سؤال كل عام.. المبدعون وانتصار أكتوبر 73
بات السؤال متكررًا, كل عام, مع اقتراب ذكرى انتصار السادس من أكتوبر.. أين الأعمال الروائية الكبرى التي تناولت الحدث الكبير.. هل قدم نجيب محفوظ عملًا عن الحرب, وهل ندم توفيق الحكيم و... و...? هل قصر الأدب المصري في حق الانتصار فلم يبرزه كما يجب..?! عشرات الأسئلة من هذا النوع, التي تطل علينا ويجب الرد عليها والتعامل معها, فضلًا عن توجيه اللوم والمآخذ إلى المبدعين وإلى الجهات الثقافية.
وفي المجال الإبداعي؛ ليس هناك كتالوج يقدم للأديب فينسج عملًا على منواله، وإلا انتفى الإبداع، أعرف أن هذه التساؤلات تنطلق من خلفية رواية تولستوي "الحرب والسلام"، التي تناول فيها حروب روسيا القيصرية في مواجهة أطماع نابليون بونابرت.. وكل أديب له تجربته الخاصة، وكل حرب كذلك لها تجلياتها الخاصة في الثقافة والإبداع.
وللحق، لم يقصر الأديب والمبدع المصري، لنقف أمام الكبير نجيب محفوظ، سوف نجد حرب 73 تبدو في عدد من أعماله، مثل "يوم قتل الزعيم".. "الباقي من الزمن ساعة"، فضلًا عن عدد آخر من أعماله.
غير أن حرب 1973 لا يمكن تناولها منفصلة عما سبقها من حروب، خاصة حربي يونيه سنة 1967، التي لم نخضها عمليًا ولكن فُرضت علينا، ثم حرب الاستنزاف، ومن يراجع العديد من أعمال محفوظ سوف يجد ذلك الارتباط قائمًا لديه.
في روايته البديعة "الباقي من الزمن ساعة"، نقرأ ما يلي: "لم يصدق أحد من أسرة محمد الخبر أو لم يصدق ما يقال عن النصر، تذكروا ما ذاع وملأ الأسماع أيام 5 يونيو"، الإشارة هنا إلى بيانات أحمد سعيد في الإذاعة، صبيحة يوم الخامس من يونيو، التي تحدثت عن انتصار كبير، ثم تبين أنها لم تكن دقيقة، بل كانت مغلوطة، لكن هذه المرة يختلف الأمر"، نقرأ في نفس الرواية، وكالعادة لجأ محمد وألفت إلى محطة لندن وصوت أمريكا، تضاربت الأخبار بادئ الأمر، ثم تأكد النبأ المذهل، تجلى النصر في هالة سحرية كمعجزة باهرة محققة فوق الخيال والتاريخ.. "ثم يضيف محفوظ في روايته: "اندثرت شخصية صفراء مهزولة، وحلت محلها شخصية تضطرم بالعافية والثقة، تلاشت روح مكفنة في الهزيمة وخلفت روح جديدة تختال بالحبور والإلهام، تبخر يأس الهزيمة وذل القهر وانكسار القلب، وخرجت الأنفس بسكرة التناغم مع الذات والحياة والكون."
لم يكن محفوظ وحده، لدينا "العمر لحظة" للروائي الشهيد يوسف السباعي، فضلًا عن أعمال المبدع الكبير جمال الغيطاني، وهو كتب بغزارة عن الحرب، بحكم أنه كان مراسلًا حربيًا على الجبهة طوال أيام الاستنزاف، ثم معركة العبور العظيم، وله رواية عن الشهيد إبراهيم الرفاعي، الذي عرفه شخصيًا في الجبهة.
الأعمال كثيرة وعديدة، بعضها تحول إلى الشاشة، مثل رواية إحسان عبد القدوس التي كتبها بعد الحرب مباشرة "الرصاصة لا تزال في جيبي".
ومن الصعب في مقال كهذا أن نرصد كل ما قدم الروائيون والقصاص عن حرب أكتوبر سنة 1973، الإنتاج غزير، ومن أسف أن بعض النقاد لا يلتفتون إليه، لم يلتفتوا إلى معظمه على الأقل.
غير أن السؤال المتكرر سنويًا حول الأعمال الروائية عن الحرب، يحتاج أن نتوقف عنده لمساءلته.. فهو تساؤل يقوم على اعتبار أن العمل الروائي هو المجال الأوحد للتعبير ورصد الحرب، وفي ذلك تجاهل لفنون إبداعية ومجالات أخرى للكتابة، غير الرواية أو القصة القصيرة، وإذا اتجهنا إلى مجالات التعبير الأخرى، مثل الشعر والمقال والدراسة والبحث، فضلًا عن المذكرات الخاصة، يمكننا القول إن حرب 1973 حظيت باهتمام وتقدير ثقافي كبير.
نحن نتحدث عن أعمال محفوظ القصصية، لكن يفوتنا أن نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، كان كل منهما لديه مقال أسبوعي، وقد تناول كل منهما الحرب في مقالاته، الحكيم هو الذي صاغ عبارة "عبرنا الهزيمة"، كانت عنوان مقاله في الأهرام فور عبور القوات لقناة السويس وتحطيم خط بارليف.
جمال الغيطاني لديه كتاب عن المصريين والحرب، يعد الكتاب سياحة غير روائية في تعامل المصريين ومواجهتهم للحروب عبر التاريخ. د. جمال حمدان لديه كتاب ضخم عن حرب أكتوبر، ولماذا نذهب بعيدًا وننسى كتبًا أخرى صدرت في لحظتها، مثل كتاب أحمد بهاء الدين عن تحطم الأسطورة القتالية الإسرائيلية عند الظهر، أو مع بدء الضربة الجوية الساعة الثانية ظهر يوم السبت السادس من أكتوبر، ويأتي كتاب محمد حسنين هيكل "الطريق إلى رمضان"، ومن بعده كتابه الضخم عن حرب أكتوبر، ثم كتاب موسى صبري "وثائق حرب أكتوبر". هذه الكتب تتميز بالكثير من المعلومات التفصيلية التي ربما لا تظهر في الكتب التحليلية المتخصصة.
وتتميز حرب أكتوبر بأن عددًا كبيرًا من قادة العمليات تركوا مذكراتهم أو سيرهم الخاصة.. لدينا مذكرات المشير أحمد إسماعيل، كان قد تركها قبل رحيله ونشرت بعد ذلك، ومذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي والمشير محمد عبد الغني الجمسي، ثم مذكرات الفريق كمال حسن علي والمشير محمد علي فهمي، مؤسس وقائد الدفاع الجوي، عدد غير قليل من المذكرات ترسم صورة بانورامية لبعض ما جرى في تلك الحرب، والأهم الاستعداد والتجهيز لها.
وتنتهي عن القول إن كل حرب بها أسرارها الخاصة، يكشف بعضها مع مرور السنوات، ويتأخر البعض، وقد لا يظهر إلا بعد أجيال، ويمكن القول إن حرب 73 ما زال بها العديد من الأسرار، لم تُعلن؛ لأن القضية الكبرى لم تُحل بعد، وما زالت هناك جوانب للأزمة.. أقصد القضية الفلسطينية.
ومع كثرة وغزارة ما كُتب داخل مصر عن حرب أكتوبر، فما زال المجال مفتوحًا للكتابة أمام الروائيين والقصاص وسائر الكتاب من باحثين ودارسين، فضلًا عن المؤرخين عمومًا، وفي الحروب تحديدًا، ذلك أنه مع كل جديد يظهر في المعلومات وما يتكشف من أسرار، قد تكشف زوايا جديدة للبحث والدراسة، ولذا فإن مجال الكتابة لم يُغلق بعد ولن يُغلق.
من المهم أن ندرك ذلك جيدًا، الكلمة الأخيرة لم تُكتب بعد، لذا يجب التمهل في توجيه اللوم أو الاتهام بالتقصير من البعض تجاه الكتاب والمثقفين في تناولهم لحرب أكتوبر، والحق أن كل حروبنا في العصر الحديث ما تزال بحاجة إلى إعادة كتابة وإعادة قراءة؛ لأن هناك ارتباطًا كبيرًا بينها، لولا حرب يونيه 1967 ما كانت حرب الاستنزاف ولا حرب أكتوبر 1973، ولولا حروب القرن التاسع عشر، خاصة تلك التي انتهت باحتلال مصر سنة 1882 على يد الجيش البريطاني، ما كان قرار تأميم القناة والعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956.
سأكتب كثيرًا، ولكن ما زال هناك الكثير ليُكتب أو يُعاد كتابته، إلى اليوم ما زال هناك من يكتبون عن حرب طروادة، وعن غزوة بدر وغزوة أحد وسائر الغزوات، رغم مرور هذا الزمن السحيق، فما بالنا بحرب لم يمر عليها سوى أكثر من نصف قرن.