النقد يرى أن للرواية نظريتين: نظرية رواية التحليل, والرواية الموضوعية. الأولى تعتمد على إيضاح كل شيء, على العكس من النظرية الأخرى, بينما نجد أصحاب النزعات التجديدية يتشككون في كل ما هو متعارف عليه. وهو كثيرًا ما تلاحظ في رواية التجربة الحربية.
فالتجربة الحربية تتيح هذا البعد التقني وتساعد، إنها تجربة التعبير عن الخاص/العام أو الأنا/الجماعة. وقد ذهب "رولان بارت" إلى: الرواية عمل قابل للتكيف مع المجتمع، وتبدو كأنها مؤسسة أدبية ثابتة الكيان. لعله يعني أن الرواية قادرة على التعبير عن الجماعات وأنها بالتالي من أكثر الأشكال الأدبية التي تملك صفة "الاجتماعي".
الرواية فعل مقاومي/حربي
شاركت الرواية في التعبير عن الذات الجمعية المقاومة منذ أن عرفتها العربية بشكلها المعاصر. وقد ادُّعي أن نشأة الفن الروائي لم تنضح إلا بوازع "المقاومة والتجربة الحربية". وهو ما يبدو جليًّا لمتابع الروايات خلال النصف الأول من القرن العشرين، حتى إن "جرحى زيدان" لم يكتب إلا من هذا المنطلق (وبصرف النظر عن البعد الفني للرواية بالمفهوم الحالي)، وغيره مثل رواية "فتاة الثورة العرابية" ليوسف أفندي حسن صبري، ورواية "عذراء دنشواي" لمحمود طاهر حقي، وغيرها.
المتابع لتقنيات وأشكال "الرواية" حتمًا سيتوقف أمام تلك التعددية والثراء التي أصبحت عليها الرواية بمضي الوقت بفضل التجربة الحربية، حيث أحداث الحربين العالميتين الأولى والثانية، ونتائج إلقاء القنبلة الذرية على اليابان، ويشير البحث الفني إلى دور لا ينكر لمعركة الثورة الجزائرية في الرواية الفرنسية وتعدد أطوارها، ومن ثم انتقلت إلى العالم.
الرواية الحربية..
يعد هذا النوع من الرواية من أهم الأنواع في الأدب العربي المعاصر، نظرًا للظروف التاريخية التي مرت بها بلدان الأمة العربية. منذ الكفاح من أجل التحرر الوطني من الاستعمار، ومع تلك الحروب العالمية والإقليمية التي اشتعلت على أرض المنطقة: الحرب العالمية الأولى والثانية، حروب التحرر الوطني، معارك 48 و56 و67 ثم 73، حروب الخليج الثلاث خلال عقدين من الزمان (تقريبًا): العراق/إيران، العراق/الكويت، غزو الولايات المتحدة وبريطانيا للعراق. بالإضافة إلى معارك أخرى تشتعل في السودان، وبين إريتريا وإثيوبيا، والصومال وجيرانها، فضلًا عن منطقة شمال العراق (الأكراد)، ومنطقة الصحراء مع المغرب، وغيرها! *هل للرواية الحربية تقنية ومواصفات خاصة فنيًّا?
.. لقد حكموا على الروائي الذي يكتب الرواية التقليدية، أو على الأقل في بداية العهد بالفن الروائي وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، اتهموه بأنه يكتب "التاريخ".
ومع بشائر اقتحام عالم الرواية بعد الحرب العالمية الأولى، باتت النظرة إلى الشخصية على أنها كائن ورقي، ثم كتبها "كافكا" رمزًا أو حرفًا واحدًا في رواية (القصر)، كما جعلها بلا اسم في رواية (المحاكمة)، وأصبحت الشخصيات تعاني من الاغتراب والتناقض مع المجتمع إلى النفي، كما في أعمال "بيكيت".
هنا تبدو علاقة الرواية (الحربية) بالشخصية/الشخصيات/الأبطال بالمعنى الفني والأيديولوجي، علاقة مركبة: فالحرب (الإعداد لها- أثناءها – بعدها) بكل ما تضمنه الكلمة من تأثير ومؤثرات خاصة جدًّا، تبدو وحدها "شخصية" لها وجودها الطاغي، وإن لم نصفها بأوصاف البشر.
كما أن شخصيات التجربة الحربية (كتجربة إنسانية) تتواجد في ذروة أحوالها وجواهرها، يتعامل الروائي إذن مع جوهر أناس حقيقيين من جانب، ونتمنى وجودهم على الجانب الآخر.
والمقصود بالوصف هو استحضار شخص أو شيء، وهو في المعاجم يعني "التعريف"، بهذا التحديد ماذا نريد من الوصف في الرواية الحربية؟
أظن أن غلبة الوصف على السرد قد تعطل التنامي الدرامي، وتشعر القارئ بالقلق، بينما الوصف الواعي الذي يكتب لإضافة دلالة ما أو تمهيدًا لحدث هو الأفضل.
بالتالي يعد "الحيز" أو "المكان" من أهم ملامح الرواية الحربية. فقد نبدأ رواية ما دون أن نقرأ وصفًا لحيزها الجغرافي، ولا نقلق على فقدانه. بينما هذا الحيز يضيف دلالات ومعانٍ وخبرات إلى الكاتب والقارئ على السواء.
(الرجوع إلى كتاب "الحرب: الفكرة-التجربة-الإبداع" / السيد نجم/ س أدب الحرب- هيئة الكتاب المصرية، حيث دلالات الأزمنة والأمكنة في الروايات الحربية).
مع ذلك فإن التناول الفني والتجريبي للتجربة الحربية مشروع، وقد نجح البعض في تحقيق ذلك، والتجريب ليس مرفوضًا، حيث تعضيد الذات وتقويتها، وكشف الآخر العدواني للوثوب على نقاط ضعفه، ثم التوثيق للأجيال القادمة.
الرواية الحربية.. ما لها وما عليها?
تعتبر الرواية على رأس الفنون الآن. ربما بسبب تقنيات الرواية ذاتها، وقدرتها على التعبير والتصوير والتسجيل الفني – التسجيل من أجل المعايشة – وبالتالي مشاركة القارئ، مع ذلك هناك ما يمكن أن يعتبره البعض مأخذًا على رواية التجربة الحربية، لذا شاع مأخذان: التسجيلية وإقحام الأيديولوجيا الرسمية للدول.
*الرواية المعاصرة والتجربة الحربية حتى أكتوبر 73
توالت الأجيال: طه حسين، المنفلوطي، عباس العقاد، أحمد حسن الزيات، وغيرهم. ثم كانت مجلتا "الرواية" و"الرسالة"، وقد لعبتا دورًا مهمًّا في تشكيل وميلاد "الرواية". المتابع يكاد يخرج بنتيجة وهي: (ما كان ميلاد الرواية كشكل أدبي جديد إلا من أجل القضايا العامة والوطن).
حتى إن الشاعر "أحمد شوقي" كتب الرواية "الأميرة الفرعونية"، و"علي مبارك" كتب رواية "علم الدين"، ولا يُعرف عنهما كتابة الرواية!
لم يكن المشروع الروائي لـ"جورجي زيدان" إلا تأكيدًا على إيجابيات التاريخ العربي والإسلامي، حتى بدت الرواية عنده وكأنها تؤرخ للتجربة الحربية العربية من خلال حدوتة حب تقليدية، مع البطل "الأنموذج".
أما الروائي "يوسف أفندي حسن صبري"، فكتب رواية "فتاة الثورة العرابية" التي جعلت من مذكرات أحمد عرابي أساسًا في بناء وتشكيل روايته، مع قصة حب رومانسية للجندي الفلاح القائم على خدمة الزعيم. وتتناول رواية "عذراء دنشواي" راصدة لحادثة "دنشواي"، حيث قتل الفلاحين المصريين ظلمًا وعدوانًا من جنود الاحتلال، فكانت رواية "محمود حقي" السجل الأمين للحادثة.
يبدو ضرورة القول بأن الرواية العربية لم تعطِ نفسها للكاتب بشكل جيد فنيًّا طوال الفترة السابقة للحرب العالمية الأولى، حتى كانت الكتابات الجديدة للرواية على يد: "توفيق الحكيم"، "نجيب محفوظ"، "يحيى حقي"، "عبد الحميد جودة السحار"، "حنا مينا"، "سهيل إدريس"، "يوسف إدريس"، "فتحي غانم"، "محمود المسعدي"، "محمد الديب"، "عبد الرحمن منيف"، وغيرهم، وأكثرهم في بعض روايات نجيب محفوظ.
أما فترة الستينيات وحتى نهاية القرن العشرين، فتعد محورًا ارتكازيًّا ونقطة انطلاق إلى آفاق جديدة في الشكل والمضمون. ولم يتخلَّ الروائي عن بحثه في دهاليز هويته والبحث عن حريته وحرية الوطن. ومن كتاب تلك الفترة: "أبو المعاطي أبو النجا"، "عبد الحكيم قاسم"، "جمال الغيطاني"، "يوسف القعيد"، "عبد الحكيم قاسم"، "إبراهيم أصلان"، "صنع الله إبراهيم"، "محمد البساطي"، و"مجيد طوبيا"، "هاني الراهب"، "محمد زفزاف"، "علاء الديب"، "محمد جبريل"، "فؤاد حجازي"، وغيرهم. كما لا يمكن إغفال بعض الأسماء دون الإشارة إلى تحديد الأجيال، أمثال: "أمين ريان"، "محمد صدقي"، "محمد مستجاب"، "أحمد الشيخ"، "إبراهيم عبد المجيد"، "فؤاد قنديل"، وغيرهم ممن سقطوا أثناء القسمة الجيلية.
ثم هؤلاء أصحاب المشاريع الروائية تتسم بتضمين هموم المقاومة والتجربة الحربية، منهم: "فتحي إمبابي" في "مراعي القتل" و"نهر السماء"، مجموعة أدباء النوبة: "إدريس علي"، "حسن نور"، "يحيى مختار"، ثم "ربيع الصبروت"، و"سمير عبد الفتاح"، وكاتب هذه السطور "السيد نجم" ورواياته "أيام يوسف المنسي" و"العتبات الضيقة" و"السمان يهاجر شرقًا"، ومجموعة أدباء الإسكندرية: "سعيد سالم"، "محمود عوض عبد العال"، "مصطفى نصر"، "سعيد بكر"، "أحمد حميدة"، "رجب سعد السيد"، "حجاج أدول". ومن الكاتبات "نعمات البحيري" ورواية "منحنى النهر"، وأمينة زيدان في "نبيذ أحمر"، ولا ننسى أسماء مهمة مثل: "محمد الراوي"، و"محمد قاسم عليوة"، و"سمير الفيل"، و"أحمد عبده"، و"محمد عبد الله عيسى"، وغيرهم.
*نماذج روائية:
*رواية “الأسرى يقيمون المتاريس”.. للروائي “فؤاد حجازي”
لعل "فؤاد حجازي" من أول الروائيين الذين أعطوا للتجربة الحربية خصوصيتها على مستوى التناول الملح لموضوعاتها وملاحقتها. وهو في ذلك معبِّرًا عن جيله.
فقد كتب الروائي الروايات: "رجال وجبال ورصاص" عن تجربة حرب اليمن، ثم "الأسرى يقيمون المتاريس" حول تجربة أسر خلال معارك 67، ثم رواية "المحاصرون" حول تجربة تجدد القتال بعد أن صمتت المدافع وظن العالم (الصديق قبل العدو) أن الشعب المصري لن ينهض ثانية، فكانت سنة 1968 بداية الصحوة، أي خلال سنة دوت المدافع ثانية، وكانت الصحوة وتجربة "المحاصرون". وبعد سنوات طالت أكثر من ربع قرن، كانت روايته الجديدة حول التجربة نفسها "الرقص على طبول مصرية"، والتي تعد أنضج الروايات فنيًّا وتقنيًّا.
كما أن إخلاص الروائي للتجربة بدا في فن القصة القصيرة التي كتبها، وهي كُثُر، منها: مجموعة "سلامات".
“بشاير اليوسفي”.. للروائي رضا البهات
"حرب" الاستنزاف هي الفترة التالية لمعـارك 67 إلى منتصف عام 1970م، وقد بدأت القوات المصرية في إثبات تواجدها والتمهيد لمعركة العبور.. ومع ذلك تعد من أمجد الفترات العسكرية المصرية، وهو ما ارتبط بتوصيفها "حربًا" في حد ذاتها.
وهو ما دفع أكثر من كاتب إلى تسجيلها في أعماله، ومنهم الروائي "رضا البهات" في روايته "بشاير اليوسفي".
تقع الرواية في قسمين: "بشاير اليوسفي" و"المبدلون". يتناول الأول ثغرة الدفرسوار ثم الحصار وحرب الاستنزاف، بينما يتناول الآخر الحياة المدنية في قرية الراوي وفي القاهرة.. وجهان لعملة واحدة، مصر خلال التجربة الحربية على وجهيها العسكري والمدني.
اعتمد الروائي على تقنية: الراوي العارف.. اللوحات الوصفية المتتابعة.. البناء الدائري للرواية.
ومع القسمين تتوحد روابط قد تبدو بعيدة إلا أنها دالة.. فالراوي مشترك. واليوسفي له حكاية بين الفتيان والفتيات داخل القطار في القسم الأول، ولليوسفي مذاقه الخاص في زمن الحصار.. كان ممزوجًا بلسعة من ملوحة البحر. كما أن وصف الراوي للنيل أضاف معنى دلاليًّا، وفيه من الترميز ما أضاف إلى العمل الروائي، وإن غلبه التوتر فخاطب النيل قائلًا: "أيها النيل المتراخي... لماذا أنت مطمئن؟ أو قل.. ماذا تدبر لنا بعد؟"
تعد الرواية من أكثر روايات التجربة الحربية فنية، خالية من الصوت الزاعق، ترتكز على مجاز فني ودال، لها شكلها الفني الخاص. وإذا كانت عربة القطار وحدت بين الناس، فالمعارك وحدت بين المقاتلين، والطقوس الحياتية وحدت بين النسوة، والنيل يجري على أرض مصر.. إنها التجربة الحربية التي صنعت صنيعها.
*رواية “إسكندرية 67”.. للروائي “مصطفى نصر”
تدور أحداث تلك الرواية خلال الفترة السابقة على أحداث نكسة 1967م وما بعدها. والحدث الأساسي بها هو تسلل بعض من الضفادع البشرية من القوات الإسرائيلية والاختباء في دهاليز قلعة "قايتباي"، ثم فرارهم والاختفاء في عيادة الطبيب اليهودي "دكتور يوسف داود" بحي الأنفوشي، حتى تم القبض عليهم بعد متابعة رجال الشرطة للطبيب.
من خلال ذاك الحدث المحوري، تناول الكاتب التجربة الحربية في يونيو 67. فقد حصر الروائي الأحداث في حي الجمرك والأنفوشي.. شخصياته، وأحواله.. بل وأحوال مصر كلها من خلال أنماط من الشخصيات التي تعبر عن التجربة المصرية كلها.
الدكتور أحمد الدسوقي، وصل على التو قبل النكسة من ألمانيا بعد أن انتهى من دراساته العليا. وصل يحمل جملة الأفكار التي رفضها العامة؟
كما أن الولد "حسن" الذي يتسم بالذكاء وحسن التصرف، نجح في اكتشاف المتسللين من رجال الضفادع البشرية الإسرائيليين بالاختباء داخل القلعة التاريخية. أبلغ سكان الحي ورجال الشرطة.
وتوالت الأحداث التي شارك فيها الصبي النبيه. ثم كشف الروائي عن مجموعة من اليهود المصريين المقيمين بالإسكندرية، دكتور داود، وقد لعب دورًا في إخفاء المتسللين داخل العيادة، والدكتورة "آمال" التي تعتقد أنها مصرية وإن كانت يهودية وتشعر بالرغبة في البقاء بمصر أفضل لها من الهجرة إلى إسرائيل كما فعل غيرها. كما أن "فيكتور" اليهودي بقي بمصر وافتتح الكازينو الذي يعد بؤرة للبغاء والقمار.
تعد الرواية من روايات البطولة في التجربة الحربية، وإن كانت في ميدان غير ميدان المعارك الصريحة بالرصاص والقنابل، بطولة شعبية.
رواية “السمان يهاجر شرقًا” للروائي “السيد نجم”
تبدأ الرواية: "التففنا حول الترانزيستور لسماع بيان المفتي، علت صرخة بين أرجاء الوحدة "المستشفى الجراحي تحت الأرض رقم 5".. غدًا الأول من شهر رمضان، تبادلنا التهنئة، داعين الله بصدق: "ربنا لا يعوده علينا ونحن هنا"! ص1
وتنتهي الرواية: "اليوم سوف ينتهي الحصار اعتبارًا من ساعة حضورهم".. انشغل الجندي في حذائه، أخرج مسمارًا منها بأسنانه.. حفر هذه الجملة: "بعد مضي 134 يومًا انتهى الحصار في كبريت.... الضفة الشرقية لقناة السويس".. في الأول من مارس 1974م."
بتلك الفقرتين تبدأ وتنتهي الرواية. تلك التي بدأت مع أيام قليلة قبل السادس من أكتوبر 1973 حتى انقضاء بضعة شهور قليلة لا أكثر.
تعبر الرواية عن "تجربة الحصار"، وهي من التجارب الحربية.. ذاك الذي كان وعبر عنه الجنود حول حالتهم النفسية طوال السنوات السابقة عن بداية المعارك. أو الحصار الفعلي، بعدما عبر جنود كتيبة المشاة منطقة نقطة كبريت الحصينة واحتلوا الدشمة الحصينة للعدو، وصمدوا طوال فترة الحصار حتى تمام التحرير.
كم رصدت الرواية صورة متعددة للبطولة، حيث لا ماء ولا طعام، بل غارات جوية من العدو وطلقات مدفعية.. صمود بطولي؟