي، بل هو استرداد للذات والكرامة، وكيفية التحول الوجداني لدى المواطن المصري البسيط من حالة اليأس والرمزية التي تلت عام 1967 إلى ملحمة الصمود والبطولة في حرب 1973. تميز أسلوب الرواية السردي بالمزج بين الحس الصحفي التوثيقي، وبين الحس المستمد من التراث العربي الأدبي والصوفي، مقدمًا شهادات حية ومقاطع إنسانية تنبض بالواقع.
أما رواية "أرض.. أرض"، فتعكس جانبًا هامًا من تجربة الغيطاني الأدبية والفكرية، استمد عنوانها من المصطلح العسكري الشهير (أرض - أرض)، وهو نوع من الصواريخ أو المقذوفات، يحمل العنوان دلالة رمزية تعبر عن الالتصاق بالواقع، والصراع على الأرض، والمواجهة المباشرة مع التحولات الاجتماعية والسياسية. مزج فيها بين تقنيات السرد الحديث، واستدعاء التراث التاريخي والمعماري لمصر، حيث ركز على التفاصيل المكانية التي تجعل من المكان بطلًا رئيسًا، رصدت أحداثها التغيرات الجذرية التي طرأت على المجتمع المصري عبر فترات زمنية متعاقبة، مع الحفاظ على الذاكرة المكانية والروحية في مواجهة التهميش أو التغيير القسري، وجسدت الصراع الإنساني ومعاناة شخصياتها في بحثها عن الاستقرار والانتماء وسط أزمات الواقع.
على الجانب الآخر، اتسمت لغة فؤاد حجازي بالصدق والبساطة، بعيدًا عن الشعارات المبالغ فيها، صوّر لحظات الخوف، والشوق للأهل، والوفاء للرفاق الذين سقطوا شهداء، ما منح البطولات العسكرية عمقًا إنسانيًا ملموسًا.
نقل حجازي أدب الحرب في رواياته: من مجرد تمجيد النصر أو رثاء الهزيمة إلى المنطقة الأعمق: أدب السجن والأسر والإرادة الصامدة. استطاع بتلقائية وصدق جارح أن يصور معاناة الأسير المصري، ليس فقط على المستوى الجسدي، بل النفسي والفكري، وكيف يصبح الصمود والكرامة والتماسك الإنساني هما السلاح الأخير ضد المحو والانكسار.
تعد روايته "الأسرى يقيمون المتاريس" (1976) واحدة من أشهر وأهم أعماله عن أدب الحرب، تدور أحداثها داخل معتقل "عتليت" الإسرائيلي عقب نكسة 1967، توثق المعاناة الجسدية والنفسية داخل المعتقل، وترصد الصمود الإنساني، والتضامن بين الأسرى، وكيف استطاعوا تنظيم أنفسهم وتحويل المعتقل إلى جبهة مقاومة، وكذا تؤرخ الرواية للروح النضالية والإرادة. لقد كانت بمثابة التمهيد النفسي والعقائدي لمعركة العبور ونصر أكتوبر المجيد.
وتستند روايته "الرقص على طبول مصرية" إلى التجربة الإنسانية والاجتماعية المؤلمة للمجتمع المصري في مرحلة ما بعد حرب 1967 (النكسة) وما تلاها من تغيرات سياسية واقتصادية ونفسية حادة خلال فترة السبعينيات، سقوط الأحلام الكبرى، وحالة الانكسار الصادمة التي عاشها البسطاء والمثقفون على حد سواء، وكيف أدى الانهيار الأيديولوجي والسياسي إلى فقدان البوصلة والشعور بالتهميش. تناقش الرواية أحداث حرب أكتوبر من خلال سرد تجربة جندي الشرطة العسكرية، الذي كان ينظم المرور المتجه من الضفة الغربية لقناة السويس إلى الضفة الشرقية دون تأثير الحرب عليه، وتتضمن هذه الرواية 47 فصلًا، ترصد أحداث ووقائع حرب أكتوبر وعمليات العبور بطريقة الملحمة السياسية والاجتماعية والعسكرية، تتناول حكايات الجنود، تفاصيل حياتهم اليومية للقتال، وروحهم المعنوية، وتصف ملحمة العبور، اعتمدت في تقسيمها البنائي على مشاهد بانورامية وشهادات متداخلة، تمزج بين الرصد الدقيق للوقائع بلسان مقاتل خاض تجارب القتال والأسر سابقًا، وبين السرد الأدبي والإنساني للجنود والضباط والمجتمع المصري خلال تلك الفترة.
وتُقدم رواية "المحاصرون" لفؤاد حجازي صورة استثنائية وغير تقليدية لحرب أكتوبر 1973، إذ تبتعد عن سرد الانتصارات العسكرية المباشرة لتغوص في أدب الصمود والمقاومة تحت ضغط الحصار والأسر.
إذ تعرض لصمود السويس وأحداث الثغرة، وتؤرخ لتجربة الحصار الدرامية التي شهدتها المدينة، وما حولها عقب أحداث "الثغرة"، مستعرضة الملحمة الشعبية والعسكرية، والتلاحم بين الجنود والأهالي لمواجهة التطويق وإصرارهم على عدم الاستسلام، وتنفرد بتوثيق البعد المأساوي والإنساني للجنود الذين وقعوا في الأسر داخل معتقلات الاحتلال عقب العبور، حيث تجعل من المعتقل مسرحًا جديدًا للمواجهة والثبات النفسي، معتبرة أن تجربة الأسر لم تكن طريقًا للانكسار، بل دافعًا لاسترداد الكرامة والتحدي. تعكس الرواية روح الجماعة الوطنية، وتتلاشى الفوارق بين الضابط والجندي، وبين ابن المدينة وابن القرية، ليشترك الجميع في هم واحد هو الحفاظ على العرض والأرض.
أخيرًا، يبقى جمال الغيطاني وفؤاد حجازي علمين من أعلام أدب الحرب المصري الحديث، حفرا اسميهما في الذاكرة الوطنية والأدب المصري. لقد أثبتا بما لا يدع مجالًا للشك أن الأدب الحقيقي هو الذي يولد من رحم التجربة المباشرة والمعاناة، وأن الكلمة عندما تُكتب على وقع نيران المعركة ودوي المدافع والرصاص، تكتسب خلودًا عصيًا على الزوال.