كتاب مصر وأدباؤها يرصدون لحظة العبور ويصفون تباشير نصر أكتوبر العظيم 1973
د. محمد فتحي فرج,
بحرب السادس من أكتوبر 1973م, انتزعت مصر نفسها من وهدة يونيو 1967م إلى أعلى درجات الفخار, وباختصار: لك أن تتخيل أن شعبًا – بهذا العبور العظيم – قد تخطى الهزيمة, ومضى فوق تلال اليأس, فانتقل من أرضه في وادي النيل إلى أرضه المقدسة في سيناء.
وقد عبر عن هذه الفرحة العظيمة، بهذا النصر الكبير، كُتّاب وأدباء وشعراء وفنانو مصر، خاصة بعد فترة عصيبة من الإحباط واليأس والانكسار التي شملت ليس فقط بَرَّ مصر، ولكنها شملت أيضًا كل أرجاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.
عميد الأدب طه حسين:
عاش عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين لحظات الفرحة التاريخية بانتصار مصر العظيم، وعبور قواتها المسلحة لقناة السويس، في السادس من أكتوبر 1973، وهو الحدث الأبرز الذي شهدته الأيام الأخيرة من حياته.
ورغم معاناته الشديدة مع المرض - في ذلك الوقت - واعتزاله الأحاديث العامة، إلا أن المقربين منه نقلوا عنه مدى ابتهاجه وفخره بهذا النصر التاريخي الذي أعاد الكرامة للأمة، حتى كُتب عنه لاحقًا أنه "غادر الحياة بعدما غادر اليأس مصر". ولم تطل الأيام بعميد الأدب العربي بعد هذا الانتصار العظيم؛ حيث توفي في 28 أكتوبر 1973؛ أي بعد الحرب بـ22 يومًا فقط، عن عمر ناهز 84 عامًا.
عميد المسرح توفيق الحكيم:
وفي التاسع من أكتوبر 1973 يكتب صاحب "عودة الروح" عميد المسرح العربي الأستاذ توفيق الحكيم (1898 – 1987)، في جريدة الأهرام فيقول: "عبرنا الهزيمة بعبورنا إلى سيناء.. ومهما تكن نتيجة المعارك فإن الأهم الوثبة.. ففيها المعنى أن مصر دائمًا هي مصر.. تحسبها الدنيا قد نامت، ولكن روحها لا تنام. إذا هجعت قليلًا فإن لها هَبَّة، ولها زمجرة ثم قيام. وقد هبت مصر وزمجرت، ليدرك العالم ما تستطيع أن تفعل في لحظة من اللحظات، فلا ينخدع أحد في هدوئها وسكونها، وكانت عينها التي بدرت منها اليقظة هي جيشها المِقدام بصيحة رئيسها العظيم، سوف تذكر مصر في تاريخها هذه اللحظة بالشكر والفخار."
وهكذا، بهذه الكلمة الموجزة المركزة، يكشف لنا الحكيم عن معدن الشعب المصري، وعن أصالة مصر التي صاحبت التاريخ منذ فجره الأول، وعن طبيعة روحها الوثابة، التي يعبر عنها جيشها أصدق تعبير في الوقت المناسب، مهما كانت الصعوبات والتحديات والعراقيل.
الشعر والفن:
ويلتقط الشاعر الملهم عبد الرحيم منصور (1941 – 1984) الخيط من "الحكيم" بعد قراءته لكلمته في "الأهرام"، فيكتب كلمات أغنية النصر بعنوان: "عبرنا الهزيمة"، التي لحنها باقتدار - وعلى عجل - الفنان العبقري المصري الأصيل بليغ حمدي (1932 - 1993)، لتغنيها الفنانة شادية (1931 – 2017)، صوت مصر بلا منازع، فتعبر أصدق تعبير عن لحظة العبور، التي عبرت بها مصر من يأس الانكسار إلى فرحة العبور والانتصار؛ لتصبح أيقونة النصر، حيث تقول كلمات الأغنية:
عبرنا الهزيمة يا مصر يا عظيمة .. باسمك يا بلادي تشتد العزيمة
باسمك يا بلادي عدينا القنال .. باسمك يا بلادي خطينا المحال
باسمك يا حبيبتي .. مصر يا حبيبتي .. أمي يا حبيبتي خطينا المحال
باسمك يا حبيبتي هاسمي الحرية .. باسمك يا حبيبتي هاسمي النضال
هاسمي الشجاعة .. وأسمى الآمال
باسمك يا حبيبتي .. مصر يا حبيبتي .. أمي يا حبيبتي خطينا المحال
عبرنا الهزيمة .. يا مصر يا عظيمة .. باسمك يا بلادي تشتد العزيمة
باسمك يا بلادي عدينا القنال .. باسمك يا بلادي خطينا المحال
باسمك يا حبيبتي .. مصر يا حبيبتي .. أمي يا حبيبتي .. خطينا المحال
ناديتِ يا حبيبتي .. لبينا الندا .. أمرتِ يا حبيبتي .. ردينا على العدا
طلبتي وقلنا أمرك .. كلنا فدا
باسمك يا حبيبتي .. مصر يا حبيبتي .. أمي يا حبيبتي .. خطينا المحال
عميد الرواية نجيب محفوظ:
وتحت عنوان "عودة الروح" كتب أديب نوبل العالمي نجيب محفوظ (1911 – 2006) في صحيفة الأهرام بتاريخ 10/10/1973؛ أي بعد أربعة أيام فقط من العبور العظيم، قائلًا: "رُدت الروح بعد معاناة طعم الموت ست سنوات، رأيت المصري خلالها يسير في الأسواق مرتديًا قناع الذل، يُثرثر ولا يتكلم، يقطب بلا كبرياء، يضحك بلا سرور، يتعامل مع المكان وهو غريب، ويساير الزمان بلا مستقبل، من حوله عرب متقاربون وقلوبهم شتى، وأصدقاء من العالم يعطفون عليه بإشفاق لا يخلو من زراية، وعدونا يعربد يُصارِعُنا في السماء، ويتحدانا في الأرض.
ثم ردت الروح بعد معاناة الموت ست سنوات، روح مصر تنطلق بلا توقع، تتعملق وتحلق بلا مقدمات، تتجسد الجنود، بعد أن تجسدت في قلب ابن من أبر أبنائها، تقمص في لحظة من الزمان عصارة أرواح الشهداء العظام من زعمائها، واتخذ قراره، ووجه ضربته، ووقعت المعجزة، وانتقل الجيش من الغرب إلى الشرق.
بادر العرب إلى العروة الوثقى، وذُهل الأصدقاء والأعداء، استرد المواطن عهود مجده وكبريائه.. سارت مصر من عصر إلى عصر، ومن عهد إلى عهد، ومن موت إلى خلود.
أيها الزعيم.. لقد وفرت السلاح، ولعلمك بأن الإنسان لا يحارب بالسلاح وحده سلحت شعبك قبل ذلك بالقانون والديمقراطية والحوار الحر، فإلى الأمام، ومهما تكن العواقب فقد رُدت إلينا الروح والنصر والمستقبل".
لقد استلهم نجيب محفوظ عنوان مقالته من أشهر عناوين روايات أستاذه توفيق الحكيم، وهي رواية "عودة الروح"، التي اطلع عليها الرئيس الراحل الأسبق لمصر جمال عبد الناصر (1918 – 1970) وتأثر بها وانتفض مع رفاقه في ثورة يوليو 1952؛ تلك الثورة التي غيرت شكل المنطقة العربية كلها، ثم سرت روحها الوثابة إلى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. إنها حلقات من الكفاح والنجاح والتواصل يفضي بعضها إلى بعض.
الصحفي الكبير أحمد بهاء الدين:
وكتب الصحفي الوطني الكبير أحمد بهاء الدين (1927- 1996) في 15 من أكتوبر 1973 في صحيفة "الأهرام" قائلًا: لقد أنهى الرئيس السادات غربتنا الكبيرة بقرار أكتوبر 1973م، فهو قرار ربما كان كلمة واحدة، ولكن فيه خلاص لكل الآلام العظيمة، وفيه أيضًا الآمال الكبار المختزنة منذ ست سنوات.. ولقد أنهت القوات المسلحة غربتنا بالطريقة الفذة التي نفذت بها القرار، إنهم هناك تحت اللهيب والنار وكأنهم حملوا الغبار الثقيل إلى العدو... السماء تنقشع كلها في لحظة واحدة عن وجه مصر الحقيقي.
صاحب أخبار اليوم مصطفى أمين:
ويكتب الصحفي الكبير مصطفى أمين (1914 – 1997) مؤسس "دار أخبار اليوم" مع توأمه علي أمين، في كلمات تشبه المانشيتات الصحفية في جريدة "الأخبار" في 27 يناير 1974:
من حق هذا الرجل (يقصد السادات؛ 1917- 1981) أن يطلق على عصره عصر العبور...
عبور الجيش المصري من الهزيمة إلى النصر...
وعبور الشعب العربي من الانقسام إلى الوحدة...
وعبور سمعة العرب من الهوان إلى الكرامة...
وعبور المظلومين من الظلم إلى العدل...
وعبور الخائفين من القلق والرعب إلى حياة الأحرار...
وعبور المقيدين من الأغلال إلى حياة الأحرار...
وسوف يعبر بعد هؤلاء كثيرون، فإن أكتوبر أعطانا درسًا عظيمًا، وهو ماذا يستطيع الإنسان المصري أن يفعل وهو حُرٌّ دون أن يُعتقل فرد واحد في أثناء المعركة سوى أسرى الأعداء...
هكذا يلتقي الجميع.. ويأتلفون على قلب رجل واحد: الكُتّاب والأدباء والشعراء والفنانون والصحفيون.. في ظل حب مصر، والفرحة العارمة بهذا النصر، والابتهاج بتلك اللحظة العبقرية التي استطاع فيها الجندي المصري أن يعبر الصعاب، ويواجه التحديات، ويكسر شوكة صلف العدو الغاشم، ويحطم أسطورته الكاذبة، ويتخطى كل العقبات والخطوط، ويواجه كل التحديات - بإصرار وعناد – لتحقيق العبور والنصر العظيم.