بين سينما أكتوبر والسينما العالمية.. نصر عظيم يليق به سينما عالمية
تطرح هذه المقالة في ثناياها مجموعة من الأسئلة, ولا تحاول تقديم إجابات عنها, ما موقف السينما العالمية من سينما الحرب, وكذلك موقف مجموعة من سينما حرب بعض الدول مقارنة بسينما الحرب المصرية? دعونا نتساءل: لماذا تهتم السينما العالمية بتقديم فيلمين عن حرب أكتوبر ومن وجهة نظر إسرائيلية خالصة, ولم تحاول فيها حتى عرض الرأي الآخر? ومن دفع قيمة إنتاج هذه الأفلام? ولماذا تصمت السينما المصرية أمام هذا الكم من الأكاذيب? ولماذا تجاهلناها على ما بها من تأثير على الرأي العام العالمي, ناهيك أنها تمثل توثيقًا زائفًا للحظات تم اختراعها! والتجاهل هنا ليس التجاهل الإعلامي, بل التجاهل السينمائي. لماذا لم تخرج أفلام من مصر بهذا المستوى لترد على كل ذلك?!
بين عامي 1967 و1973 كنا نتحرق شوقًا لخوض حرب الكرامة واسترداد الذات، خاضت مصر حرب الاستنزاف وخططت طويلًا لإعادة الثقة بالنفس، ومن ثم في حرب اعتمدت المباغتة والخديعة الاستراتيجية والتكتيكية والإصرار على الانتصار، عبر الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف، محققًا المعجزة في حرب أكتوبر/رمضان 1973، هذه الحرب التي تعد واحدة من أهم حروب الشرف التي خاضتها مصر في القرن العشرين بهدف استرجاع الأرض والراية والكرامة، والتي قال عنها الزعيم الراحل أنور السادات (حرب الست ساعات) في إشارة واضحة وحاسمة إلى أنه تم تنفيذ المهام العسكرية الأولى في زمن قياسي، والتي تضمنت اقتحام قناة السويس وتدمير خط بارليف وتحييد مراكز السيطرة والقيادة الإسرائيلية في الساعات الأولى للحرب.
لقد غيرت حرب أكتوبر 1973 الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، وكان يفترض أن تصبح مخزونًا روحيًّا ثريًّا للسينما المصرية. ومع ذلك، وبعد نصف قرن، ما زلنا نبحث عن سينما مختلفة توازي الانتصار الذي تحقق!
من الظلم البين أن نقارن بين السينما المصرية والعالمية، فالسينما المصرية تقدم لمشاهد محلي مصري أو عربي، وليس مقصودًا بها تقديمها للمشاهد في العالم، لاختلاف الهدف من الأفلام واختلاف المشاهد واختلاف طبيعة الاستثمار في هذه السينما، ولأنها تقترب كثيرًا، رغم حبكتها الدرامية، من السينما الوثائقية وليس السينما التأويلية، ومن هنا لا يمكن مقارنة السينما المصرية عن هذه الحرب بأفلام مثل «إنقاذ الجندي رايان» عن نورماندي، أو «القيامة الآن» عن فيتنام. والسبب ليس نقص المادة أو الموهبة، بل لأن السينما المصرية سلكت في تقديم الحروب طريقًا مغايرًا تمامًا عن المسار العالمي السائد.
أولًا: فلسفات مختلفة لسينما الحرب
لفهم هذه الأبعاد والفارق بين السينما المصرية والعالمية، لا بد لنا أن نفهم أولًا فلسفة كل نوع من سينما الحروب، وعلى مستويات ثلاثة، هي: سينما الحرب في مصر، وسينما الحرب في مجموعة من الدول القريبة منّا، وسينما الحرب في السينما العالمية. هنا لا بد أولًا من رؤية المسار السائد لسينما الحرب في العالم، فالتقاليد الغربية في السينما مرت بتطورات عديدة، بدءًا من توثيق الحرب إلى تفسيرها إلى تأويلها إلى رؤية الإنسان داخلها، ويمكن مشاهدة أفلام الحرب العالمية الأولى والثانية للتأكد من هذه الاتجاهات.
لقد كانت هناك وظيفتان أساسيتان لفيلم الحرب حين ظهر في السينما العالمية، الأولى هي الدعاية لموقف كل دولة من الحرب، والثانية هي التوثيق، ويمكن ببساطة الاطلاع على السينما الإسبانية وسينما بعض دول أمريكا الجنوبية والصين وسينما الاتحاد السوفيتي والسينما الأمريكية نفسها في الحرب العالمية الأولى للتأكد من ذلك، ومع تطور السينما وارتفاع حدة القتال في ساحات المعارك، قامت السينما بتقديم الإجابة على عملية الدعاية وعملية التوثيق معًا، من أجل مساعدة المشاهدين على فهم «لماذا يخوض الغرب هذه المعارك والحروب؟»، وهكذا كانت السينما تظل تجيب عن سؤال لا مفر منه في ذهن المشاهد.
ومع «إنقاذ الجندي رايان»، أعاد سبيلبرج تشكيل اللغة البصرية لسينما الحرب عبر خمسة وعشرين دقيقة تقريبًا من مشهد الإنزال في أوماها، بملمس شبه وثائقي خشن، فها هم جنود تفتت الرصاصات والشظايا أجسادهم لحظة فتح باب مركبات الإنزال، يتزامن معها صوت المدافع وصوت انفجار الدانات التي تطغى على أي موسيقى، هنا المصور السينمائي يحاكي عن قصد أسلوب المصور والصحفي المجري الحربي روبرت كابا، الذي يعد من أبرز المراسلين الحربيين في القرن العشرين، والذي غطى بصوره وأفلامه الوثائقية حروبًا مثل الحرب الأهلية الإسبانية والحرب اليابانية الصينية الثانية والحرب العالمية الثانية وحرب فلسطين عام 1948، التي غطاها برؤية منحازة للجانب الإسرائيلي، ومات بسقوط دانة مدفع فوقه، وهو يحتاج لدراسة عن الكيفية التي أقنع بها العالم بالرواية الإسرائيلية في حرب 1948 خلال تغطيته التحريضية البائسة لهذه الحرب، وكيف يتم صياغة رواية زائفة للحقيقة.
ليس ذلك فقط، فالمظهر البصري الذي اقتبسه سبيلبرج من كابا لا يظهر كيف اختلق كابا صورًا وألف مشاهد ومسرحها ليقدم رؤيته للحروب، وبينما ادعى أن صور معركة نورماندي دُمرت، ولولا تحقيقات مؤرخ فني أثبتت أن كابا لم يمكث في نزول نورماندي سوى دقائق معدودة، وأن قصة تدمير الصور كانت كذبة للتغطية على قلة الصور، لكن ذلك تم اكتشافه بعد 2014 وليس حين خرج فيلم «إنقاذ الجندي رايان» عام 1998، بشكل عام استعان سبيلبرج بسينما مزيفة اعتمدت على راوٍ ومصور تميز بصور واقعية غير حقيقية لتقديم هذا «الرعب الشامل» الذي أصبح المعيار لكل أفلام الحرب خلال الربع قرن التالي.
إن حديثي عن روبرت كابا هنا القصد منه بيان كيف تقوم السينما بتزييف الحقائق، إن استعانة سبيلبرج بصور السيد كابا ربما هي استعانة فنية ليس أكثر، لكن علينا التوقف وأن نسأل أنفسنا: لماذا لا نقدم سينما تواجه هذا الواقع المرير المكتظ بسرديات سينمائية غير منصفة في حروبنا مع إسرائيل؟ هذه السرديات تسمى السينما العالمية.
بشكل عام، فإن السمة الجوهرية لهذا التقليد هي أن فيلم الحرب يُعامَل ككتابة تاريخية جادة واستكشاف إنساني. سواء كان سلسلة أفلام الحرب العالمية الأولى «1917» بتجربته التقنية «اللقطة الواحدة»، أو «الخط الأحمر الرفيع» بتأمله الشعري الفلسفي، أو «القذيفة الكاملة المعدنية» بتحليله البارد لكيفية تدمير آلة الحرب للإنسان، فإن المبدع يظل يسأل: ماذا تعني الحرب للفرد؟ ماذا تعني للدولة؟
فيلم «قصة الجندي» حيث تم توجيه الكاميرا نحو وجوه الجنود السود في الحرب الأهلية، مجيبًا عن سؤال أعمق: «هل سيقاتل السود؟» بجانب الجنود البيض، إنه مجرد فيلم واحد يردّ على جرح تاريخي اسمه العنصرية لدولة بأكملها.
أما سينما أكتوبر المصرية فقد اتخذت شكلًا مختلفًا تمامًا. من «الرصاصة لا تزال في جيبي» (1974) إلى «الطريق إلى إيلات» (1993)، تركّزت هذه الأعمال غالبًا في فترات قريبة من انتهاء الحرب، وحملت طابع ردّ الفعل الآني. وسمتها المشتركة تقوم على خط سردي مبني على العاطفة الفردية والمصير الشخصي، مع وجود الحرب كخلفية أو ذروة، لا كموضوع يُفحَص.
فحبكة «الرصاصة لا تزال في جيبي» تدور حول «جندي يعود ليجد زوجته خانته، فيجد الخلاص في حرب أكتوبر»، فتُنسج الحرب داخل قالب دراما أسرية أخلاقية.
و«العمر لحظة» من إنتاج وتمثيل الفنانة ماجدة وُصف بأنه «يجمع قصة حب ومشاهد قتال في فيلم رومانسي حربي».
وحتى «الطريق إلى إيلات»، الذي يُعدّ من أنجح الأعمال، يحكي عن عملية كوماندوز بحرية قبل الحرب، لا عن حرب أكتوبر نفسها.
هذا عن السينما الغربية وما يسمى بالسينما العالمية، فماذا عن سينمات الدول الأخرى؟
ثانيًا: أهم التجارب غير الأمريكية الجديرة بالاقتداء
•المدرسة السوفييتية/الروسية والحرب كصدمة أخلاقية
تعد السينما الروسية الأكبر والأغنى في العالم في مجال سينما الحرب، وذلك لسبب بسيط للغاية، هو أن الاتحاد السوفييتي فقد 27 مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية. أفلام مثل «The Cranes Are Flying» (1957) و«Ballad of a Soldier» (1959) و«Come and See» (1985) لا يحتفل فيها الروس بالنصر، بل يقدمون ببراعة صورة واقعية لتكلفة الحرب إنسانيًا وماديًا.
ما يميز المدرسة الروسية هو الشعرية في مواجهة الرعب. ففي فيلم «طفولة إيفان» Ivan's Childhood (1962) لتاركوفسكي، يحكي عن طفل تجنّده المخابرات كأداة حرب، ويصوّر فقدانه لطفولته بلغة بصرية شاعرية. النموذج هنا ليس «كيف نصوّر المعركة»، بل «كيف يمكن لنا أن نصوّر ما تفعله المعركة بالإنسان، وبجوهره وسلوكه ومصيره».
ما يمكن للسينما المصرية أن تأخذه هنا هو استخدام رموز بصرية عميقة بدل المشاهد الضخمة المكلفة. الحرب في فيلم تاركوفسكي تُرى في أحلام وخيالات الطفل وكوابيسه، لا في مشاهد ساحات المعارك.
•المدرسة الألمانية السينمائية والحرب كمسؤولية أخلاقية
في السينما الألمانية، وفي أفلام مثل «Das Boot» (1981) و«Downfall» (2004) و«All Quiet on the Western Front» (2022)، تشترك جميعها في شيء واحد، وهو أن الألمان لا يستطيعون صنع فيلم حرب «بطولي»؛ فالمخرج إدوارد بيرغر يصرح بأنه «لا يمكن لفيلم ألماني أن يُظهر جنديًا يقتل عدوًا ويشعر أنه فعل شيئًا جيدًا».
هذا لا يعني أن هذه الأفلام «معادية للجيش»، بل إنها ترفض تحويل الحرب إلى ملحمة. وعلى سبيل المثال، فإن فيلم «Das Boot» يدور داخل غواصة، لا في ساحة معركة مفتوحة، ويصوّر الحرب كمعتقل وخوف وانتظار للموت.
ما يمكن للسينما المصرية أن تأخذه من هذا النموذج هو تحويل الحرب من «بطولة جماعية» إلى «تجربة فردية»، وهذا أقرب إلى السينما المصرية أصلًا. الفرق أن الأفلام المصرية تستخدم الفرد للوصول إلى الرسالة، بينما الأفلام الألمانية تستخدم الرسالة للوصول إلى الفرد.
•المدرسة السينمائية الآسيوية (الصينية والكورية) والحرب كجرح مفتوح دائمًا
في الفيلم الصيني «Assembly» (2007)، الذي لا يتوقف عند نهاية الحرب، بل يستمر ليتابع ما يحدث بعدها، كيف يُنسى الجندي الذي قاتل، وكيف يُعاد كتابة التاريخ. هذا سؤال لم تطرحه أي سينما عربية، بمعنى: ماذا حدث للذين قاتلوا بعد أن انتهت الحرب؟ كيف تعامل المجتمع مع من عادوا؟ وكيف يشعرون بأنفسهم بشكل إنساني؟
في الفيلم الكوري «Tae Guk Gi» (2004)، الذي يضع الحرب الكورية في قلب مأساة عائلية، أخوان يُجنّدان في طرفين متقابلين، والحرب تدمّر ما بينهما. الفيلم لا يسأل «من انتصر؟»، بل «ما الذي خسرناه كبشر وكوطن؟»
ما يمكن للسينما المصرية أن تأخذه هو تجاوز لحظة النصر. الحرب لم تنتهِ في أكتوبر 1973، استمرت في حياة من عادوا، وفي ذاكرة من فقدوا، وفي أسئلة لم تُطرح بعد.
•المدرسة السينمائية اليابانية والحرب كدمار إنساني شامل
في فيلم الرسوم المتحركة الذي خرج من استوديو غيبلي «Grave of the Fireflies» (1988)، والذي يحكي عن أخ وأخته يتضوران جوعًا في اليابان أثناء الحرب، حيث لا يوجد مشهد واحد لمعارك. «The Burmese Harp» (1956) يحكي عن جندي ياباني يتحول إلى راهب بوذي بعد أن يرى جثث رفاقه في بورما. «Fires on the Plain» (1959) يصوّر جنودًا يابانيين مهزومين في الفلبين يأكلون البشر للبقاء. مثل هذه النوعية من الأفلام التي لا تصنع من الجندي بطلًا، بل ضحية أو حتى وحشًا. الحرب ليست شرفًا، بل جحيم.
ما يمكن للسينما المصرية أن تأخذه هو الجرأة على تصوير اللحظات التي لا تُروى، مثل أحاسيس ومشاعر ولحظات الجوع، والخوف، واللاجئين، والمدنيين، ولحظات الهجرة. الحرب لا تعني الجبهات الأمامية (الجيوش) فقط، بل الجبهات الداخلية وتضحيات الشعوب، هؤلاء الذين لم يقاتلوا، بل كانوا ضحايا للحرب أو استبسلوا من أجل دعم الجبهة الأمامية.
•المدرسة السينمائية البوسنية/البلقانية والحرب كعبث
الفيلم البوسني الحائز على أوسكار أفضل فيلم أجنبي «No Man's Land» (2001)، وتعبير No Man’s Land يعني الخط الذي يفصل بين جيشين وغير مسموح فيه بالقتال، أو خط الهدنة، وهو يحكي عن جنديين، صربي وبوسني، محصورين في خندق واحد بين الخطوط، وجندي ثالث يقف على لغم، ولا يستطيع أحد مساعدته دون أن يقتله. يمثل الفيلم قمة السخرية والمأساوية في آن واحد، ولا ينتصر لأي طرف.
ما يمكن للسينما المصرية أن تأخذه هو أن الحرب ليست دائمًا بطولة؛ بل هي عبث أحيانًا، بل وفناء للجميع، حيث البطل هو الموت والدمار.
ثالثًا: لماذا لم تفكر سينما أكتوبر في هذه الزوايا؟
كلمة «النجاح» هنا تحتاج تحديدًا. فسينما أكتوبر لم تكن بلا جمهور محلي، وأنتجت أعمالًا ذات تأثير معيّن. لكن إذا قيست بمعيار سينما الحرب العالمية، أي القدرة على تحويل حرب محددة إلى عمل فني خالد ذي عمق إنساني كوني، فإن الفجوة تبدو واضحة؛ بل ويمكن التحقق من أبعادها وأسبابها عبر أربعة مستويات.
أولًا: الدافع الإبداعي «الاحتفالي» و«الآني».
لقد وُلدت معظم أفلام أكتوبر في سنوات قليلة بعد الحرب، وحملت سمة «الإهداء» الواضحة. يشير الكاتب محمود عرفات، صاحب رواية «سرابيوم» وأحد أبطال حرب أكتوبر، إلى أن هذه الأعمال اقتصرت على التأثيرات الاجتماعية والنفسية، ولم تتعمق في الأبعاد العسكرية والاستراتيجية. ويعترف الناقد رامي عبد الرازق بأن كثيرًا من الأعمال أُنجزت «بسرعة للحاق بالحدث». فالحرب لم تكن قد ترسخت بعد كتاريخ قابل للتأمل، حتى طُلب منها أن تصبح موضوعًا للاحتفال. كما صرح مجموعة من النقاد والكتاب بما معناه أن الأفلام الحربية كانت في أغلبها أفلامًا ذات «طابع احتفالي» أو لا تليق بعظمة وجلال حرب أكتوبر.
ثانيًا: استبدال «الشخصي» بـ«الملحمي».
من الملاحظات الجوهرية التي تتكرر في النقد المصري غياب «الفيلم الملحمي». فروائع سينما الحرب العالمية تمتلك غالبًا سردًا متعدد الخطوط، وبناءً جماعيًا للشخصيات، ورؤية استراتيجية شاملة. ففيلم «أطول يوم» مثلًا، وهو عن إنزال نورماندي، يعيد بناء كل ساعة في الإنزال من منظور متعدد الجنسيات، و«قائمة شندلر» يحمل في قصة فردية مصير ستة ملايين (في إعادة إحياء لمحرقة الهولوكوست، وإن كانت هناك أعمال كثيرة تقول بأن العدد ربما يكون أقل من ذلك بكثير، وبالطبع هي أفلام تدعم الرواية اليهودية)، أما الأعمال المصرية فتكاد جميعها تدخل من زاوية جندي واحد أو مجموعة صغيرة، فتُضغط الحرب إلى محفّز لنمو فردي أو خلفية لقصة حب. وكما قال أحد الكتاب: «معظم المضمون حديث عن الحب، والحرب مجرد شيء مرفق، وهذا عكس أفلام الحرب الأمريكية تمامًا»، وإن كان يمكننا الإشارة لفيلم «أغنية على الممر»، فقد كانت ممتلئة بالأصوات، ولكنها كانت في حرب الاستنزاف.
ثالثًا: القيود البنيوية للقاعدة الصناعية والقدرة الإنتاجية.
فيلم الحرب هو أكثر أنواع السينما تكلفة. وعلى سبيل المثال، فإن فيلم «صلاح الدين» «كاد يموت مرات عدة»، ولم يُنجَز في النهاية إلا بتدخل مباشر من الدولة. ودون هذا الدعم الوطني المستنير، لا تستطيع شركات الإنتاج الخاصة تحمّل كلفة إعادة إنتاج حرب مدرعات وطيران وبرية وبرمائية على نطاق واسع كما تنفق عليه السينما الأمريكية، كما يقف عائق اللغة أيضًا حائلًا وبين الوصول لدرجة من العالمية، إضافة إلى الفجوة التكنولوجية الكبيرة، فمصر لا تملك صناعة مؤثرات سينمائية ولا استوديوهات بالقدر الذي تملكه هوليوود، ولا آليات تنسيق عسكري، ولا منظومة إخراج حركي وأكشن. ومن الحقائق التي كثيرًا ما تُغفَل أن كل الأفلام المصرية عن حرب أكتوبر «لم تُصوَّر منها لقطة واحدة أثناء الحرب»، بل كلها أُعيد تصويرها بعدها. وهذا يعني أن ما يراه الجمهور هو دائمًا «إعادة إنتاج» للحرب، لا «التقاطًا» لها، ومع أن أفلام الحرب العالمية تعتمد أيضًا على إعادة البناء، فإن دقتها الصناعية ودعمها العسكري المتخصص يمنحانها مصداقية واقعية مقنعة.
رابعًا: قيود الحركة في «السرد» المتعلق بالحرب نفسها.
فحرب أكتوبر في مصر ليست مجرد انتصار عسكري، بل هي ركيزة أساسية للشرعية السياسية. وهذه المكانة مصدر إبداعي وقيود في آن. ويشير النقاد إلى أن تقديم السينما المصرية لحرب أكتوبر «خاضع لاعتبارات غير منظورة»، فكل حرب لها مشكلاتها وتكلفتها، بل وغموضها الأخلاقي. لقد قامت السينما الأمريكية بنقد السياسات الأمريكية في فيتنام. بالطبع، حروبنا تختلف شكلًا ومضمونًا؛ لأنها حرب من أجل تحرير الأرض وإعادة الحقوق المسلوبة، وهكذا فإن الحرب مُفترَض بها سلفًا أن تكون انتصارًا نظيفًا، وهذا يجعل من الصعب على الفنان أن يلامس تلك المناطق الرمادية التي تشكّل جوهر أعظم أفلام الحرب: الخوف، الفوضى، التشكيك في الأوامر، الصراعات بين الرفاق. وهذه بالضبط هي الآليات التي «تساعد الجمهور على فهم الحرب وقبولها» في الأفلام العالمية. حتى في الأفلام الدعائية عن الحرب العالمية الثانية، كان يُسمح بطرح التساؤلات.
خامسًا: ثراء مكتبة أفلام وصور الحروب في مصر.
تمتلك مصر مادة حربية فيلمية أرشيفية أغنى من معظم الدول. وكما يشير نقاد عدة، فإن «في كل محافظة بطولات حقيقية»، وقد أفرجت القوات المسلحة عن «عشرين قصة عن مواقع أكتوبر وأبطالها»، لكن «لا يوجد مبدع يستفيد منها ويحولها إلى سيناريوهات وأفلام». وسيناريو وحيد حامد عن صمود جزيرة كبريت «134 يومًا»، ورواية جمال الغيطاني «الرفاعي»، كلها في حالة «منجَز لكن لم تنتج بعد».
وفي المقابل، ورغم أن إسرائيل تلقت ضربة قاسية في أكتوبر، أنتجت عشرات الأعمال المرتبطة بالحرب، من بينها «غولدا» الذي يحوّل «لحظة الهزيمة إلى صورة دعائية لصالح إسرائيل في ابتعاد منطقي واضح عن الحقيقة». هذا التفاوت في الإنتاج الثقافي يكشف حقيقة مزعجة، من الثابت أن مصر كسبت الحرب في الميدان، لكنها تحتاج أيضًا إلى أن تكسبها على الشاشة الفضية الكبيرة، واعتقادي الجازم أن ذلك سيحدث.
رابعًا: الطريق الممكن
تغيير هذا الوضع لا يحتاج جهودًا فردية متفرقة، بل استراتيجية ثقافية منهجية.
أولًا، إنشاء آلية وطنية لدعم سينما الحرب (هيئة سينما عسكرية).
لقد قرأت من كتب المطبعة العسكرية المصرية ما نفخر به جميعًا، إذن المسألة ليست توافر مادة، وليست مسألة تمويل فقط، بل تشمل تعاونًا مؤسسيًا بين الجيش والصناعة السينمائية، مثل تقديم مستشارين عسكريين، وعتاد، ومواقع، ودعم بشري. فالقوات المسلحة المصرية تملك أرشيفًا حربيًا غنيًا وخبرة عسكرية متخصصة، وفتح هذه الموارد للمبدعين سيرفع المصداقية التقنية للأعمال بشكل كبير.
ثانيًا، تقبّل السرد «غير الكامل».
فأفلام الحرب العظيمة لا تتهرّب من فوضى الحرب وتعقيد الإنسان. في «إنقاذ الجندي رايان» يتساءل الجنود: «لماذا نضحي بثمانية من أجل رايان واحد؟»، وهذا التوتر هو ما يرفع الفيلم فوق الدعاية الوطنية البسيطة. مع الاعتراف بانتصار مصر في الحرب، تحتاج السينما المصرية إلى سينما عن الإنسان في حالاته المتعلقة بالخوف والشك وألم التضحية. ففي حرب أكتوبر قصص كثيرة تستحق أن تُروى، ليس فقط «الجنود الأبطال»، ولدينا الآلاف، مثل ما فعله وزير الدفاع الأسبق وبطل الحرب المشير محمد حسين طنطاوي في معركة المزرعة الصينية (والذي كان مقدمًا حينها)، والجندي عبد العاطي وتدميره بسلاح آر بي جيه لعشرات الدبابات الإسرائيلية، بل أيضًا من ارتجفوا تحت خط النار، ومن انهاروا بعد فقدان رفاقهم، ومن لم يستطيعوا العودة إلى الحياة العادية بعد وقف إطلاق النار، فهم أيضًا بشر.
ثالثًا، إعداد جيل جديد من صنّاع أفلام الحرب والفرق التقنية.
فمصر لا تفتقر إلى مخرجين وكتّاب، بل تفتقر إلى كوادر متخصصة تعرف لغة فيلم الحرب الخاصة، من تصميم الأفلام الحربية والحركة والأكشن العسكري إلى إدارة المشاهد الضخمة، من تصميم الصوت إلى المؤثرات البصرية. وهذا يحتاج تدريبًا منهجيًا وتعاونًا دوليًا، لا الاعتماد على وميض «عبقري» فردي.
رابعًا، والأهم، تحويل أكتوبر من «موضوع تذكاري» إلى «موضوع إبداعي».
فأعظم أفلام الحرب في العالم لم تُصنع من أجل ذكرى سنوية، بل لأن مبدعيها دفعتهم معضلة إنسانية عميقة. «القيامة الآن» وُلد من غضب كوبولا على فيتنام التي مزّقت روح أمريكا، و«الخط الأحمر الرفيع» وُلد من سؤال تيرينس ماليك الفلسفي: «هل يوجد إنسان في الحرب؟» ما تحتاجه مصر هو أن تصبح أكتوبر مخزونًا يمكن استخراجه ومساءلته وإعادة تفسيره في أي وقت، لا وسامًا يُخرَج كل أكتوبر للعرض.
لقد استخدمت مصر الناصرية السينما لتشكيل خيال العالم العربي بأكمله. وما تستحقه حرب أكتوبر فيلمًا يليق بمن أقاموا الجسور العائمة على القناة، وبمن صمدوا في مواقعهم في الصحراء، وبمن صمتوا ينظرون إلى الضفة الأخرى على خط وقف إطلاق النار خمس سنوات يتحرقون لتحرير الأرض. هذا الفيلم لم يُولد بعد. ولكن طالما أراد السينمائيون المصريون مواجهة هذه الحرب بصفة فنان جاد لا بصفة مُحتفِل، فسيولد يومًا.
فروق تفصيلية بين سينما أكتوبر والسينما العالمية، ونماذج غير أمريكية جديرة بالاقتداء
خامسًا: الاختلافات التفصيلية في البناء السردي والبصري
•الحرب وعلاقتها بالإنسان هي القضية: عكس الاتجاه تمامًا
في أفلام أكتوبر المصرية، الحرب ليست الموضوع الأساسي، الحرب غالبًا خلفية لقصة حب أو أزمة أسرية. فيلم «العمر لحظة» (1978) يحكي عن صحفية تقع في حب ضابط خلال تغطيتها للحرب، و«الوفاء العظيم» (1974) يدور حول قصة حب يرفضها الأهل ثم تتغير الأمور بعد النصر. الحرب هنا محفّز للدراما العاطفية، وليست الموضوع نفسه.
في المقابل، الأفلام العالمية، وحتى غير الأمريكية، تجعل الحرب هي البطل. ففي الفيلم الكوري «Tae Guk Gi» (2004) يضع في مركزه علاقة أخوين، لكن الفيلم بأكمله يدور حول كيف تحوّل الحرب أحدهما إلى وحش والآخر إلى ضحية، وليس حول قصة حب. الفرق جوهري: في الأولى الحرب وسيلة، وفي الثانية غاية.
•نمط الترميم: «النهاية السعيدة» مقابل «الصدمة الأخلاقية»
الأفلام المصرية تنتهي غالبًا بالنصر أو بالتحول الإيجابي: البطل يجد الخلاص، الحب يتحقق، الأسرة تجتمع. «الرصاصة لا تزال في جيبي» (1974) يبدأ بجندي مهزوم نفسيًا بعد 1967 وينتهي بخلاصه في أكتوبر. هذا نمط «الترميم»، الحرب تعيد ترتيب الأمور نحو الأفضل.
السينما العالمية، خصوصًا غير الأمريكية، تنتهي غالبًا بالدمار الأخلاقي. في فيلم «Come and See» الروسي (1985)، الفتى فلورا ينجو، لكنه يخرج من الحرب وقد شاخ وشاب شعره من الرعب. الفيلم لا يعيد ترميم أي شيء، بل يوثّق التحلل الكامل. في الفيلم المأخوذ عن الرواية الألمانية الشهيرة «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» «All Quiet on the Western Front»، الذي أُنتج عام (2022)، ينتهي الفيلم بموت البطل في الساعات الأخيرة قبل الهدنة، بينما يوقّع الجنرالات على السلام.
•الزمن السردي: آني مقابل تراكمي
أفلام أكتوبر أُنتجت كلها خلال سنوات قليلة من الحرب: 1974، 1975، 1978، وهذا يعني أنها كُتبت قبل أن تترسخ الحرب كتاريخ. في المقابل نجد فيلم «تعال وانظر» «Come and See» صُوّر عام 1985، أي بعد أربعين عامًا من الأحداث، و«كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» «All Quiet on the Western Front» الألماني صدر عام 2022، أي بعد قرن من الحرب العالمية الأولى. هذه المسافة الزمنية تسمح بتحويل الحرب من «ذكرى» إلى «مادة» قابلة للفحص الفني.
•التوثيق مقابل التأويل
الأفلام المصرية تحاول «توثيق» الحرب، أي إعادة تمثيل أحداثها كما «حدثت» أو كما يُفترض أنها حدثت. أما الأفلام العالمية الكبرى فتحاول «تقديم تفسير وتأويل»، فتطرح الأسئلة الكبرى مثل: ما معنى أن يموت إنسان من أجل الأرض أو حفنة من التراب؟ ما الذي تفعله الحرب بالروح البشرية؟ ما الفرق بين التاريخ والفلسفة؟
كلمة أخيرة:
حين دعت صحيفة أخبار اليوم المصرية في التسعينيات لمسابقة روائية عن حرب أكتوبر، قرأت عشرات الروايات عن الإنسان والحرب في مصر، وكيف واجه الحرب، ولعلنا ما زلنا نتذكر فيلم «المواطن مصري» (1991) المأخوذ عن قصة الكاتب الكبير يوسف القعيد «الحرب في بر مصر»، هذا فيلم يعيش وسيظل يعيش، الحرب كانت الخلفية للحالة الإنسانية المتعلقة بتضحيات الشعب المصري، إذن نحن نستطيع أن ننتج أفلامًا عن الحرب بكل أنواعها وأشكالها، الفرق الجوهري ليس في الميزانية أو التقنية ولا اللغة ولا التكلفة ولا الرواية، بل في السؤال الذي تطرحه السينما، تسأل هنا السينما المصرية «كيف انتصرنا؟»، بينما السينما في العالم تسأل «ماذا فعل الانتصار بنا؟»
الإجابة على السؤال الأول تنتج توثيقًا، والإجابة على السؤال الثاني تنتج فنًا، ونحن أحوج ما نكون إلى الفن الذي يعيش للأبد، دون أن نتخلى عن توثيق اللحظة!