رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


أوراق‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬خنادق‭ ‬النهر‭ ‬القديم

5-10-2026 | 14:09


سامح الزهار,

عندما‭ ‬أتأمل‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬بعين‭ ‬دارس‭ ‬التاريخ‭, ‬أدرك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬على‭ ‬الضفاف‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬صدامًا‭ ‬عسكريًّا‭ ‬فحسب‭, ‬بل‭ ‬تحولًا‭ ‬أعاد‭ ‬صياغة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭, ‬تلك‭ ‬المعركة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تنتهِ‭ ‬عند‭ ‬سكون‭ ‬المدافع‭, ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬على‭ ‬جبهات‭ ‬الوعي‭ ‬والذاكرة‭ ‬القومية‭, ‬حيث‭ ‬برز‭ ‬أدب‭ ‬النصر‭ ‬كشاهدٍ‭ ‬استراتيجي‭ ‬يسجل‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ‭ ‬والعمق‭ ‬الإنساني‭ ‬للبطولة‭, ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يغدو‭ ‬القلم‭ ‬حليفًا‭ ‬للسلاح‭, ‬وتتحول‭ ‬الكلمة‭ ‬إلى‭ ‬وثيقة‭ ‬وجودية‭ ‬تضمن‭ ‬ألا‭ ‬تُسلب‭ ‬المعركة‭ ‬معناها‭ ‬الحضاري‭, ‬لتظل‭ ‬تجربة‭ ‬العبور‭ ‬بأبعادها‭ ‬الأدبية‭ ‬والفلسفية‭ ‬والتكتيكية‭ ‬درسًا‭ ‬حيًّا‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬والإرادة‭.‬ظلال‭ ‬الأبناء‭ ‬بين‭ ‬الخنادق‭ ‬والذاكرة

في‭ ‬تلك‭ ‬البقعة‭ ‬القاسية‭ ‬من‭ ‬رماد‭ ‬سيناء،‭ ‬حيث‭ ‬تلتقي‭ ‬زرقة‭ ‬السماء‭ ‬بصفرة‭ ‬الرمال‭ ‬العاتية،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬البطولة‭ ‬مجرد‭ ‬خطط‭ ‬عسكرية‭ ‬تُرسَم‭ ‬على‭ ‬الخرائط‭ ‬في‭ ‬غرف‭ ‬القيادة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬روحًا‭ ‬تسري‭ ‬في‭ ‬أجساد‭ ‬الفلاحين‭ ‬والرعاة‭ ‬والعمال‭ ‬الذين‭ ‬استحالوا‭ ‬بين‭ ‬عشية‭ ‬وضحاها‭ ‬كائنات‭ ‬أسطورية‭ ‬تتنفس‭ ‬الجمر‭ ‬وتطأ‭ ‬الموت‭ ‬بأقدام‭ ‬حافية،‭ ‬فالذين‭ ‬عبروا‭ ‬القناة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬رمضان‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام‭ ‬في‭ ‬سجلات‭ ‬الكتائب،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬أصحاب‭ ‬سير‭ ‬خفية،‭ ‬يحمل‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬جيبه‭ ‬رسالة‭ ‬مطوية‭ ‬من‭ ‬أم‭ ‬تنتظر‭ ‬على‭ ‬ضفاف‭ ‬النيل،‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬صغيرة‭ ‬لوليد‭ ‬لم‭ ‬يره‭ ‬بعد،‭ ‬هناك‭ ‬وتحت‭ ‬السواتر‭ ‬الترابية‭ ‬العالية،‭ ‬اختفت‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬الأزمنة،‭ ‬وصار‭ ‬الشاب‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬أقاصي‭ ‬الصعيد‭ ‬صنو‭ ‬المقاتل‭ ‬من‭ ‬قرى‭ ‬الدلتا،‭ ‬يجمعهما‭ ‬يقين‭ ‬واحد‭ ‬بأن‭ ‬الأرض‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬تراب‭ ‬يُباع‭ ‬ويُشترى،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬العرض‭ ‬والخلود،‭ ‬وأن‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬سبيلها‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬سُكنى‭ ‬دائمة‭ ‬في‭ ‬سرادق‭ ‬المجد‭ ‬الأبدي،‭ ‬حيث‭ ‬تتلاشى‭ ‬الفناءات‭ ‬ويبقى‭ ‬شرف‭ ‬المواجهة‭ ‬ناصعًا‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الفاجعة‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تستبد‭ ‬بقلب‭ ‬من‭ ‬شهد‭ ‬تلك‭ ‬الخطوات‭ ‬الشريفة،‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬مئات‭ ‬الملاحم‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬صُنعت‭ ‬في‭ ‬ثوانٍ‭ ‬معدودات‭ ‬قد‭ ‬طواها‭ ‬الصمت،‭ ‬وظلت‭ ‬حكايات‭ ‬أصحابها‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬الغياب‭ ‬والنسيان،‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬قلم‭ ‬يحسن‭ ‬استدعاء‭ ‬التاريخ‭ ‬وتدوين‭ ‬الوثيقة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبتلعها‭ ‬المدى،‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬جنديٍ‭ ‬بسيم‭ ‬الوجه‭ ‬ألقى‭ ‬ببدنه‭ ‬فوق‭ ‬شباك‭ ‬الشوك‭ ‬ليصنع‭ ‬جسرًا‭ ‬حيًّا‭ ‬يعبر‭ ‬عليه‭ ‬رفاقه‭ ‬نحو‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬ضابط‭ ‬شاب‭ ‬استقر‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬ساعات‭ ‬طوالًا‭ ‬يوجه‭ ‬نيران‭ ‬مدفعيته‭ ‬رغم‭ ‬نزيفه‭ ‬اللاهب‭ ‬حتى‭ ‬فاضت‭ ‬روحه‭ ‬إلى‭ ‬بارئها‭ ‬وهو‭ ‬يبتسم‭ ‬للجلاء‭.‬
فلسفة‭ ‬العبور
لم‭ ‬يكن‭ ‬نصر‭ ‬أكتوبر‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬عسكري‭ ‬طارئ‭ ‬غيّر‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬صحراء‭ ‬سيناء،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬كشفًا‭ ‬فلسفيًّا‭ ‬عميقًا‭ ‬لمعدن‭ ‬النفس‭ ‬البشرية‭ ‬وهي‭ ‬تصارع‭ ‬قدرها‭ ‬المحتوم،‭ ‬فلقد‭ ‬أثبت‭ ‬الحادث‭ ‬الجلل‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬تباع‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الشعارات‭ ‬الزائفة،‭ ‬وأن‭ ‬الهزيمة‭ ‬المريرة‭ ‬التي‭ ‬جاثمت‭ ‬على‭ ‬الصدور‭ ‬سنوات‭ ‬طوالًا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬إلا‭ ‬مخاضًا‭ ‬أليمًا‭ ‬لوعيٍ‭ ‬جديد‭ ‬يتشكل‭ ‬في‭ ‬رحم‭ ‬الزمن،‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬أدب‭ ‬النصر‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالتغني‭ ‬بصلابة‭ ‬الجدران‭ ‬أو‭ ‬بأس‭ ‬السلاح،‭ ‬وإنما‭ ‬يغوص‭ ‬بأدواته‭ ‬في‭ ‬المأساة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الخالدة،‭ ‬كيف‭ ‬يستطيع‭ ‬الإنسان،‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬الضعيف‭ ‬المحاصر‭ ‬بالخوف‭ ‬والشكوك،‭ ‬أن‭ ‬يتسامى‭ ‬فوق‭ ‬ذاته‭ ‬الضئيلة،‭ ‬ويلتحم‭ ‬بالفكرة‭ ‬المطلقة‭ ‬ليصنع‭ ‬معجزة‭ ‬الخلاص؟‭ ‬لقد‭ ‬تجلت‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للعبور‭ ‬في‭ ‬تحول‭ ‬الفلاح‭ ‬والأجير‭ ‬والموظف‭ ‬البسيط‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬هائمين‭ ‬في‭ ‬زحام‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬لقمة‭ ‬العيش،‭ ‬إلى‭ ‬أبطال‭ ‬تراجيديين‭ ‬يواجهون‭ ‬الموت‭ ‬بابتسامة‭ ‬اليقين،‭ ‬مؤكدين‭ ‬أن‭ ‬إرادة‭ ‬الحياة‭ ‬هي‭ ‬القانون‭ ‬الأسمى‭ ‬الذي‭ ‬يقهر‭ ‬العدم‭ ‬ويعيد‭ ‬صياغة‭ ‬التاريخ‭.‬
إن‭ ‬المتأمل‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬صاغت‭ ‬هذه‭ ‬الملحمة‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للبطولة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬قهر‭ ‬الآخر‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬انتصار‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬ضعفه‭ ‬الداخلي،‭ ‬وتغلب‭ ‬الحق‭ ‬على‭ ‬أوهام‭ ‬القوة‭ ‬الغاشمة‭ ‬التي‭ ‬ظنت‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حجب‭ ‬الشمس،‭ ‬فالأدب‭ ‬الذي‭ ‬يخلد‭ ‬أكتوبر‭ ‬هو‭ ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬يقرأ‭ ‬التحول‭ ‬الروحي‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬الشخصية‭ ‬المصرية،‭ ‬حيث‭ ‬يمتزج‭ ‬الشغف‭ ‬بالحرية‭ ‬مع‭ ‬الحكمة‭ ‬العتيقة‭ ‬الضاربة‭ ‬في‭ ‬جذور‭ ‬التاريخ،‭ ‬ليعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬الأسئلة‭ ‬الكبرى‭ ‬حول‭ ‬معنى‭ ‬الأمل‭ ‬والعدل‭ ‬والوجود،‭ ‬وإن‭ ‬النصر‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬فلسفة‭ ‬أمل‭ ‬تمشي‭ ‬على‭ ‬قدمين،‭ ‬وشهادة‭ ‬مدونة‭ ‬بدم‭ ‬الشهداء‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الاستسلام‭ ‬ليس‭ ‬قدرًا‭ ‬محتومًا،‭ ‬وأن‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬حين‭ ‬يقترن‭ ‬بالإيمان‭ ‬الواعي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحطيم‭ ‬أعتى‭ ‬الأسوار،‭ ‬وهكذا‭ ‬بقي‭ ‬أدب‭ ‬العبور‭ ‬وثيقة‭ ‬أخلاقية‭ ‬وتاريخية‭ ‬تُذكّر‭ ‬الأجيال‭ ‬المتعاقبة‭ ‬بأن‭ ‬الكرامة‭ ‬ليست‭ ‬منحة‭ ‬تُهب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حقيقة‭ ‬صلبة‭ ‬تُنتزع‭ ‬بالمشقة‭ ‬والصبر‭ ‬والتضحية،‭ ‬وبأن‭ ‬الإنسان‭ - ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬ليله‭ ‬وتكاثرت‭ ‬ظنونه‭ - ‬قادر‭ ‬دومًا‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬نوره‭ ‬المفقود‭ ‬وشرف‭ ‬مسيرته‭.‬
الأصل‭ ‬أن‭ ‬نصر‭ ‬أكتوبر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬واقعة‭ ‬عسكرية‭ ‬تم‭ ‬تدوينها‭ ‬في‭ ‬السجلات‭ ‬الرسمية،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬زلزالًا‭ ‬روحيًّا‭ ‬وإنسانيًّا‭ ‬هزّ‭ ‬أركان‭ ‬الوجدان‭ ‬العربي‭ ‬وأعاد‭ ‬لغته‭ ‬إلى‭ ‬منبعها‭ ‬الأول،‭ ‬حيث‭ ‬العزة‭ ‬والكرامة،‭ ‬فلقد‭ ‬تلقت‭ ‬القريحة‭ ‬الأدبية‭ ‬لحظة‭ ‬العبور‭ ‬بوصفها‭ ‬خروجًا‭ ‬شامخًا‭ ‬من‭ ‬ظلمات‭ ‬النكسة‭ ‬وانكسارات‭ ‬الجسد‭ ‬والروح،‭ ‬فاندفع‭ ‬الأدباء‭ ‬يتلمسون‭ ‬أثر‭ ‬الأقدام‭ ‬الشريفة‭ ‬التي‭ ‬دكت‭ ‬حصون‭ ‬المعتدي،‭ ‬وتحولت‭ ‬البندقية‭ ‬في‭ ‬أيديهم‭ ‬إلى‭ ‬قلم‭ ‬يُدوّن‭ ‬ملحمة‭ ‬الأكف‭ ‬السمراء‭.‬
هنا‭ ‬تسابق‭ ‬الروائيون‭ ‬والشعراء‭ ‬لترجمة‭ ‬ذلك‭ ‬الفجر‭ ‬الوليد،‭ ‬فانسابت‭ ‬السير‭ ‬والشهادات‭ ‬كشلال‭ ‬من‭ ‬نور،‭ ‬فرأينا‭ ‬كيف‭ ‬غاصت‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الخندق‭ ‬والرمال،‭ ‬وترجمت‭ ‬الدماء‭ ‬الزكية‭ ‬إلى‭ ‬حبرٍ‭ ‬يكتب‭ ‬وثيقة‭ ‬الوجود،‭ ‬فلم‭ ‬تكتفِ‭ ‬الحكايات‭ ‬برصد‭ ‬تحركات‭ ‬الجيوش،‭ ‬بل‭ ‬نفذت‭ ‬إلى‭ ‬جمر‭ ‬النفوس‭ ‬القابعة‭ ‬على‭ ‬الضفة،‭ ‬ترقب‭ ‬لحظة‭ ‬الثأر‭ ‬لمصر‭ ‬وتاريخها‭ ‬الممتد‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬الزمان،‭ ‬حتى‭ ‬غدا‭ ‬الجندي‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬رمزًا‭ ‬للإنسان‭ ‬المصري‭ ‬الأزلي،‭ ‬ذلك‭ ‬الفلاح‭ ‬الصبور‭ ‬الذي‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬طمي‭ ‬النيل‭ ‬ليصنع‭ ‬الفارق‭ ‬الكوني‭ ‬بين‭ ‬الظلمة‭ ‬والضياء‭.‬
وسرعان‭ ‬ما‭ ‬أدرك‭ ‬الكُتّاب‭ ‬أن‭ ‬البطولة‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬إلا‭ ‬بالتغلغل‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬الروح‭ ‬المصرية‭ ‬السارية‭ ‬في‭ ‬أجساد‭ ‬المقاتلين،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬استعادوا‭ ‬بصبرهم‭ ‬وهتافهم‭ ‬العالي‭ ‬‮«‬الله‭ ‬أكبر‮»‬‭ ‬مهابة‭ ‬العصور‭ ‬الخوالي‭ ‬وأمجادها‭ ‬العظيمة،‭ ‬وتجسد‭ ‬ذلك‭ ‬الإنجاز‭ ‬الأدبي‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬لم‭ ‬تستعرض‭ ‬السلاح‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬استعرضت‭ ‬الإرادة،‭ ‬حيث‭ ‬امتزج‭ ‬الحكي‭ ‬السرداتي‭ ‬بعبق‭ ‬التراث‭ ‬ونبرة‭ ‬التوثيق‭ ‬الميداني‭ ‬الحي،‭ ‬ليصبح‭ ‬التدوين‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الجهاد‭ ‬والمقاومة‭ ‬المستمرة‭ ‬ضد‭ ‬النسيان،‭ ‬فلقد‭ ‬التحمت‭ ‬الكلمة‭ ‬بالبارود،‭ ‬وأصبح‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬وثيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬وعرفانية‭ ‬تحفظ‭ ‬للشهداء‭ ‬أحلامهم‭ ‬وللأحياء‭ ‬كبرياءهم،‭ ‬مؤكدةً‭ ‬أن‭ ‬ملحمة‭ ‬العبور‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬نصر‭ ‬خاطف‭ ‬في‭ ‬الميدان،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬قيامة‭ ‬شاملة‭ ‬للذات‭ ‬العربية‭ ‬وهي‭ ‬تعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬يقينها‭ ‬بالحرية‭ ‬والخلود،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬صفحة‭ ‬سُطرت‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬العظيم‭.‬
الشفرة‭ ‬النوبية‭ ‬استعادة‭ ‬حضارية
لم‭ ‬تكن‭ ‬الشفرة‭ ‬التي‭ ‬حسمت‭ ‬اتصالات‭ ‬العبور‭ ‬مجرد‭ ‬معادلات‭ ‬رقمية‭ ‬معقدة‭ ‬أو‭ ‬خوارزميات‭ ‬صاغتها‭ ‬عقول‭ ‬المهندسين‭ ‬في‭ ‬الغرف‭ ‬المغلقة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬همسًا‭ ‬عتيقًا‭ ‬قادمًا‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬التاريخ،‭ ‬ومنسابًا‭ ‬من‭ ‬تدفق‭ ‬النيل‭ ‬العظيم‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬النوبة‭ ‬الخالدة،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬فلسفة‭ ‬اختيار‭ ‬اللغة‭ ‬النوبية‭ ‬للاتصالات‭ ‬السرية‭ ‬بين‭ ‬قيادات‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭ ‬على‭ ‬جبهات‭ ‬القتال‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الحيلة‭ ‬العسكرية‭ ‬الذكية‭ ‬لتلمس‭ ‬جوهر‭ ‬الشخصية‭ ‬المصرية‭ ‬التي‭ ‬تحتفظ‭ ‬في‭ ‬تلافيف‭ ‬ذاكرتها‭ ‬بكنوز‭ ‬أزلية‭ ‬تقهر‭ ‬العدم‭ ‬وتصنع‭ ‬الخلاص،‭ ‬فلقد‭ ‬وقفت‭ ‬أجهزة‭ ‬التنصت‭ ‬الإلكترونية‭ ‬للمعتدي‭ ‬عاجزةً‭ ‬أمام‭ ‬كلمات‭ ‬منطوقة‭ ‬بلسان‭ ‬بكر‭ ‬لم‭ ‬يُدوّن‭ ‬في‭ ‬المعاجم‭ ‬الشائعة،‭ ‬فتحول‭ ‬الصوت‭ ‬النوبي‭ ‬في‭ ‬أجهزة‭ ‬اللاسلكي‭ ‬إلى‭ ‬طلاسم‭ ‬لغوية‭ ‬تحجب‭ ‬سر‭ ‬التحركات،‭ ‬وتغلف‭ ‬لحظة‭ ‬الصفر‭ ‬بغلالة‭ ‬من‭ ‬الغموض‭ ‬القاتل،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬المقاتل‭ ‬النوبي‭ ‬الصبور،‭ ‬وهو‭ ‬يترجم‭ ‬أوامر‭ ‬التحرك‭ ‬والضربات‭ ‬المدفعية‭ ‬بكلمات‭ ‬أجداده‭ ‬الأوائل،‭ ‬يمارس‭ ‬فعل‭ ‬استعادة‭ ‬حضارية‭ ‬شاملة،‭ ‬حيث‭ ‬التحم‭ ‬البارود‭ ‬الحديث‭ ‬بأصالة‭ ‬اللغة‭ ‬الشفاهية،‭ ‬ليتأكد‭ ‬للجميع‭ ‬أن‭ ‬العبقرية‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تعقيد‭ ‬الآلة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استدعاء‭ ‬جينات‭ ‬الأرض‭ ‬وأسرارها‭ ‬المكنونة‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الخطر‭ ‬الداهم‭.‬
إن‭ ‬أدب‭ ‬النصر‭ ‬حين‭ ‬يتأمل‭ ‬هذه‭ ‬الشفرة‭ ‬التاريخية،‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬أمان‭ ‬تقنية‭ ‬أمّنت‭ ‬سرية‭ ‬العمليات‭ ‬وحمت‭ ‬أرواح‭ ‬الفرسان‭ ‬القاطعين‭ ‬للنهر،‭ ‬وإنما‭ ‬يقرؤها‭ ‬بوصفها‭ ‬وثيقة‭ ‬وجودية‭ ‬تؤكد‭ ‬تعانق‭ ‬أطياف‭ ‬النسيج‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬المصير‭ ‬الواحد،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الشفرة‭ ‬كانت‭ ‬دليلًا‭ ‬ساطعًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬يموت،‭ ‬وأن‭ ‬التراث‭ ‬الحي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬استراتيجي‭ ‬يغير‭ ‬مجرى‭ ‬الحوادث‭ ‬ويرسخ‭ ‬قواعد‭ ‬الكرامة،‭ ‬فهذه‭ ‬هي‭ ‬النوبة‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬أبناءها‭ ‬ولغتها‭ ‬لحماية‭ ‬ظهر‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الساعات‭ ‬الخالدة،‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬شبر‭ ‬من‭ ‬جغرافيا‭ ‬مصر‭ ‬وكل‭ ‬حرف‭ ‬من‭ ‬لغاتها‭ ‬الشفاهية‭ ‬والتاريخية‭ ‬يمثل‭ ‬خط‭ ‬دفاعٍ‭ ‬أخيرًا‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬المصرية‭.‬
الذكاء‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الاصطناعي
اعتمد‭ ‬التشريح‭ ‬العلمي‭ ‬والعملياتي‭ ‬للشفرة‭ ‬النوبية‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬على‭ ‬الحماية‭ ‬العسكرية‭ ‬للاتصالات‭ ‬التكتيكية‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬حديثًا‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬معايير‭ ‬التشفير‭ ‬المعقدة‭ ‬والخوارزميات‭ ‬البرمجية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬عام‭ ‬1973‭ ‬حققت‭ ‬خرقًا‭ ‬أمنيًّا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬التشفير‭ ‬عبر‭ ‬استغلال‭ ‬خصائص‭ ‬اللسانيات‭ ‬الشفاهية‭ ‬والتحليل‭ ‬اللغوي‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬صاحب‭ ‬الفكرة‭ ‬الصول‭ ‬أحمد‭ ‬إدريس،‭ ‬الذي‭ ‬قدم‭ ‬حلًّا‭ ‬للتعمية‭ ‬الطبيعية‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬اللغة‭ ‬النوبية‭ ‬بفرعيها‭ ‬الفادكية‭ ‬والمتوكية،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬القيمة‭ ‬العلمية‭ ‬الحسابية‭ ‬لهذه‭ ‬الشفرة‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬لغة‭ ‬محكية‭ ‬غير‭ ‬مدونة‭ ‬برسم‭ ‬كتابي‭ ‬قياسي‭ ‬في‭ ‬المعاجم‭ ‬أو‭ ‬المراجع‭ ‬الأكاديمية‭ ‬العالمية‭ ‬آنذاك،‭ ‬مما‭ ‬أعدم‭ ‬أي‭ ‬قاعدة‭ ‬بيانات‭ ‬أو‭ ‬مراجع‭ ‬معجمية‭ ‬لغرف‭ ‬التنصت‭ ‬الإلكتروني‭ ‬ووحدات‭ ‬الاستخبارات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والأمريكية،‭ ‬وجعل‭ ‬حل‭ ‬الشفرة‭ ‬عبر‭ ‬طرق‭ ‬التحليل‭ ‬التكراري‭ ‬أو‭ ‬الخوارزميات‭ ‬الإحصائية‭ ‬أمرًا‭ ‬مستحيلًا،‭ ‬فتم‭ ‬تنظيم‭ ‬الشبكة‭ ‬بتدريب‭ ‬وتوزيع‭ ‬نحو‭ ‬70‭ ‬إلى‭ ‬72‭ ‬مجندًا،‭ ‬ضابطًا‭ ‬وجنديًا،‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬النوبة‭ ‬القديمة‭ ‬على‭ ‬أجهزة‭ ‬الاتصالات‭ ‬اللاسلكية‭ ‬ذات‭ ‬التردد‭ ‬العالي‭ ‬جدًا‭ ‬والموزعة‭ ‬على‭ ‬خطوط‭ ‬المواجهة‭ ‬والقيادات‭ ‬الميدانية‭ ‬في‭ ‬خطة‭ ‬العبور‭.‬
ولضمان‭ ‬السرية‭ ‬المطلقة‭ ‬ومنع‭ ‬التفسير‭ ‬اللغوي‭ ‬التخميني‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬التقاط‭ ‬الإشارات‭ ‬الصوتية‭ ‬عبر‭ ‬موجات‭ ‬الأثير،‭ ‬طُوّر‭ ‬نظام‭ ‬استبدال‭ ‬اصطلاحي‭ ‬حربي‭ ‬اعتمد‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬مفاهيم‭ ‬البيئة‭ ‬النوبية‭ ‬القديمة‭ ‬على‭ ‬المعدات‭ ‬والتكتيكات‭ ‬العسكرية‭ ‬الشاملة،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬استُخدمت‭ ‬كلمة‭ (‬أولوم‭)‬،‭ ‬ومعناها‭ (‬التمساح‭)‬،‭ ‬للإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الدبابات‭ ‬والمركبات‭ ‬البرمائية،‭ ‬وكلمة‭ (‬أسلانجي‭)‬،‭ ‬ومعناها‭ (‬الثعبان‭)‬،‭ ‬لتشفير‭ ‬العربات‭ ‬المجنزرة‭ ‬وناقلات‭ ‬الجند،‭ ‬بينما‭ ‬أُطلقت‭ ‬عبارة‭ (‬ساع‭ ‬آوي‭) ‬للتعبير‭ ‬المباشر‭ ‬عن‭ (‬الساعة‭ ‬الثانية‭) ‬ظهرًا،‭ ‬وهو‭ ‬توقيت‭ ‬بدء‭ ‬المعركة،‭ ‬واستُخدمت‭ ‬كلمة‭ (‬أوشريا‭) ‬الصريحة‭ ‬كأمر‭ ‬عملياتي‭ ‬قاطع‭ ‬بمعنى‭ (‬اضرب‭) ‬أو‭ (‬أشعل‭ ‬النار‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬شكل‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬اللغة‭ ‬العرقية‭ ‬النادرة‭ ‬والاستعارات‭ ‬اللفظية‭ ‬العسكرية‭ ‬نظام‭ ‬تشفير‭ ‬ثنائي‭ ‬الطبقات،‭ ‬فحتى‭ ‬لو‭ ‬فرضنا‭ ‬جدلًا‭ ‬تعرُّف‭ ‬أجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬على‭ ‬أصول‭ ‬بعض‭ ‬المفردات‭ ‬اللغوية،‭ ‬فإن‭ ‬السلسلة‭ ‬المعنوية‭ ‬الدلالية‭ ‬للرسالة‭ ‬تظل‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للفك‭ ‬أو‭ ‬التنبؤ‭ ‬الفوري،‭ ‬مما‭ ‬أمّن‭ ‬حركة‭ ‬القوات‭ ‬والموجات‭ ‬الأولى‭ ‬للعبور‭ ‬وسلاح‭ ‬المدفعية‭ ‬بتغطية‭ ‬سرية‭ ‬تامة‭ ‬بنسبة‭ ‬100%‭ ‬حتى‭ ‬تحقيق‭ ‬النصر‭ ‬وتأمين‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭.‬
رواية‭ ‬‮«‬الرفاعي‮»‬‭.. ‬سفر‭ ‬البطولات‭ ‬الميدانية
عندما‭ ‬قرأت‭ ‬رواية‭ (‬الرفاعي‭) ‬للأديب‭ ‬الراحل‭ ‬جمال‭ ‬الغيطاني‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى،‭ ‬فقد‭ ‬تيقنت‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أقرأ‭ ‬مجرد‭ ‬نص‭ ‬روائي‭ ‬أو‭ ‬ملحمة‭ ‬متخيلة‭ ‬من‭ ‬نسيج‭ ‬الخيال‭ ‬الفردي،‭ ‬بل‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬متعمقًا‭ ‬في‭ ‬وثيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬شديدة‭ ‬الأهمية‭ ‬والدقة،‭ ‬فلقد‭ ‬أدرك‭ ‬الأستاذ‭ ‬الغيطاني‭ ‬بحسه‭ ‬الصحفي‭ ‬الميداني‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى‭ ‬وتجربته‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬خطوط‭ ‬النار‭ ‬الأولى‭ ‬كمراسل‭ ‬حربي،‭ ‬أن‭ ‬معركة‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تحركًا‭ ‬عسكريًّا‭ ‬مجردًا‭ ‬على‭ ‬الخرائط،‭ ‬وإنما‭ ‬كانت‭ ‬إرادة‭ ‬أمة‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬الإقليم‭ ‬والعالم،‭ ‬وهنا‭ ‬تسبر‭ ‬الرواية‭ ‬غور‭ ‬سيرة‭ ‬العميد‭ ‬أركان‭ ‬حرب‭ ‬إبراهيم‭ ‬الرفاعي،‭ ‬قائد‭ ‬المجموعة‭ ‬39‭ ‬قتال،‭ ‬فتضعه‭ ‬في‭ ‬إطاره‭ ‬الإنساني‭ ‬والعسكري‭ ‬الصحيح،‭ ‬كرمز‭ ‬لروح‭ ‬الجسارة‭ ‬والتخطيط‭ ‬المحكم،‭ ‬وإذ‭ ‬تنقلنا‭ ‬السطور‭ ‬من‭ ‬غرف‭ ‬العمليات‭ ‬وخرائط‭ ‬الاستطلاع‭ ‬المعقدة‭ ‬إلى‭ ‬الخنادق‭ ‬والرمال،‭ ‬لتبرز‭ ‬كيف‭ ‬استطاعت‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬الخاصة‭ ‬تحطيم‭ ‬أساطير‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬تذرع‭ ‬بها‭ ‬العدو‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬نكسة‭ ‬يونيو‭ ‬1967‭ ‬وحتى‭ ‬لحظة‭ ‬العبور‭ ‬العظيمة‭.‬


في‭ ‬رأيي،‭ ‬تكمن‭ ‬القيمة‭ ‬الجوهرية‭ ‬لهذا‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬الاستثنائية‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬أسلوب‭ ‬التحليل‭ ‬السياسي‭ ‬والتوثيق‭ ‬الميداني‭ ‬الحي،‭ ‬مما‭ ‬يعطي‭ ‬النص‭ ‬ثقلًا‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الرواية‭ ‬التقليدية‭ ‬ليصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬أرشيف‭ ‬الذاكرة‭ ‬القومية‭ ‬العربية،‭ ‬فإن‭ ‬الأستاذ‭ ‬الغيطاني‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬برصد‭ ‬العمليات‭ ‬الجريئة‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬الرفاعي‭ ‬خلف‭ ‬خطوط‭ ‬العدو‭ ‬أو‭ ‬تدمير‭ ‬معسكراته،‭ ‬حصن‭ ‬حطين‭ ‬والمواقع‭ ‬الحصينة،‭ ‬بل‭ ‬يقدم‭ ‬قراءة‭ ‬عميقة‭ ‬للبيئة‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬أنجبت‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفرسان،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬السلاح‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬الفراغ،‭ ‬وإنما‭ ‬يحركه‭ ‬الإيمان‭ ‬بالحق‭ ‬الوطني‭ ‬والإرادة‭ ‬الصلبة،‭ ‬وهكذا‭ ‬تبدو‭ ‬رواية‭ (‬الرفاعي‭) ‬شاهدًا‭ ‬أمينًا‭ ‬يستقر‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬الفكر‭ ‬العربي،‭ ‬متحدثًا‭ ‬بلا‭ ‬مواربة‭ ‬عن‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬وحيوية‭ ‬شعبها‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬المحن‭ ‬الكبرى،‭ ‬حيث‭ ‬يظل‭ ‬اسم‭ ‬إبراهيم‭ ‬الرفاعي‭ - ‬كما‭ ‬صاغه‭ ‬النص‭ ‬بحرفية‭ ‬بالغة‭ - ‬معلمًا‭ ‬بارزًا‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬الوطنية‭ ‬المصرية،‭ ‬يذكّر‭ ‬الأجيال‭ ‬بأن‭ ‬التضحيات‭ ‬الجسام‭ ‬هي‭ ‬وحدها‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬المستقبل‭ ‬وتفرض‭ ‬احترام‭ ‬الشعوب‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬التاريخ‭.‬