رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


رواية‭ ‬التجربة‭ ‬الحربية‭ ‬ومعارك‭ ‬النصر

5-10-2026 | 14:09


السيد نجم,


النقد‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬للرواية‭ ‬نظريتين‭: ‬نظرية‭ ‬رواية‭ ‬التحليل‭, ‬والرواية‭ ‬الموضوعية‭. ‬الأولى‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬إيضاح‭ ‬كل‭ ‬شيء‭, ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬النظرية‭ ‬الأخرى‭, ‬بينما‭ ‬نجد‭ ‬أصحاب‭ ‬النزعات‭ ‬التجديدية‭ ‬يتشككون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬متعارف‭ ‬عليه‭. ‬وهو‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تلاحظ‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬التجربة‭ ‬الحربية‭.‬
فالتجربة‭ ‬الحربية‭ ‬تتيح‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬التقني‭ ‬وتساعد،‭ ‬إنها‭ ‬تجربة‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الخاص‭/‬العام‭ ‬أو‭ ‬الأنا‭/‬الجماعة‭. ‬وقد‭ ‬ذهب‭ "‬رولان‭ ‬بارت‭" ‬إلى‭: ‬الرواية‭ ‬عمل‭ ‬قابل‭ ‬للتكيف‭ ‬مع‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتبدو‭ ‬كأنها‭ ‬مؤسسة‭ ‬أدبية‭ ‬ثابتة‭ ‬الكيان‭. ‬لعله‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الرواية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الجماعات‭ ‬وأنها‭ ‬بالتالي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأشكال‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬صفة‭ "‬الاجتماعي‭".‬
الرواية‭ ‬فعل‭ ‬مقاومي‭/‬حربي
شاركت‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬الجمعية‭ ‬المقاومة‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬عرفتها‭ ‬العربية‭ ‬بشكلها‭ ‬المعاصر‭. ‬وقد‭ ‬ادُّعي‭ ‬أن‭ ‬نشأة‭ ‬الفن‭ ‬الروائي‭ ‬لم‭ ‬تنضح‭ ‬إلا‭ ‬بوازع‭ "‬المقاومة‭ ‬والتجربة‭ ‬الحربية‭". ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬جليًّا‭ ‬لمتابع‭ ‬الروايات‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ "‬جرحى‭ ‬زيدان‭" ‬لم‭ ‬يكتب‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ (‬وبصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬البعد‭ ‬الفني‭ ‬للرواية‭ ‬بالمفهوم‭ ‬الحالي‭)‬،‭ ‬وغيره‭ ‬مثل‭ ‬رواية‭ "‬فتاة‭ ‬الثورة‭ ‬العرابية‭" ‬ليوسف‭ ‬أفندي‭ ‬حسن‭ ‬صبري،‭ ‬ورواية‭ "‬عذراء‭ ‬دنشواي‭" ‬لمحمود‭ ‬طاهر‭ ‬حقي،‭ ‬وغيرها‭.‬
المتابع‭ ‬لتقنيات‭ ‬وأشكال‭ "‬الرواية‭" ‬حتمًا‭ ‬سيتوقف‭ ‬أمام‭ ‬تلك‭ ‬التعددية‭ ‬والثراء‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬عليها‭ ‬الرواية‭ ‬بمضي‭ ‬الوقت‭ ‬بفضل‭ ‬التجربة‭ ‬الحربية،‭ ‬حيث‭ ‬أحداث‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية،‭ ‬ونتائج‭ ‬إلقاء‭ ‬القنبلة‭ ‬الذرية‭ ‬على‭ ‬اليابان،‭ ‬ويشير‭ ‬البحث‭ ‬الفني‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬لا‭ ‬ينكر‭ ‬لمعركة‭ ‬الثورة‭ ‬الجزائرية‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬الفرنسية‭ ‬وتعدد‭ ‬أطوارها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭.‬
الرواية‭ ‬الحربية‭..‬
يعد‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأنواع‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر،‭ ‬نظرًا‭ ‬للظروف‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬بلدان‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭. ‬منذ‭ ‬الكفاح‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التحرر‭ ‬الوطني‭ ‬من‭ ‬الاستعمار،‭ ‬ومع‭ ‬تلك‭ ‬الحروب‭ ‬العالمية‭ ‬والإقليمية‭ ‬التي‭ ‬اشتعلت‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬المنطقة‭: ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية،‭ ‬حروب‭ ‬التحرر‭ ‬الوطني،‭ ‬معارك‭ ‬48‭ ‬و56‭ ‬و67‭ ‬ثم‭ ‬73،‭ ‬حروب‭ ‬الخليج‭ ‬الثلاث‭ ‬خلال‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ (‬تقريبًا‭): ‬العراق‭/‬إيران،‭ ‬العراق‭/‬الكويت،‭ ‬غزو‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وبريطانيا‭ ‬للعراق‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬معارك‭ ‬أخرى‭ ‬تشتعل‭ ‬في‭ ‬السودان،‭ ‬وبين‭ ‬إريتريا‭ ‬وإثيوبيا،‭ ‬والصومال‭ ‬وجيرانها،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬منطقة‭ ‬شمال‭ ‬العراق‭ (‬الأكراد‭)‬،‭ ‬ومنطقة‭ ‬الصحراء‭ ‬مع‭ ‬المغرب،‭ ‬وغيرها‭! ‬‭*‬هل‭ ‬للرواية‭ ‬الحربية‭ ‬تقنية‭ ‬ومواصفات‭ ‬خاصة‭ ‬فنيًّا‭?‬
‭.. ‬لقد‭ ‬حكموا‭ ‬على‭ ‬الروائي‭ ‬الذي‭ ‬يكتب‭ ‬الرواية‭ ‬التقليدية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬العهد‭ ‬بالفن‭ ‬الروائي‭ ‬وحتى‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬اتهموه‭ ‬بأنه‭ ‬يكتب‭ "‬التاريخ‭".‬
ومع‭ ‬بشائر‭ ‬اقتحام‭ ‬عالم‭ ‬الرواية‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬باتت‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬الشخصية‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬كائن‭ ‬ورقي،‭ ‬ثم‭ ‬كتبها‭ "‬كافكا‭" ‬رمزًا‭ ‬أو‭ ‬حرفًا‭ ‬واحدًا‭ ‬في‭ ‬رواية‭ (‬القصر‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬جعلها‭ ‬بلا‭ ‬اسم‭ ‬في‭ ‬رواية‭ (‬المحاكمة‭)‬،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الشخصيات‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬الاغتراب‭ ‬والتناقض‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬النفي،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ "‬بيكيت‭".‬
هنا‭ ‬تبدو‭ ‬علاقة‭ ‬الرواية‭ (‬الحربية‭) ‬بالشخصية‭/‬الشخصيات‭/‬الأبطال‭ ‬بالمعنى‭ ‬الفني‭ ‬والأيديولوجي،‭ ‬علاقة‭ ‬مركبة‭: ‬فالحرب‭ (‬الإعداد‭ ‬لها‭- ‬أثناءها‭ ‬–‭ ‬بعدها‭) ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تضمنه‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬ومؤثرات‭ ‬خاصة‭ ‬جدًّا،‭ ‬تبدو‭ ‬وحدها‭ "‬شخصية‭" ‬لها‭ ‬وجودها‭ ‬الطاغي،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬نصفها‭ ‬بأوصاف‭ ‬البشر‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬شخصيات‭ ‬التجربة‭ ‬الحربية‭ (‬كتجربة‭ ‬إنسانية‭) ‬تتواجد‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬أحوالها‭ ‬وجواهرها،‭ ‬يتعامل‭ ‬الروائي‭ ‬إذن‭ ‬مع‭ ‬جوهر‭ ‬أناس‭ ‬حقيقيين‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ونتمنى‭ ‬وجودهم‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭.‬
والمقصود‭ ‬بالوصف‭ ‬هو‭ ‬استحضار‭ ‬شخص‭ ‬أو‭ ‬شيء،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬المعاجم‭ ‬يعني‭ "‬التعريف‭"‬،‭ ‬بهذا‭ ‬التحديد‭ ‬ماذا‭ ‬نريد‭ ‬من‭ ‬الوصف‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬الحربية؟
أظن‭ ‬أن‭ ‬غلبة‭ ‬الوصف‭ ‬على‭ ‬السرد‭ ‬قد‭ ‬تعطل‭ ‬التنامي‭ ‬الدرامي،‭ ‬وتشعر‭ ‬القارئ‭ ‬بالقلق،‭ ‬بينما‭ ‬الوصف‭ ‬الواعي‭ ‬الذي‭ ‬يكتب‭ ‬لإضافة‭ ‬دلالة‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬تمهيدًا‭ ‬لحدث‭ ‬هو‭ ‬الأفضل‭.‬
بالتالي‭ ‬يعد‭ "‬الحيز‭" ‬أو‭ "‬المكان‭" ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ملامح‭ ‬الرواية‭ ‬الحربية‭. ‬فقد‭ ‬نبدأ‭ ‬رواية‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نقرأ‭ ‬وصفًا‭ ‬لحيزها‭ ‬الجغرافي،‭ ‬ولا‭ ‬نقلق‭ ‬على‭ ‬فقدانه‭. ‬بينما‭ ‬هذا‭ ‬الحيز‭ ‬يضيف‭ ‬دلالات‭ ‬ومعانٍ‭ ‬وخبرات‭ ‬إلى‭ ‬الكاتب‭ ‬والقارئ‭ ‬على‭ ‬السواء‭.‬
‭(‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬كتاب‭ "‬الحرب‭: ‬الفكرة‭-‬التجربة‭-‬الإبداع‭" / ‬السيد‭ ‬نجم‭/ ‬س‭ ‬أدب‭ ‬الحرب‭- ‬هيئة‭ ‬الكتاب‭ ‬المصرية،‭ ‬حيث‭ ‬دلالات‭ ‬الأزمنة‭ ‬والأمكنة‭ ‬في‭ ‬الروايات‭ ‬الحربية‭).‬
مع‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬التناول‭ ‬الفني‭ ‬والتجريبي‭ ‬للتجربة‭ ‬الحربية‭ ‬مشروع،‭ ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك،‭ ‬والتجريب‭ ‬ليس‭ ‬مرفوضًا،‭ ‬حيث‭ ‬تعضيد‭ ‬الذات‭ ‬وتقويتها،‭ ‬وكشف‭ ‬الآخر‭ ‬العدواني‭ ‬للوثوب‭ ‬على‭ ‬نقاط‭ ‬ضعفه،‭ ‬ثم‭ ‬التوثيق‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭.‬
الرواية‭ ‬الحربية‭.. ‬ما‭ ‬لها‭ ‬وما‭ ‬عليها‭?‬
تعتبر‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الفنون‭ ‬الآن‭. ‬ربما‭ ‬بسبب‭ ‬تقنيات‭ ‬الرواية‭ ‬ذاتها،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التعبير‭ ‬والتصوير‭ ‬والتسجيل‭ ‬الفني‭ ‬–‭ ‬التسجيل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المعايشة‭ ‬–‭ ‬وبالتالي‭ ‬مشاركة‭ ‬القارئ،‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعتبره‭ ‬البعض‭ ‬مأخذًا‭ ‬على‭ ‬رواية‭ ‬التجربة‭ ‬الحربية،‭ ‬لذا‭ ‬شاع‭ ‬مأخذان‭: ‬التسجيلية‭ ‬وإقحام‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الرسمية‭ ‬للدول‭.‬
‭*‬الرواية‭ ‬المعاصرة‭ ‬والتجربة‭ ‬الحربية‭ ‬حتى‭ ‬أكتوبر‭ ‬73
توالت‭ ‬الأجيال‭: ‬طه‭ ‬حسين،‭ ‬المنفلوطي،‭ ‬عباس‭ ‬العقاد،‭ ‬أحمد‭ ‬حسن‭ ‬الزيات،‭ ‬وغيرهم‭. ‬ثم‭ ‬كانت‭ ‬مجلتا‭ "‬الرواية‭" ‬و‭"‬الرسالة‭"‬،‭ ‬وقد‭ ‬لعبتا‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وميلاد‭ "‬الرواية‭". ‬المتابع‭ ‬يكاد‭ ‬يخرج‭ ‬بنتيجة‭ ‬وهي‭: (‬ما‭ ‬كان‭ ‬ميلاد‭ ‬الرواية‭ ‬كشكل‭ ‬أدبي‭ ‬جديد‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬القضايا‭ ‬العامة‭ ‬والوطن‭).‬
حتى‭ ‬إن‭ ‬الشاعر‭ "‬أحمد‭ ‬شوقي‭" ‬كتب‭ ‬الرواية‭ "‬الأميرة‭ ‬الفرعونية‭"‬،‭ ‬و‭"‬علي‭ ‬مبارك‭" ‬كتب‭ ‬رواية‭ "‬علم‭ ‬الدين‭"‬،‭ ‬ولا‭ ‬يُعرف‭ ‬عنهما‭ ‬كتابة‭ ‬الرواية‭!‬
لم‭ ‬يكن‭ ‬المشروع‭ ‬الروائي‭ ‬لـ‭"‬جورجي‭ ‬زيدان‭" ‬إلا‭ ‬تأكيدًا‭ ‬على‭ ‬إيجابيات‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬حتى‭ ‬بدت‭ ‬الرواية‭ ‬عنده‭ ‬وكأنها‭ ‬تؤرخ‭ ‬للتجربة‭ ‬الحربية‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حدوتة‭ ‬حب‭ ‬تقليدية،‭ ‬مع‭ ‬البطل‭ "‬الأنموذج‭".‬
أما‭ ‬الروائي‭ "‬يوسف‭ ‬أفندي‭ ‬حسن‭ ‬صبري‭"‬،‭ ‬فكتب‭ ‬رواية‭ "‬فتاة‭ ‬الثورة‭ ‬العرابية‭" ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬مذكرات‭ ‬أحمد‭ ‬عرابي‭ ‬أساسًا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وتشكيل‭ ‬روايته،‭ ‬مع‭ ‬قصة‭ ‬حب‭ ‬رومانسية‭ ‬للجندي‭ ‬الفلاح‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬الزعيم‭. ‬وتتناول‭ ‬رواية‭ "‬عذراء‭ ‬دنشواي‭" ‬راصدة‭ ‬لحادثة‭ "‬دنشواي‭"‬،‭ ‬حيث‭ ‬قتل‭ ‬الفلاحين‭ ‬المصريين‭ ‬ظلمًا‭ ‬وعدوانًا‭ ‬من‭ ‬جنود‭ ‬الاحتلال،‭ ‬فكانت‭ ‬رواية‭ "‬محمود‭ ‬حقي‭" ‬السجل‭ ‬الأمين‭ ‬للحادثة‭.‬
يبدو‭ ‬ضرورة‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬لم‭ ‬تعطِ‭ ‬نفسها‭ ‬للكاتب‭ ‬بشكل‭ ‬جيد‭ ‬فنيًّا‭ ‬طوال‭ ‬الفترة‭ ‬السابقة‭ ‬للحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬حتى‭ ‬كانت‭ ‬الكتابات‭ ‬الجديدة‭ ‬للرواية‭ ‬على‭ ‬يد‭: "‬توفيق‭ ‬الحكيم‭"‬،‭ "‬نجيب‭ ‬محفوظ‭"‬،‭ "‬يحيى‭ ‬حقي‭"‬،‭ "‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬جودة‭ ‬السحار‭"‬،‭ "‬حنا‭ ‬مينا‭"‬،‭ "‬سهيل‭ ‬إدريس‭"‬،‭ "‬يوسف‭ ‬إدريس‭"‬،‭ "‬فتحي‭ ‬غانم‭"‬،‭ "‬محمود‭ ‬المسعدي‭"‬،‭ "‬محمد‭ ‬الديب‭"‬،‭ "‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬منيف‭"‬،‭ ‬وغيرهم،‭ ‬وأكثرهم‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬روايات‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭.‬
أما‭ ‬فترة‭ ‬الستينيات‭ ‬وحتى‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬فتعد‭ ‬محورًا‭ ‬ارتكازيًّا‭ ‬ونقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬إلى‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬والمضمون‭. ‬ولم‭ ‬يتخلَّ‭ ‬الروائي‭ ‬عن‭ ‬بحثه‭ ‬في‭ ‬دهاليز‭ ‬هويته‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬حريته‭ ‬وحرية‭ ‬الوطن‭. ‬ومن‭ ‬كتاب‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭: "‬أبو‭ ‬المعاطي‭ ‬أبو‭ ‬النجا‭"‬،‭ "‬عبد‭ ‬الحكيم‭ ‬قاسم‭"‬،‭ "‬جمال‭ ‬الغيطاني‭"‬،‭ "‬يوسف‭ ‬القعيد‭"‬،‭ "‬عبد‭ ‬الحكيم‭ ‬قاسم‭"‬،‭ "‬إبراهيم‭ ‬أصلان‭"‬،‭ "‬صنع‭ ‬الله‭ ‬إبراهيم‭"‬،‭ "‬محمد‭ ‬البساطي‭"‬،‭ ‬و‭"‬مجيد‭ ‬طوبيا‭"‬،‭ "‬هاني‭ ‬الراهب‭"‬،‭ "‬محمد‭ ‬زفزاف‭"‬،‭ "‬علاء‭ ‬الديب‭"‬،‭ "‬محمد‭ ‬جبريل‭"‬،‭ "‬فؤاد‭ ‬حجازي‭"‬،‭ ‬وغيرهم‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬بعض‭ ‬الأسماء‭ ‬دون‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬الأجيال،‭ ‬أمثال‭: "‬أمين‭ ‬ريان‭"‬،‭ "‬محمد‭ ‬صدقي‭"‬،‭ "‬محمد‭ ‬مستجاب‭"‬،‭ "‬أحمد‭ ‬الشيخ‭"‬،‭ "‬إبراهيم‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭"‬،‭ "‬فؤاد‭ ‬قنديل‭"‬،‭ ‬وغيرهم‭ ‬ممن‭ ‬سقطوا‭ ‬أثناء‭ ‬القسمة‭ ‬الجيلية‭.‬
ثم‭ ‬هؤلاء‭ ‬أصحاب‭ ‬المشاريع‭ ‬الروائية‭ ‬تتسم‭ ‬بتضمين‭ ‬هموم‭ ‬المقاومة‭ ‬والتجربة‭ ‬الحربية،‭ ‬منهم‭: "‬فتحي‭ ‬إمبابي‭" ‬في‭ "‬مراعي‭ ‬القتل‭" ‬و‭"‬نهر‭ ‬السماء‭"‬،‭ ‬مجموعة‭ ‬أدباء‭ ‬النوبة‭: "‬إدريس‭ ‬علي‭"‬،‭ "‬حسن‭ ‬نور‭"‬،‭ "‬يحيى‭ ‬مختار‭"‬،‭ ‬ثم‭ "‬ربيع‭ ‬الصبروت‭"‬،‭ ‬و‭"‬سمير‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭"‬،‭ ‬وكاتب‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ "‬السيد‭ ‬نجم‭" ‬ورواياته‭ "‬أيام‭ ‬يوسف‭ ‬المنسي‭" ‬و‭"‬العتبات‭ ‬الضيقة‭" ‬و‭"‬السمان‭ ‬يهاجر‭ ‬شرقًا‭"‬،‭ ‬ومجموعة‭ ‬أدباء‭ ‬الإسكندرية‭: "‬سعيد‭ ‬سالم‭"‬،‭ "‬محمود‭ ‬عوض‭ ‬عبد‭ ‬العال‭"‬،‭ "‬مصطفى‭ ‬نصر‭"‬،‭ "‬سعيد‭ ‬بكر‭"‬،‭ "‬أحمد‭ ‬حميدة‭"‬،‭ "‬رجب‭ ‬سعد‭ ‬السيد‭"‬،‭ "‬حجاج‭ ‬أدول‭". ‬ومن‭ ‬الكاتبات‭ "‬نعمات‭ ‬البحيري‭" ‬ورواية‭ "‬منحنى‭ ‬النهر‭"‬،‭ ‬وأمينة‭ ‬زيدان‭ ‬في‭ "‬نبيذ‭ ‬أحمر‭"‬،‭ ‬ولا‭ ‬ننسى‭ ‬أسماء‭ ‬مهمة‭ ‬مثل‭: "‬محمد‭ ‬الراوي‭"‬،‭ ‬و‭"‬محمد‭ ‬قاسم‭ ‬عليوة‭"‬،‭ ‬و‭"‬سمير‭ ‬الفيل‭"‬،‭ ‬و‭"‬أحمد‭ ‬عبده‭"‬،‭ ‬و‭"‬محمد‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬عيسى‭"‬،‭ ‬وغيرهم‭.‬
‭*‬نماذج‭ ‬روائية‭:‬
‭*‬رواية‭ ‬“الأسرى‭ ‬يقيمون‭ ‬المتاريس”‭.. ‬للروائي‭ ‬“فؤاد‭ ‬حجازي”
لعل‭ "‬فؤاد‭ ‬حجازي‭" ‬من‭ ‬أول‭ ‬الروائيين‭ ‬الذين‭ ‬أعطوا‭ ‬للتجربة‭ ‬الحربية‭ ‬خصوصيتها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التناول‭ ‬الملح‭ ‬لموضوعاتها‭ ‬وملاحقتها‭. ‬وهو‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬معبِّرًا‭ ‬عن‭ ‬جيله‭.‬
فقد‭ ‬كتب‭ ‬الروائي‭ ‬الروايات‭: "‬رجال‭ ‬وجبال‭ ‬ورصاص‭" ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬حرب‭ ‬اليمن،‭ ‬ثم‭ "‬الأسرى‭ ‬يقيمون‭ ‬المتاريس‭" ‬حول‭ ‬تجربة‭ ‬أسر‭ ‬خلال‭ ‬معارك‭ ‬67،‭ ‬ثم‭ ‬رواية‭ "‬المحاصرون‭" ‬حول‭ ‬تجربة‭ ‬تجدد‭ ‬القتال‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صمتت‭ ‬المدافع‭ ‬وظن‭ ‬العالم‭ (‬الصديق‭ ‬قبل‭ ‬العدو‭) ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬لن‭ ‬ينهض‭ ‬ثانية،‭ ‬فكانت‭ ‬سنة‭ ‬1968‭ ‬بداية‭ ‬الصحوة،‭ ‬أي‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬دوت‭ ‬المدافع‭ ‬ثانية،‭ ‬وكانت‭ ‬الصحوة‭ ‬وتجربة‭ "‬المحاصرون‭". ‬وبعد‭ ‬سنوات‭ ‬طالت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬قرن،‭ ‬كانت‭ ‬روايته‭ ‬الجديدة‭ ‬حول‭ ‬التجربة‭ ‬نفسها‭ "‬الرقص‭ ‬على‭ ‬طبول‭ ‬مصرية‭"‬،‭ ‬والتي‭ ‬تعد‭ ‬أنضج‭ ‬الروايات‭ ‬فنيًّا‭ ‬وتقنيًّا‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬إخلاص‭ ‬الروائي‭ ‬للتجربة‭ ‬بدا‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬التي‭ ‬كتبها،‭ ‬وهي‭ ‬كُثُر،‭ ‬منها‭: ‬مجموعة‭ "‬سلامات‭".‬
“بشاير‭ ‬اليوسفي”‭.. ‬للروائي‭ ‬رضا‭ ‬البهات
‭"‬حرب‭" ‬الاستنزاف‭ ‬هي‭ ‬الفترة‭ ‬التالية‭ ‬لمعـارك‭ ‬67‭ ‬إلى‭ ‬منتصف‭ ‬عام‭ ‬1970م،‭ ‬وقد‭ ‬بدأت‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬إثبات‭ ‬تواجدها‭ ‬والتمهيد‭ ‬لمعركة‭ ‬العبور‭.. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أمجد‭ ‬الفترات‭ ‬العسكرية‭ ‬المصرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ارتبط‭ ‬بتوصيفها‭ "‬حربًا‭" ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭.‬
وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كاتب‭ ‬إلى‭ ‬تسجيلها‭ ‬في‭ ‬أعماله،‭ ‬ومنهم‭ ‬الروائي‭ "‬رضا‭ ‬البهات‭" ‬في‭ ‬روايته‭ "‬بشاير‭ ‬اليوسفي‭".‬
تقع‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬قسمين‭: "‬بشاير‭ ‬اليوسفي‭" ‬و‭"‬المبدلون‭". ‬يتناول‭ ‬الأول‭ ‬ثغرة‭ ‬الدفرسوار‭ ‬ثم‭ ‬الحصار‭ ‬وحرب‭ ‬الاستنزاف،‭ ‬بينما‭ ‬يتناول‭ ‬الآخر‭ ‬الحياة‭ ‬المدنية‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬الراوي‭ ‬وفي‭ ‬القاهرة‭.. ‬وجهان‭ ‬لعملة‭ ‬واحدة،‭ ‬مصر‭ ‬خلال‭ ‬التجربة‭ ‬الحربية‭ ‬على‭ ‬وجهيها‭ ‬العسكري‭ ‬والمدني‭.‬
اعتمد‭ ‬الروائي‭ ‬على‭ ‬تقنية‭: ‬الراوي‭ ‬العارف‭.. ‬اللوحات‭ ‬الوصفية‭ ‬المتتابعة‭.. ‬البناء‭ ‬الدائري‭ ‬للرواية‭.‬
ومع‭ ‬القسمين‭ ‬تتوحد‭ ‬روابط‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬بعيدة‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬دالة‭.. ‬فالراوي‭ ‬مشترك‭. ‬واليوسفي‭ ‬له‭ ‬حكاية‭ ‬بين‭ ‬الفتيان‭ ‬والفتيات‭ ‬داخل‭ ‬القطار‭ ‬في‭ ‬القسم‭ ‬الأول،‭ ‬ولليوسفي‭ ‬مذاقه‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحصار‭.. ‬كان‭ ‬ممزوجًا‭ ‬بلسعة‭ ‬من‭ ‬ملوحة‭ ‬البحر‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وصف‭ ‬الراوي‭ ‬للنيل‭ ‬أضاف‭ ‬معنى‭ ‬دلاليًّا،‭ ‬وفيه‭ ‬من‭ ‬الترميز‭ ‬ما‭ ‬أضاف‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬الروائي،‭ ‬وإن‭ ‬غلبه‭ ‬التوتر‭ ‬فخاطب‭ ‬النيل‭ ‬قائلًا‭: "‬أيها‭ ‬النيل‭ ‬المتراخي‭... ‬لماذا‭ ‬أنت‭ ‬مطمئن؟‭ ‬أو‭ ‬قل‭.. ‬ماذا‭ ‬تدبر‭ ‬لنا‭ ‬بعد؟‭"‬
تعد‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬روايات‭ ‬التجربة‭ ‬الحربية‭ ‬فنية،‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الصوت‭ ‬الزاعق،‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ ‬مجاز‭ ‬فني‭ ‬ودال،‭ ‬لها‭ ‬شكلها‭ ‬الفني‭ ‬الخاص‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬عربة‭ ‬القطار‭ ‬وحدت‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬فالمعارك‭ ‬وحدت‭ ‬بين‭ ‬المقاتلين،‭ ‬والطقوس‭ ‬الحياتية‭ ‬وحدت‭ ‬بين‭ ‬النسوة،‭ ‬والنيل‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬مصر‭.. ‬إنها‭ ‬التجربة‭ ‬الحربية‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬صنيعها‭.‬
‭*‬رواية‭ ‬“إسكندرية‭ ‬67”‭.. ‬للروائي‭ ‬“مصطفى‭ ‬نصر”
تدور‭ ‬أحداث‭ ‬تلك‭ ‬الرواية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬أحداث‭ ‬نكسة‭ ‬1967م‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭. ‬والحدث‭ ‬الأساسي‭ ‬بها‭ ‬هو‭ ‬تسلل‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬الضفادع‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والاختباء‭ ‬في‭ ‬دهاليز‭ ‬قلعة‭ "‬قايتباي‭"‬،‭ ‬ثم‭ ‬فرارهم‭ ‬والاختفاء‭ ‬في‭ ‬عيادة‭ ‬الطبيب‭ ‬اليهودي‭ "‬دكتور‭ ‬يوسف‭ ‬داود‭" ‬بحي‭ ‬الأنفوشي،‭ ‬حتى‭ ‬تم‭ ‬القبض‭ ‬عليهم‭ ‬بعد‭ ‬متابعة‭ ‬رجال‭ ‬الشرطة‭ ‬للطبيب‭.‬
من‭ ‬خلال‭ ‬ذاك‭ ‬الحدث‭ ‬المحوري،‭ ‬تناول‭ ‬الكاتب‭ ‬التجربة‭ ‬الحربية‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬67‭. ‬فقد‭ ‬حصر‭ ‬الروائي‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الجمرك‭ ‬والأنفوشي‭.. ‬شخصياته،‭ ‬وأحواله‭.. ‬بل‭ ‬وأحوال‭ ‬مصر‭ ‬كلها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أنماط‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬التجربة‭ ‬المصرية‭ ‬كلها‭.‬
الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬الدسوقي،‭ ‬وصل‭ ‬على‭ ‬التو‭ ‬قبل‭ ‬النكسة‭ ‬من‭ ‬ألمانيا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انتهى‭ ‬من‭ ‬دراساته‭ ‬العليا‭. ‬وصل‭ ‬يحمل‭ ‬جملة‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬رفضها‭ ‬العامة؟
كما‭ ‬أن‭ ‬الولد‭ "‬حسن‭" ‬الذي‭ ‬يتسم‭ ‬بالذكاء‭ ‬وحسن‭ ‬التصرف،‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬المتسللين‭ ‬من‭ ‬رجال‭ ‬الضفادع‭ ‬البشرية‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬بالاختباء‭ ‬داخل‭ ‬القلعة‭ ‬التاريخية‭. ‬أبلغ‭ ‬سكان‭ ‬الحي‭ ‬ورجال‭ ‬الشرطة‭.‬
وتوالت‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬شارك‭ ‬فيها‭ ‬الصبي‭ ‬النبيه‭. ‬ثم‭ ‬كشف‭ ‬الروائي‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬اليهود‭ ‬المصريين‭ ‬المقيمين‭ ‬بالإسكندرية،‭ ‬دكتور‭ ‬داود،‭ ‬وقد‭ ‬لعب‭ ‬دورًا‭ ‬في‭ ‬إخفاء‭ ‬المتسللين‭ ‬داخل‭ ‬العيادة،‭ ‬والدكتورة‭ "‬آمال‭" ‬التي‭ ‬تعتقد‭ ‬أنها‭ ‬مصرية‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬يهودية‭ ‬وتشعر‭ ‬بالرغبة‭ ‬في‭ ‬البقاء‭ ‬بمصر‭ ‬أفضل‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬الهجرة‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬غيرها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ "‬فيكتور‭" ‬اليهودي‭ ‬بقي‭ ‬بمصر‭ ‬وافتتح‭ ‬الكازينو‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬بؤرة‭ ‬للبغاء‭ ‬والقمار‭.‬
تعد‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬روايات‭ ‬البطولة‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬الحربية،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬غير‭ ‬ميدان‭ ‬المعارك‭ ‬الصريحة‭ ‬بالرصاص‭ ‬والقنابل،‭ ‬بطولة‭ ‬شعبية‭.‬
رواية‭ ‬“السمان‭ ‬يهاجر‭ ‬شرقًا”‭ ‬للروائي‭ ‬“السيد‭ ‬نجم”
تبدأ‭ ‬الرواية‭: "‬التففنا‭ ‬حول‭ ‬الترانزيستور‭ ‬لسماع‭ ‬بيان‭ ‬المفتي،‭ ‬علت‭ ‬صرخة‭ ‬بين‭ ‬أرجاء‭ ‬الوحدة‭ "‬المستشفى‭ ‬الجراحي‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬رقم‭ ‬5‭".. ‬غدًا‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬تبادلنا‭ ‬التهنئة،‭ ‬داعين‭ ‬الله‭ ‬بصدق‭: "‬ربنا‭ ‬لا‭ ‬يعوده‭ ‬علينا‭ ‬ونحن‭ ‬هنا‭"! ‬ص1
وتنتهي‭ ‬الرواية‭: "‬اليوم‭ ‬سوف‭ ‬ينتهي‭ ‬الحصار‭ ‬اعتبارًا‭ ‬من‭ ‬ساعة‭ ‬حضورهم‭".. ‬انشغل‭ ‬الجندي‭ ‬في‭ ‬حذائه،‭ ‬أخرج‭ ‬مسمارًا‭ ‬منها‭ ‬بأسنانه‭.. ‬حفر‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭: "‬بعد‭ ‬مضي‭ ‬134‭ ‬يومًا‭ ‬انتهى‭ ‬الحصار‭ ‬في‭ ‬كبريت‭.... ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭ ‬لقناة‭ ‬السويس‭".. ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬مارس‭ ‬1974م‭."‬
بتلك‭ ‬الفقرتين‭ ‬تبدأ‭ ‬وتنتهي‭ ‬الرواية‭. ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬قبل‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬حتى‭ ‬انقضاء‭ ‬بضعة‭ ‬شهور‭ ‬قليلة‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭.‬
تعبر‭ ‬الرواية‭ ‬عن‭ "‬تجربة‭ ‬الحصار‭"‬،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الحربية‭.. ‬ذاك‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬وعبر‭ ‬عنه‭ ‬الجنود‭ ‬حول‭ ‬حالتهم‭ ‬النفسية‭ ‬طوال‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭ ‬عن‭ ‬بداية‭ ‬المعارك‭. ‬أو‭ ‬الحصار‭ ‬الفعلي،‭ ‬بعدما‭ ‬عبر‭ ‬جنود‭ ‬كتيبة‭ ‬المشاة‭ ‬منطقة‭ ‬نقطة‭ ‬كبريت‭ ‬الحصينة‭ ‬واحتلوا‭ ‬الدشمة‭ ‬الحصينة‭ ‬للعدو،‭ ‬وصمدوا‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬الحصار‭ ‬حتى‭ ‬تمام‭ ‬التحرير‭.‬
كم‭ ‬رصدت‭ ‬الرواية‭ ‬صورة‭ ‬متعددة‭ ‬للبطولة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬ماء‭ ‬ولا‭ ‬طعام،‭ ‬بل‭ ‬غارات‭ ‬جوية‭ ‬من‭ ‬العدو‭ ‬وطلقات‭ ‬مدفعية‭.. ‬صمود‭ ‬بطولي؟