مدينة السويس أيقونة تجسد مدى عشق التاريخ لبعض المدن, حيث نشأت في الأسرة الخامسة من تاريخ مصر القديم, وحملت اسم القلزم نسبة إلى بحر القلزم, الذي حمل بعد ذلك اسم البحر الأحمر. ومع توالي الحقب والعصور راحت السويس تزداد أهمية وألقًا, فعلى سبيل المثال, لا الحصر, عندما دخل الإسلام مصر, تحولت السويس إلى واحدة من أهم محطات الحجيج في الطريق إلى الأراضي المقدسة بالحجاز. وعندما حكم محمد علي مصر, تحولت السويس إلى المركز الرئيس لصناعة سفن الأسطول المصري التجاري والحربي. وعندما قامت ثورة يوليو بقيادة جمال عبد الناصر, تحولت السويس إلى قلعة عملاقة من قلاع الصناعة المصرية, وخاصة في صناعات البترول والأسمدة.
وهكذا تزداد أهمية مدينة السويس مع مرور الحقب والسنوات، ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول بموقعها الفريد إلى قلعة عسكرية للدفاع عن مصر، خاصة وأنها جزء مهم من بوابة مصر الأهم التي تمثل سيناء ومنطقة القناة، تلك البوابة التي شهدت الغالبية العظمى من الغزوات ضد مصر والفتوحات المصرية خارج أراضيها.
ولم يكن غريبًا أيضًا أن يحمل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 اسم حرب السويس، رغم أن العدوان قد تركز بشكل أساس على مدينة بورسعيد، ولكن هذا العدوان قد تم بعد أن قامت مصر بتأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956، تلك القناة التي تؤكد عشق التاريخ لهذه المدينة، حيث حملت القناة الأهم في العالم اسم السويس.
وقد برزت بطولات أبناء السويس بشكل لافت ومؤثر خلال حربي الاستنزاف وأكتوبر، حيث تمتع شباب السويس بكثير من الثقافة والوعي وممارسة العمل السياسي.
ولذلك اتسموا بكثير من سرعة التلبية والشجاعة، فعندما حدث عدوان الخامس من يونيه 1967، وأصدر المشير عبدالحكيم عامر قرار الانسحاب الخاطئ، اتجه شباب السويس بشكل فوري إلى شاطئ القناة، ونزلوا بمراكبهم الصغيرة للعمل على استقبال وإنقاذ الجنود العائدين من معركة لم يخوضوها.
وراح هذا الشباب الواعي يقوم بعمليات الإسعافات الأولية لمن يحتاج إليها، ونقل المصابين إلى مستشفى السويس، وكتابة الخطابات التي تطمئن الأهل في كل ربوع مصر. ولم يكتفِ شباب السويس بكل هذا، ولكنهم قاموا على الفور بتقسيم أنفسهم إلى مجموعات للمقاومة الشعبية لحراسة الأماكن الحيوية في المدينة: ميناء السويس وميناء الأدبية ومبنى المحافظة، إلخ.
وكانت المبادرة الأهم فيما فعله الكابتن غزال (محمد أحمد غزال)، الشاعر وعازف السمسمية والملحن، وأحد الكوادر السياسية المهمة بالمدينة، حيث سارع إلى تكوين فرقة السمسمية بعنوان (ولاد الأرض)، وضم إليها الكثير من أبطال المقاومة الشعبية، ليجسد المعنى الرائع (يد تعزف ويد تحمل السلاح). وراح غزالي يكتب عشرات الأغاني الوطنية الحماسية التي حققت نجاحات مدوية في كل ربوع مصر، فتم استنساخها من خلال عشرات الفرق، ففي الإسماعيلية فرقة الصامدين بقيادة حافظ الصادق، وفي بورسعيد فرقة شباب النصر بقيادة كامل عيد، وفي رأس البر فرقة شباب البحر بقيادة إبراهيم الباني، وفي القاهرة فرقة أخرى بقيادة عبد الرحمن عرنوس، وراح شباب مدن القناة الذين تم تهجيرهم إلى عدد من محافظات مصر حتى لا يستخدمهم العدو ورقة ضغط، خاصة بعد اشتعال حرب الاستنزاف وتكبيد قوات العدو خسائر فادحة في المعدات والأرواح، يعملون على تكوين فرق صغيرة تغني على السمسمية أغاني كابتن غزال، تلك الأغاني التي دفعت إدارة الشئون المعنوية بالجيش لأخذ غزالي وفرقته ليغنوا للجنود على خط المواجهة، تلك الأغاني التي ترفع الروح المعنوية وتبث الحماس في وجدان الجنود، ويكفي ما قاله غزالي في أغنيته الرائعة «فات الكثير يا بلدنا»، والتي أعاد غناءها كل من فايدة كامل ومحمد منير.
حيث قال: (وعضم أخواتنا نلمه نلمه.. نسنه نسنه.. نعمل منه مدافع.. وندافع.. ونجيب النصر هدية لمصر.. فات الكثير يا بلدنا ما بقاش إلا القليل).
أما المبادرة الثانية والمهمة التي خرجت من مدينة السويس، فكانت على يد الفدائي عبدالمنعم خالد، الذي كان يعمل سائقًا في إحدى شركات البترول، ويذهب إلى القاهرة بشكل دائم، فسارع بالذهاب إلى مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بالقاهرة، وطلب منهم أن يذهب إلى فلسطين، لينضم إلى أبطال المقاومة ضد العدو الصهيوني. وعندما عاد إلى السويس، وجد رسالة من مكتب المخابرات الحربية بالسويس للذهاب إليهم، وعندما ذهب سأله العقيد فتحي عباس، رئيس المكتب، عن سر ذهابه لمكتب منظمة التحرير، فقال: أريد أن أحارب العدو. فرد عليه: يمكنك أن تحاربه وأنت هنا في مصر. فقال خالد: كيف نفعل ذلك؟ فسأله عباس: هل تستطيع أن تأتي بشباب مثلك؟ فرد سريعًا: كل شباب السويس أفضل مني.
وهكذا بدأت قصة إنشاء المنظمة الفدائية (منظمة سيناء العربية)، التي تخضع بشكل مباشر لإشراف المخابرات الحربية، ويقوم بالتدريب فيها أبطال الصاعقة المصرية، مثل الرائد مختار الغار (اللواء بعد ذلك)، وانضم إلى المنظمة من شباب السويس مصطفى أبو هاشم - محمود عواد - عبدالمنعم خالد - عبدالمنعم قناوي - غريب محمد غريب - محمود طه - فتحي عوض الله - ميمي سرحان، إلخ. ووصل عدد أبطال المنظمة التي تم إنشاؤها عام 1968 إلى أكثر من 520 بطلًا، كان معظمهم من سيناء شمالًا وجنوبًا. وقام أبطال السويس بعشرات العمليات الفدائية ضد قوات العدو شرق القناة، وكان أشهر تلك العمليات العملية التي حملت اسم (وضح النهار)، وتمت صباح الثامن من أغسطس عام 1969 في منطقة الشط شمال السويس، حيث استطاع 12 بطلًا من أبطال المنظمة عمل كمين لدورية من دوريات العدو، وتم تدمير دبابتين وعربة، وقتل أكثر من عشرة من قوات العدو.
وقد تم نشر أخبار تلك العملية في كل الصحف ووكالات الأنباء المصرية والعربية والأجنبية.
وبعد رحيل عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، قرر السادات تجميد عمل المقاومة الشعبية، ولكن أبطال السويس حافظوا على برنامجهم العادي من التدريب البدني وعلى السلاح، وكانوا ينتظرون المعركة الكبرى مع العدو، لكي يثأروا للبطلين من زملائهم اللذين استشهدا في مواجهات مع العدو، وهما قائد المجموعة مصطفى أبوهاشم، والبطل سعيد البشتلي.
وانفجرت أحداث معركة العبور في السادس من أكتوبر، وظلت السويس بعيدة إلى حد ما عن معارك العبور الشرسة، وفجأة حدثت ثغرة الدفرسوار يوم السادس عشر من أكتوبر، تلك الثغرة التي تمت بتخطيط ومعونة الأمريكان، تلك الثغرة التي كانت تهدف إلى تفريغ انتصار أكتوبر من كل مضامينه عن طريق احتلال مدينتي الإسماعيلية والسويس، وحصار الجيشين الثاني والثالث، وإجبار جنودهما على العودة إلى غرب القناة. ولكن العقيد أحمد أسامة إبراهيم، قائد مجموعة الصاعقة، استطاع مع ضباطه وجنوده مواجهة قوات العدو، التي ضغطت بكل قواها لاحتلال مدينة الإسماعيلية. ولكن أبطال الصاعقة المصرية استطاعوا تلقين تلك القوات درسًا لن تنساه، حيث كبدتها خسائر فادحة في المعدات والأفراد، وما زالت دبابات العدو الموجودة عند منطقة (أبوعطوة) على مشارف مدينة الإسماعيلية شاهدة على هزيمة وخسائر العدو في هذه المعركة الملحمية.
وعندما انكسرت قوات العدو على مشارف الإسماعيلية، قررت أن ترمي بكل ثقلها لاحتلال مدينة السويس، خاصة وأن قوات العدو قد نجحت إلى حد كبير في حصار قوات الجيش الثالث شرق القناة، بما جعلهم يتصورون أن مهمتهم في السويس ستكون أسهل كثيرًا، على الأقل لتعويض خسائرهم في الإسماعيلية.
ورغم صدور قرار وقف القتال من مجلس الأمن يوم 22 أكتوبر، وقبول مصر بهذا القرار، إلا أن رئيسة وزراء العدو جولدا مائير طلبت من وزير الخارجية الأمريكي اليهودي هنري كيسنجر أن يمنحها بعض الوقت، حتى تحتل قواتها مدينة السويس. وفي صباح الرابع والعشرين من أكتوبر كانت مدينة السويس على موعد مع القدر، وكان أبطال منظمة سيناء العربية من فدائي السويس على موعد مع البطولات العظيمة، حيث قرر أبطال المقاومة الشعبية ترك شوارع المدينة خالية تمامًا، ليظن العدو أن أهلها قد فروا منها، وذلك تكرارًا لبطولة أهل مدينة رشيد ضد حملة فريزر الإنجليزي عام 1807. ودخلت الدفعة الأولى من عربات ودبابات العدو، يقودها السائقون، ومعهم مجموعة من (الدمى) أو العرائس الماريونيت على شكل جنود، وعندما لم يحدث أي شيء، دخلت القوات الحقيقية، لتنفتح عليهم أبواب جهنم من كل الشوارع والبيوت.
وكان الشهيد أحمد أبوهاشم أول شهداء يوم الرابع والعشرين من أكتوبر، عندما استشهد عند مزلقان البراجيل وهو يواجه قوات العدو، تلك القوات التي وجدت نفسها وسط كمين عملاق، يقوده أبطال منظمة سيناء العربية. هؤلاء الأبطال الذين استطاعوا تدمير دبابتين، الأولى دمرها إبراهيم سليمان، والثانية دمرها محمود عواد. ولم يجد جنود العدو رغم تسليحهم الضخم والحديث أمامهم إلا أن يهربوا من أبطال السويس، واتجه هؤلاء الجبناء إلى قسم الأربعين، وحاولوا عمل مفاوضات مع أبطال المقاومة لتسليم أنفسهم، ولكن الرجل كبير السن (صول في القسم)، الذي أرسلوه برسالتهم، خاف أن يرجع إليهم مرة أخرى.
وحاول أبطال المقاومة اقتحام القسم، فاستشهد منهم ثلاثة على سور القسم وعلى بابه، وهم الشهداء إبراهيم سليمان، فايز حافظ أمين – أشرف عبد الدايم. وفي المقابل تم قتل أكثر من ستين من قوات العدو، وتدمير حوالي 40 دبابة وعربة، كانت موجودة في شوارع السويس حتى سنوات قليلة مضت، ثم تم نقلها إلى حديقة السادس من أكتوبر بالمدينة.
وانفعل كثير من أدباء وشعراء السويس بما حدث في مدينتهم من بطولات ومعارك ستظل محفورة بمداد الخلود على جدران الزمن، حيث واصل كابتن غزالي إبداعاته التي تخطت أكثر من خمسمائة أغنية، ثم جمعها في كتاب صدر عن الثقافة الجماهيرية. وفي المقابل كتب الأديب السويسي محمد الراوي أكثر من رواية وقصة قصيرة تمجد وتوثق ما حدث في السويس. كما أبدع الشاعر كامل عيد رمضان، صاحب الأغنية الشهيرة (محلاك يا مصري وإنت عن الدفة)، الكثير من الأشعار في حب مدينة السويس.
كما أبدع الكثير من الأدباء والشعراء من خارج السويس في تسجيل تلك البطولات العظيمة، التي قام بها كل أهل السويس، يقودهم أبطال منظمة سيناء العربية، ومنهم عبدالرحمن الأبنودي صاحب الأغنية الشهيرة (يا بيوت السويس)، التي غناها محمد حمام، وجمال الغيطاني المراسل العسكري الشهير، الذي ارتبط بصداقة قوية مع أبطال منظمة سيناء العربية.
ويأتي كتابي (السويس مدينة الأبطال)، ليحمل كل بطولات تلك المدينة العريقة منذ نشأتها وحتى نهاية أحداث انتصار أكتوبر، كما يضم الكتاب حوارات موسعة مع كل أبناء السويس من فدائي منظمة سيناء العربية، هؤلاء الأبطال الذين كانوا ضيوفًا على البرنامج التلفزيوني الذي قدمته منذ عدة سنوات بعنوان (شموس في سماء الوطن)، ليحصل هؤلاء الأبطال العظماء على بعض من حقوقهم على كل أبناء هذا الوطن العظيم.