رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


عشر‭ ‬صور‭ ‬من‭ ‬انتصار‭ ‬أكتوبر

5-10-2026 | 15:05


د. شيماء المهدي,


هناك‭ ‬لحظات‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬الكلمات‭ ‬لروايتها‭.. ‬لحظات‭ ‬يصبح‭ ‬فيها‭ ‬للصورة‭ ‬صوت‭.. ‬وللعدسة‭ ‬ذاكرة‭.. ‬ولحظة‭ ‬واحدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬اختصار‭ ‬حكاية‭ ‬وطن‭.‬
وحرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭; ‬حين‭ ‬عبرت‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬ضفة‭ ‬إلى‭ ‬ضفة‭, ‬وعبر‭ ‬معها‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬إلى‭ ‬الثقة‭, ‬ومن‭ ‬انتظار‭ ‬طويل‭ ‬إلى‭ ‬يقين‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬مستحيلًا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬واقعًا‭.‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬تغيرت‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالصورة‭. ‬أصبحت‭ ‬الكاميرا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يد،‭ ‬وصارت‭ ‬الصورة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬ثوانٍ‭. ‬لكن‭ ‬صور‭ ‬أكتوبر‭ ‬بقيت‭ ‬مختلفة؛‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تعرض‭ ‬مشهدًا‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬إلينا‭ ‬إحساس‭ ‬اللحظة‭ ‬نفسها‭. ‬فما‭ ‬أن‭ ‬تقع‭ ‬العين‭ ‬عليها‭ ‬حتى‭ ‬يتوقف‭ ‬الزمن‭ ‬قليلًا،‭ ‬ونجد‭ ‬وجوهًا‭ ‬لم‭ ‬نلتقِ‭ ‬بأصحابها،‭ ‬ولكنها‭ ‬تبدو‭ ‬مألوفة‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬غريب‭.‬
في‭ ‬صورة‭ ‬لجندي‭ ‬يرفع‭ ‬العلم،‭ ‬أو‭ ‬قارب‭ ‬يشق‭ ‬مياه‭ ‬القناة،‭ ‬أو‭ ‬مقاتل‭ ‬يبتسم‭ ‬بعد‭ ‬العبور،‭ ‬نرى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مشهد‭ ‬عسكري؛‭ ‬نرى‭ ‬إنسانًا‭ ‬عاش‭ ‬الخوف‭ ‬والأمل‭ ‬والانتظار،‭ ‬ثم‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬صنعتها‭ ‬إرادة‭ ‬وطن‭.‬
عشر‭ ‬صور‭ ‬لا‭ ‬تختصر‭ ‬حربًا‭ ‬بحجم‭ ‬أكتوبر،‭ ‬لكنها‭ ‬تفتح‭ ‬نافذة‭ ‬على‭ ‬تفاصيلها،‭ ‬وتعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬بعض‭ ‬لحظاتها‭ ‬أمام‭ ‬أعيننا؛‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬والعبور‭ ‬إلى‭ ‬المعركة‭ ‬ورفع‭ ‬العلم،‭ ‬ومن‭ ‬مشاهد‭ ‬الميدان‭ ‬إلى‭ ‬وجوه‭ ‬المقاتلين‭ ‬التي‭ ‬حملت‭ ‬فرحة‭ ‬وطن‭ ‬كامل‭.‬
إنها‭ ‬عشر‭ ‬صور‭.. ‬وخلف‭ ‬كل‭ ‬صورة‭ ‬حكاية‭.‬
وحين‭ ‬تستعيد‭ ‬العدسة‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات،‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬مجرد‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬الحرب،‭ ‬بل‭ ‬تصبح‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬صنع‭ ‬النصر‭.‬
فبعض‭ ‬الصور‭ ‬تُلتقط‭ ‬بالكاميرا‭.. ‬أما‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬طويلًا،‭ ‬فيلتقطها‭ ‬التاريخ‭.‬
الصورة‭ ‬الأولى‭: ‬غرفة‭ ‬العمليات‭.. ‬حيث‭ ‬بدأ‭ ‬القرار
قبل‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬أولى‭ ‬الصور‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬تتحرك‭ ‬القوارب‭ ‬نحو‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬غرفة‭ ‬عمليات‭ ‬تجري‭ ‬فيها‭ ‬حسابات‭ ‬دقيقة،‭ ‬وتُتخذ‭ ‬قرارات‭ ‬يعرف‭ ‬أصحابها‭ ‬أن‭ ‬ثمنها‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬حياة‭ ‬آلاف‭ ‬الرجال‭.‬
كانت‭ ‬الخرائط‭ ‬أمام‭ ‬القادة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬مجرد‭ ‬خطوط‭ ‬وألوان،‭ ‬وإنما‭ ‬مواقع‭ ‬لجنود‭ ‬ينتظرون‭ ‬الأمر،‭ ‬وطائرات‭ ‬تستعد‭ ‬للإقلاع،‭ ‬وقوارب‭ ‬تستعد‭ ‬للعبور‭.‬
وفي‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973،‭ ‬تحولت‭ ‬الخطط‭ ‬والاستعدادات‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬ظهرًا،‭ ‬لتدخل‭ ‬مصر‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬لحظاتها‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭ ‬الحديث‭.‬
لم‭ ‬تكن‭ ‬الصورة‭ ‬الأولى‭ ‬للنصر‭ ‬قد‭ ‬التُقطت‭ ‬بعد،‭ ‬لكن‭ ‬المشهد‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬بالفعل‭.‬
الصورة‭ ‬الثانية‭: ‬
الطائرات‭.. ‬حين‭ ‬بدأت‭ ‬السماء‭ ‬المعركة
في‭ ‬نحو‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬ظهر‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬انطلقت‭ ‬الطائرات‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬الضربة‭ ‬الجوية‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬متزامنة‭ ‬مع‭ ‬بدء‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬المصرية‭.‬
وفي‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬حفظتها‭ ‬الذاكرة،‭ ‬تبدو‭ ‬الطائرات‭ ‬أحيانًا‭ ‬صغيرة‭ ‬أمام‭ ‬اتساع‭ ‬السماء،‭ ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬طائرة‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬طيار‭ ‬يعرف‭ ‬أنه‭ ‬يدخل‭ ‬معركة‭ ‬حقيقية،‭ ‬وربما‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬ستنتهي‭ ‬رحلته‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبدو‭ ‬الصورة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مشهد‭ ‬عسكري؛‭ ‬فهي‭ ‬تختصر‭ ‬شجاعة‭ ‬إنسان‭ ‬يعرف‭ ‬حجم‭ ‬الخطر،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يمضي‭ ‬إلى‭ ‬مهمته‭.‬
وبينما‭ ‬كانت‭ ‬الطائرات‭ ‬تعبر‭ ‬السماء،‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬جنود‭ ‬آخرون‭ ‬يستعدون‭ ‬للحظة‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭: ‬لحظة‭ ‬العبور‭.‬
الصورة‭ ‬الثالثة‭: ‬
باقي‭ ‬زكي‭ ‬يوسف‭.. ‬حين‭ ‬أصبح‭ ‬الماء‭ ‬سلاحًا
على‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬لقناة‭ ‬السويس،‭ ‬كان‭ ‬المهندسون‭ ‬العسكريون‭ ‬قد‭ ‬أمضوا‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬السؤال‭ ‬الصعب‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬فتح‭ ‬ثغرات‭ ‬في‭ ‬الساتر‭ ‬الترابي‭ ‬لخط‭ ‬بارليف؟
كان‭ ‬الجواب‭ ‬عند‭ ‬اللواء‭ ‬باقي‭ ‬زكي‭ ‬يوسف،‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمه‭ ‬بفكرة‭ ‬استخدام‭ ‬مياه‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬في‭ ‬تجريف‭ ‬الرمال‭ ‬وفتح‭ ‬الثغرات‭ ‬في‭ ‬الساتر‭ ‬الترابي‭.‬
ولد‭ ‬باقي‭ ‬زكي‭ ‬يوسف‭ ‬عام‭ ‬1931،‭ ‬وتخرج‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الهندسة‭ ‬بجامعة‭ ‬عين‭ ‬شمس‭ ‬عام‭ ‬1954،‭ ‬والتحق‭ ‬بالقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬نفسه‭. ‬وعمل‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬بناء‭ ‬السد‭ ‬العالي‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1964‭ ‬و1967،‭ ‬وهناك‭ ‬جاءت‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬ستصبح‭ ‬لاحقًا‭ ‬إحدى‭ ‬الوسائل‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬خطة‭ ‬العبور‭.‬
ففي‭ ‬تجربة‭ ‬بناء‭ ‬السد،‭ ‬كان‭ ‬استخدام‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬تجريف‭ ‬الرمال‭ ‬ونقلها‭ ‬عبر‭ ‬أنابيب‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الهندسي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬فكرة‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬المبدأ‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الساتر‭ ‬الترابي‭ ‬لخط‭ ‬بارليف‭.‬
تلقفت‭ ‬القيادة‭ ‬العسكرية‭ ‬المصرية‭ ‬الفكرة،‭ ‬وبدأت‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬والتدريبات‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬فاعليتها،‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬مضخات‭ ‬المياه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬خطة‭ ‬عبور‭ ‬القناة‭ ‬وفتح‭ ‬الثغرات‭ ‬في‭ ‬الساتر‭ ‬الترابي‭.‬
وفي‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬تحولت‭ ‬الفكرة‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭. ‬اندفعت‭ ‬المياه‭ ‬لتفتح‭ ‬عشرات‭ ‬الثغرات‭ ‬في‭ ‬الساتر‭ ‬الترابي،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬إزالة‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬الرمال،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬بدا‭ ‬بسيطًا‭ ‬في‭ ‬صورته،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬ثمرة‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬والتجربة‭ ‬والإعداد‭.‬
وهنا‭ ‬تصبح‭ ‬الصورة‭ ‬أكثر‭ ‬إنسانية‭ ‬حين‭ ‬نتذكر‭ ‬أن‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬ابتكار‭ ‬عسكري‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬والتجربة،‭ ‬توفي‭ ‬باقي‭ ‬زكي‭ ‬يوسف‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬يونيو‭ ‬2018،‭ ‬بعد‭ ‬مسيرة‭ ‬حافلة‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمه‭ ‬خلالها‭ ‬بواحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأفكار‭ ‬الهندسية‭ ‬التي‭ ‬ساعدت‭ ‬في‭ ‬عبور‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭.‬
الصورة‭ ‬الرابعة‭: ‬
القوارب‭ ‬الصغيرة‭.. ‬زودياك‭ ‬حين‭ ‬بدأ‭ ‬العبور‭ ‬الكبير
ثم‭ ‬جاءت‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬انتظرها‭ ‬الجميع‭. ‬استخدمت‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬آلاف‭ ‬القوارب‭ ‬المطاطية‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬العبور،‭ ‬وتذكر‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬أن‭ ‬عددها‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬2000‭ ‬قارب،‭ ‬بما‭ ‬أتاح‭ ‬نقل‭ ‬موجات‭ ‬متتالية‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭. ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬ظهرًا‭ ‬من‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬بدأ‭ ‬الجنود‭ ‬عبور‭ ‬القناة،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬الطائرات‭ ‬والمدفعية‭ ‬المصرية‭ ‬تمهد‭ ‬الطريق‭ ‬أمامهم‭.‬
كان‭ ‬المشهد‭ ‬مهيبًا‭: ‬قوارب‭ ‬صغيرة‭ ‬تشق‭ ‬مياه‭ ‬القناة،‭ ‬تحمل‭ ‬رجالًا‭ ‬يعرفون‭ ‬أنهم‭ ‬يعبرون‭ ‬نحو‭ ‬مواقع‭ ‬محصنة‭ ‬ودبابات‭ ‬ومدافع‭ ‬وأسلاك‭ ‬شائكة،‭ ‬ولا‭ ‬يعرفون‭ ‬ما‭ ‬ينتظرهم‭ ‬في‭ ‬الدقائق‭ ‬التالية‭.‬
كان‭ ‬كل‭ ‬جندي‭ ‬يحمل‭ ‬سلاحه‭ ‬ومعداته،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬أيضًا‭ ‬شيئًا‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الصور‭: ‬ذكريات‭ ‬بيته،‭ ‬ووجوه‭ ‬أسرته،‭ ‬وقلق‭ ‬من‭ ‬ينتظرون‭ ‬عودته‭.‬
وربما،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬صامتة‭ ‬وسط‭ ‬ضجيج‭ ‬المعركة،‭ ‬فكر‭ ‬أحدهم‭ ‬في‭ ‬أمه،‭ ‬أو‭ ‬زوجته،‭ ‬أو‭ ‬طفل‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬أبوه‭.‬
ومن‭ ‬المشاهد‭ ‬الخالدة‭ ‬التي‭ ‬التقطتها‭ ‬العدسات،‭ ‬ظهور‭ ‬القوارب‭ ‬المطاطية‭ ‬محملة‭ ‬بالجنود‭ ‬وهم‭ ‬يرفعون‭ ‬أيديهم،‭ ‬مرددين‭ ‬‮«‬الله‭ ‬أكبر‮»‬‭ ‬والدعاء‭ ‬بالنصر‭.‬
هكذا‭ ‬يصبح‭ ‬العبور‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية؛‭ ‬يصبح‭ ‬عبورًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬أيضًا‭.‬
فالجنود‭ ‬الذين‭ ‬ركبوا‭ ‬هذه‭ ‬القوارب‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬أرقامًا‭ ‬في‭ ‬جداول‭ ‬عسكرية،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬آباء‭ ‬وأبناء‭ ‬وأزواجًا،‭ ‬تركوا‭ ‬خلفهم‭ ‬حياة‭ ‬كاملة‭ ‬ليعبروا‭ ‬نحو‭ ‬لقاء‭ ‬التاريخ‭.‬
الصورة‭ ‬الخامسة‭: ‬
الجسور‭.. ‬حين‭ ‬تحولت‭ ‬القناة‭ ‬إلى‭ ‬طريق
لم‭ ‬يكن‭ ‬العبور‭ ‬مجرد‭ ‬انتقال‭ ‬بالقوارب‭. ‬فمع‭ ‬تقدم‭ ‬العمليات،‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إقامة‭ ‬وسائل‭ ‬عبور‭ ‬تسمح‭ ‬بانتقال‭ ‬القوات‭ ‬والمعدات‭ ‬الثقيلة‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭. ‬وتمكن‭ ‬المهندسون‭ ‬العسكريون‭ ‬من‭ ‬إنشاء‭ ‬الجسور‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قياسي،‭ ‬وسط‭ ‬ظروف‭ ‬قتالية‭ ‬بالغة‭ ‬الصعوبة‭.‬
وتحولت‭ ‬القناة،‭ ‬التي‭ ‬بدت‭ ‬لسنوات‭ ‬حاجزًا‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭ ‬وسيناء،‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬يعبره‭ ‬الجنود‭ ‬والمركبات‭. ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬عبور‭ ‬القناة‭ ‬لحظة‭ ‬للمشاة‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبح‭ ‬طريقًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬أمام‭ ‬الدبابات‭ ‬والمدرعات‭ ‬والمعدات‭. ‬وفي‭ ‬الصور‭ ‬تظهر‭ ‬الجسور،‭ ‬وتظهر‭ ‬معها‭ ‬حركة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭: ‬جندي‭ ‬ينتظر‭ ‬دوره،‭ ‬وسائق‭ ‬يقود‭ ‬مركبته،‭ ‬وفني‭ ‬يتابع‭ ‬معداته،‭ ‬وضابط‭ ‬يراقب‭ ‬المشهد‭. ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬المشاهد‭ ‬أسماء‭ ‬هؤلاء‭ ‬جميعًا،‭ ‬لكنهم‭ ‬كانوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬اللحظة‭ ‬نفسها‭. ‬فالنصر‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬صورة‭ ‬واحدة‭ ‬ولا‭ ‬بطل‭ ‬واحد،‭ ‬وإنما‭ ‬تصنعه‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬يؤدون‭ ‬أدوارًا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يعرفها‭ ‬أحد‭.‬
الصورة‭ ‬السادسة‭: ‬
محمد‭ ‬أفندي‭ ‬العباسي‭.. ‬حين‭ ‬ارتفع‭ ‬العلم
وسط‭ ‬مشاهد‭ ‬العبور‭ ‬والقتال،‭ ‬جاءت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بذاكرة‭ ‬المصريين‭: ‬العلم‭ ‬المصري‭ ‬وهو‭ ‬يرتفع‭ ‬فوق‭ ‬أحد‭ ‬مواقع‭ ‬خط‭ ‬بارليف‭.‬
كان‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬الجندي‭ ‬محمد‭ ‬محمد‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬العباسي،‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬أفندي‭ ‬العباسي‮»‬،‭ ‬ابن‭ ‬مدينة‭ ‬القرين‭ ‬بمحافظة‭ ‬الشرقية‭.‬
ولد‭ ‬في‭ ‬21‭ ‬فبراير‭ ‬1947،‭ ‬وحفظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬كُتّاب‭ ‬القرية،‭ ‬وحصل‭ ‬على‭ ‬الشهادتين‭ ‬الابتدائية‭ ‬والإعدادية،‭ ‬ثم‭ ‬اتجه‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬والزراعة‭.‬
بدأ‭ ‬فترة‭ ‬تجنيده‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬1967،‭ ‬وكان‭ ‬جنديًا‭ ‬في‭ ‬سلاح‭ ‬المشاة‭ ‬بكتيبة‭ ‬في‭ ‬الإسماعيلية‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬لقناة‭ ‬السويس‭.‬
وفي‭ ‬صباح‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬كتب‭ ‬العباسي‭ ‬وصيته‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬جيبه،‭ ‬وأوصى‭ ‬أحد‭ ‬رفاقه‭ ‬بأن‭ ‬يسلمها‭ ‬لأهله‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬وفاته‭.‬
وعند‭ ‬ساعة‭ ‬الصفر،‭ ‬كان‭ ‬العباسي‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬جنود‭ ‬المشاة‭ ‬الذين‭ ‬عبروا‭ ‬القناة‭ ‬نحو‭ ‬أحد‭ ‬المواقع‭ ‬الحصينة‭ ‬بخط‭ ‬بارليف‭. ‬تقدم‭ ‬وسط‭ ‬النيران،‭ ‬وبعد‭ ‬تمكن‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬من‭ ‬اقتحام‭ ‬الموقع،‭ ‬نادى‭ ‬العباسي‭ ‬قائد‭ ‬الكتيبة،‭ ‬الذي‭ ‬طلب‭ ‬منه‭ ‬رفع‭ ‬علم‭ ‬مصر‭.‬
فنزل‭ ‬العباسي‭ ‬العلم‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ورفع‭ ‬العلم‭ ‬المصري‭ ‬فوق‭ ‬الموقع،‭ ‬مرددًا‭ ‬‮«‬الله‭ ‬أكبر‮»‬‭.‬
لكن‭ ‬المفاجأة‭ ‬الأكبر‭ ‬كانت‭ ‬تنتظره‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭.‬
وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تحولت‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬أفندي‭ ‬رفعنا‭ ‬العلم‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬هتاف‭ ‬شعبي‭ ‬ارتبط‭ ‬بفرحة‭ ‬المصريين‭ ‬بالنصر،‭ ‬وأصبح‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬أفندي‮»‬‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬الشعبي‭ ‬رمزًا‭ ‬للجندي‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬رفع‭ ‬العلم‭.‬
وفي‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬للحرب،‭ ‬كتب‭ ‬الشاعر‭ ‬الكبير‭ ‬صلاح‭ ‬عبد‭ ‬الصبور‭ ‬قصيدته‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬أول‭ ‬جندي‭ ‬رفع‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬سيناء‮»‬،‭ ‬مخاطبًا‭ ‬ذلك‭ ‬الجندي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعرف‭ ‬اسمه‭ ‬بعد‭:‬
‮«‬تملّيناك،‭ ‬حين‭ ‬أهلَّ
فوق‭ ‬الشاشة‭ ‬البيضاء،‭ ‬وجهك‭ ‬يلثم‭ ‬العلما‮»‬
لم‭ ‬يكن‭ ‬عبد‭ ‬الصبور‭ ‬يعرف‭ ‬اسم‭ ‬الجندي،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬يكتب‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬النصر‭ ‬نفسها؛‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬لمسته‭ ‬قلوب‭ ‬الملايين‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬العيون‭ ‬صاحبه‭.‬
وبعد‭ ‬الحرب،‭ ‬كرّم‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬البطل‭ ‬محمد‭ ‬أفندي‭ ‬العباسي‭.‬
عاد‭ ‬العباسي‭ ‬إلى‭ ‬بلدته‭ ‬القرين،‭ ‬واستقبله‭ ‬أهله‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬شعبي‭ ‬احتفالي،‭ ‬وكأن‭ ‬المدينة‭ ‬كلها‭ ‬كانت‭ ‬تحتفل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أبنائها‭ ‬بعودة‭ ‬النصر‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭.‬
توفي‭ ‬محمد‭ ‬أفندي‭ ‬العباسي‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬يوليو‭ ‬2019‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬ناهز‭ ‬72‭ ‬عامًا،‭ ‬لكن‭ ‬صورته‭ ‬وهو‭ ‬يرفع‭ ‬العلم‭ ‬بقيت‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬لحظة‭ ‬خلّدتها‭ ‬الصورة‭ ‬والشعر‭ ‬والذاكرة‭ ‬الشعبية‭.‬
الصورة‭ ‬السابعة‭: ‬
عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬القاضي‭.. ‬حين‭ ‬ابتسمت‭ ‬مصر
ومن‭ ‬بين‭ ‬عشرات‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬الذاكرة،‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬صورة‭ ‬تختصر‭ ‬فرحة‭ ‬الانتصار‭ ‬مثل‭ ‬صورة‭ ‬الجندي‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬أحمد‭ ‬عبد‭ ‬اللاه‭ ‬القاضي‭.‬
ولد‭ ‬القاضي‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬المراغة‭ ‬بمحافظة‭ ‬سوهاج،‭ ‬والتحق‭ ‬بالخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬1967‭ ‬بسلاح‭ ‬المدرعات،‭ ‬وانضم‭ ‬إلى‭ ‬الكتيبة‭ ‬212‭ ‬دبابات‭ ‬ضمن‭ ‬تشكيلات‭ ‬الجيش‭ ‬الثالث‭ ‬الميداني‭.‬
في‭ ‬لحظة‭ ‬الانتصار،‭ ‬التُقطت‭ ‬له‭ ‬صورة‭ ‬شهيرة‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬سلاحه‭ ‬ويبتسم‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬الفرح‭.‬
تلك‭ ‬الابتسامة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ابتسامة‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بدت‭ ‬وكأنها‭ ‬ابتسامة‭ ‬وطن‭ ‬كامل‭.‬
وتناقلت‭ ‬الصورة‭ ‬صحف‭ ‬ووسائل‭ ‬إعلام‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬لتصبح‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬صور‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭.‬
بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬خدمته‭ ‬العسكرية،‭ ‬عاد‭ ‬القاضي‭ ‬إلى‭ ‬حياته‭ ‬المدنية،‭ ‬وعمل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬موجهًا‭ ‬بالتعليم‭ ‬الابتدائي‭.‬
عرفه‭ ‬طلابه‭ ‬ومعلموه‭ ‬بدماثة‭ ‬خلقه‭ ‬وحبه‭ ‬لوطنه،‭ ‬وكان‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬أيام‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬كبطل‭ ‬يتباهى،‭ ‬وإنما‭ ‬كمواطن‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬النصر‭ ‬نعمة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُروى‭ ‬للأجيال‭.‬
أنجب‭ ‬خمسة‭ ‬من‭ ‬الأبناء،‭ ‬وكان‭ ‬دائم‭ ‬الدعاء‭ ‬أن‭ ‬يتوفاه‭ ‬الله‭ ‬وهو‭ ‬صائم‭ ‬في‭ ‬رمضان،‭ ‬كما‭ ‬قاتل‭ ‬وانتصر‭ ‬وهو‭ ‬صائم‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭.‬
وفي‭ ‬الخميس‭ ‬23‭ ‬مايو‭ ‬2019،‭ ‬الموافق‭ ‬18‭ ‬رمضان‭ ‬1440‭ ‬هجريًا،‭ ‬رحل‭ ‬البطل‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬القاضي‭ ‬عن‭ ‬عالمنا‭ ‬بهدوء‭ ‬كما‭ ‬عاشه‭.‬
وتسلمت‭ ‬ابنته‭ ‬صفاء‭ ‬تكريم‭ ‬والدها،‭ ‬كما‭ ‬أطلق‭ ‬اسم‭ ‬الجندي‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬ميادين‭ ‬مدينة‭ ‬المراغة‭ ‬بمحافظة‭ ‬سوهاج‭.‬
الصورة‭ ‬الثامنة‭: ‬
محمد‭ ‬طه‭ ‬يعقوب‭.. ‬حين‭ ‬تحولت‭ ‬الأصابع‭ ‬إلى‭ ‬خريطة
وفي‭ ‬صورة‭ ‬أخرى،‭ ‬يقف‭ ‬الجندي‭ ‬محمد‭ ‬طه‭ ‬يعقوب‭ ‬رافعًا‭ ‬إصبعين‭ ‬في‭ ‬علامة‭ ‬أصبحت‭ ‬مألوفة‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬الانتصار‭. ‬ينتمي‭ ‬محمد‭ ‬طه‭ ‬يعقوب‭ ‬إلى‭ ‬محافظة‭ ‬بورسعيد،‭ ‬ودرس‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬المعلمين‭ ‬بجامعة‭ ‬عين‭ ‬شمس‭. ‬وقبل‭ ‬تجنيده‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬مدرسًا،‭ ‬وأصر‭ ‬على‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬رغم‭ ‬رفض‭ ‬طلبه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬بسبب‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬التدريس‭. ‬انضم‭ ‬إلى‭ ‬الجيش‭ ‬الثالث‭ ‬الميداني،‭ ‬ضمن‭ ‬الفرقة‭ ‬19‭ ‬مشاة،‭ ‬واللواء‭ ‬الثاني،‭ ‬والكتيبة‭ ‬22‭ ‬مشاة‭ ‬ميكانيكا‭. ‬وأثناء‭ ‬المعارك،‭ ‬التُقطت‭ ‬له‭ ‬الصورة‭ ‬الشهيرة‭ ‬التي‭ ‬ظهر‭ ‬فيها‭ ‬وهو‭ ‬يرفع‭ ‬يده‭ ‬بعلامة‭ ‬النصر‭.‬
وقد‭ ‬أوضح‭ ‬لاحقًا‭ ‬أن‭ ‬الإشارة‭ ‬التي‭ ‬رفعها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬علامة‭ ‬تقليدية‭ ‬للنصر،‭ ‬وإنما‭ ‬قصد‭ ‬بها‭ ‬شكل‭ ‬خريطة‭ ‬سيناء،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬رمزية‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬يقاتل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استعادتها‭.‬
لكن‭ ‬قصة‭ ‬الصورة‭ ‬تحمل‭ ‬معنى‭ ‬أعمق‭. ‬ففي‭ ‬إحدى‭ ‬اللحظات،‭ ‬تعرض‭ ‬أحد‭ ‬زملائه‭ ‬لجروح‭ ‬بالغة،‭ ‬فقام‭ ‬بحمله‭ ‬وعبر‭ ‬به‭ ‬وسط‭ ‬النيران،‭ ‬ونجح‭ ‬في‭ ‬نقله‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آمن‭ ‬رغم‭ ‬الخطر‭ ‬الشديد‭.‬
وهكذا،‭ ‬فإن‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يراها‭ ‬البعض‭ ‬مجرد‭ ‬ابتسامة‭ ‬وإشارة‭ ‬باليد،‭ ‬تخفي‭ ‬وراءها‭ ‬قصة‭ ‬جندي‭ ‬يحمل‭ ‬جنديًا‭ ‬آخر‭. ‬وربما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬تحديدًا‭ ‬بقيت‭ ‬الصورة‭ ‬حية؛‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تتحدث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬الانتصار،‭ ‬وإنما‭ ‬عن‭ ‬الرفقة‭ ‬أيضًا‭. ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬قد‭ ‬يحمل‭ ‬الإنسان‭ ‬سلاحه،‭ ‬لكنه‭ ‬أحيانًا‭ ‬يحمل‭ ‬إنسانًا‭ ‬آخر‭.‬
الصورة‭ ‬التاسعة‭: ‬
يسري‭ ‬عمارة‭.. ‬حين‭ ‬أصبح‭ ‬الأسير‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬للنصر
وبعد‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬بدء‭ ‬الحرب،‭ ‬تبدلت‭ ‬بعض‭ ‬المشاهد‭.‬
في‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬حاولت‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تنفيذ‭ ‬هجوم‭ ‬مضاد،‭ ‬لكن‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬التصدي‭ ‬له‭ ‬وإلحاق‭ ‬خسائر‭ ‬كبيرة‭ ‬بالقوات‭ ‬المهاجمة‭. ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬المعارك،‭ ‬أُسر‭ ‬العقيد‭ ‬عساف‭ ‬ياجوري،‭ ‬قائد‭ ‬اللواء‭ ‬190‭ ‬المدرع‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬عمليات‭ ‬الأسر‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭.‬
وكان‭ ‬النقيب‭ ‬يسري‭ ‬عمارة‭ ‬أحد‭ ‬أبطال‭ ‬هذه‭ ‬العملية،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬عُرف‭ ‬لاحقًا‭ ‬بلقب‭ ‬‮«‬صائد‭ ‬الأسرى‮»‬‭.‬
ويروي‭ ‬يسري‭ ‬عمارة‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬شهاداته‭ ‬تفاصيل‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬عندما‭ ‬وجد‭ ‬ياجوري‭ ‬بعد‭ ‬الاشتباك،‭ ‬وتمكن‭ ‬مع‭ ‬أفراد‭ ‬مجموعته‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬عليه‭ ‬واقتياده‭ ‬أسيرًا‭.‬
كان‭ ‬المشهد‭ ‬مختلفًا‭ ‬تمامًا‭ ‬عن‭ ‬الصور‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬ظهر‭ ‬فيها‭ ‬الجنود‭ ‬وهم‭ ‬يعبرون‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭. ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬قادة‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬أسيرًا‭ ‬لدى‭ ‬الجيش‭ ‬المصري‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬تحولت‭ ‬الصورة‭ ‬إلى‭ ‬وثيقة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬وثائق‭ ‬الحرب؛‭ ‬صورة‭ ‬لا‭ ‬تُظهر‭ ‬عبور‭ ‬الجنود‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬تُظهر‭ ‬تغير‭ ‬ميزان‭ ‬القوة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬المعركة‭.‬
الصورة‭ ‬العاشرة‭: ‬
وجوه‭ ‬المقاتلين‭.. ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تظهرها‭ ‬الخرائط
ومع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الصور،‭ ‬تظل‭ ‬هناك‭ ‬صور‭ ‬أخرى‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬أسماءً‭ ‬مشهورة‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬أصحابها،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تختصر‭ ‬القصة‭ ‬كلها‭. ‬وجوه‭ ‬جنود‭ ‬متعبة،‭ ‬ملابس‭ ‬غطاها‭ ‬التراب،‭ ‬ابتسامات‭ ‬خجولة،‭ ‬عيون‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬رفاقها،‭ ‬وأيدٍ‭ ‬تمسك‭ ‬بالسلاح‭ ‬بعد‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬القتال‭. ‬هؤلاء‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬أسماؤهم‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬عناوين‭ ‬الصحف،‭ ‬لكن‭ ‬صورهم‭ ‬بقيت‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬وجودهم‭. ‬وخلف‭ ‬كل‭ ‬وجه‭ ‬قصة‭.‬
هناك‭ ‬أم‭ ‬كانت‭ ‬تنتظر،‭ ‬وأب‭ ‬يدعو،‭ ‬وزوجة‭ ‬تخفي‭ ‬خوفها،‭ ‬وطفل‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعرف‭ ‬لماذا‭ ‬غاب‭ ‬أبوه‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭. ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬صورة‭ ‬الجندي‭ ‬المجهول‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أحيانًا‭ ‬أكثر‭ ‬صدقًا‭ ‬من‭ ‬الصورة‭ ‬الشهيرة؛‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬لنا‭ ‬بطلًا‭ ‬واحدًا،‭ ‬وإنما‭ ‬تقدم‭ ‬لنا‭ ‬جيلًا‭ ‬كاملًا‭ ‬عاش‭ ‬الحرب‭.‬
ويروي‭ ‬المصور‭ ‬مكرم‭ ‬جاد‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬شهاداته‭ ‬مشهدًا‭ ‬مؤثرًا‭: ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الأيام،‭ ‬وبينما‭ ‬كان‭ ‬يوثق‭ ‬المعركة‭ ‬بكاميرته،‭ ‬انفجرت‭ ‬طائرة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬فصرخ‭ ‬من‭ ‬أعماقه‭ ‬‮«‬الله‭ ‬أكبر‮»‬،‭ ‬لكنه‭ ‬اكتشف‭ ‬أن‭ ‬الجندي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بجواره‭ ‬قد‭ ‬استشهد‭. ‬اقترب‭ ‬منه‭ ‬زميله،‭ ‬وحمله‭ ‬في‭ ‬هدوء،‭ ‬ثم‭ ‬وضعه‭ ‬جانبًا‭ ‬وحمل‭ ‬سلاحه‭ ‬ومضى‭ ‬ناحية‭ ‬هدفه‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الكاميرا‭ ‬توثق‭ ‬معركة‭ ‬فقط؛‭ ‬كانت‭ ‬توثق‭ ‬معنى‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬للحظة‭ ‬واحدة‭ ‬أن‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الفقد‭ ‬والاستمرار،‭ ‬بين‭ ‬الحزن‭ ‬والواجب‭.‬
قد‭ ‬تنتهي‭ ‬الحروب،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬لحظاتها‭ ‬تبقى‭ ‬حية‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭.‬
وصور‭ ‬أكتوبر‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬لقطات‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬مضت،‭ ‬بل‭ ‬ذاكرة‭ ‬وطن‭ ‬ووجوه‭ ‬رجال‭ ‬صنعوا‭ ‬لحظة‭ ‬النصر‭.‬
عشر‭ ‬صور‭ ‬لا‭ ‬تختصر‭ ‬حربًا‭ ‬كاملة،‭ ‬لكنها‭ ‬تذكّرنا‭ ‬بأن‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬صورة‭ ‬حكاية،‭ ‬ووراء‭ ‬كل‭ ‬نصر‭ ‬إنسانًا‭ ‬آمن‭ ‬بأن‭ ‬المستحيل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬ممكنًا‭.‬
وهكذا‭ ‬حفظت‭ ‬العدسة‭ ‬لحظة‭ ‬النصر‭.. ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬ينبض‭ ‬بالحياة‭.‬