رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


الحسين ثائرًا وشهيدًا.. ملحمة عبدالرحمن الشرقاوي الخالدة في حب الإمام الحسين وآل بيت النبي

6-10-2026 | 13:35


مسرحية الحسين ثائرًا

ياسر علي

في العام 1969 نشر المفكر والكاتب المبدع عبد الرحمن الشرقاوي مسرحية "الحسين ثائرًا وشهيدًا"، والتي تُعتبر واحدة من عيون الأدب العربي المعاصر، لما لها من قيمة إبداعية، وأهمية دينية، ولخصوصية القضية التي تتناولها، حيث خلّدت ذكرى ثورة ورحلة ورحيل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله صلّ الله وسلمّ عليهما، وعلى آل بيت النبي الأطهار.

تدور المسرحية المقسمة لجزأين، حول ثورة الحسين ورفضه مبايعة يزيد بن معاوية بعد توليه الحكم خلفًا لأبيه معاوية بن أبي سفيان، معتبرًا وصوله للحكم غصبًا لما ليس له، لذا بدأ رحلته من المدينة المنورة قاصدًا مكة، ومنها ارتحل إلى العراق، لتبدأ من هناك ملحمة أبناء النبي وآل بيته في كربلاء.

في الجزء الأول من المسرحية، "الحسين ثائرًا"، يرسم عبدالرحمن الشرقاوي ملامح شخصية الحسين، باعتباره بشرًا مثل كل البشر، يشعر بما يشعرون، بل ويلتحم معهم في مشكلاتهم الحياتية، لدرجة أنّه باع رداءه ليفك دين أعرابي، وهو ما ميز كتابة الشرقاوي عن الإمام الحسين، فلم يُقدّمه كبطل مغوار وثائر في وجه ظلم بني أمية وحسب، وإنما قدّمه كإنسان في المقام الأول، ثم عرض لصرخته وبطولته في وجه توريث الحكم من معاوية ليزيد، ويُعلن على الملأ أنّ السلطة لا تورث والبيعة لا تُفرض بالقهر.

وفي الجزء الأول من المسرحية أيضًا، عرض الشرقاوي لفكرة حرث الأرض تمهيدًا لارتحال الإمام الحسين وآل بيته إلى العراق، حيث أرسل الإمام ابن عمه مسلم بن عقيل لاستطلاع أمر أهل الكوفة بعدما وصلته رسائلهم التي تحمل طلبًا بالقدوم إليها ووعودًا بالنصر حتى يحصل على البيعة أميرًا للمؤمنين أو على الأقل يستمر في رفضه بيعة يزيد بن معاوية، ويذهب مسلم إلى أهل الكوفة ويلقى منهم حفاوة واستقبالًا بالغًا، وسرعان ما يحكم ابن زياد قبضته على المدينة بالترغيب تارة، وبالترهيب أخرى بعدما أصبح أميرا للكوفة والبصرة، وسرعان ما حنث أهلها بوعودهم تجاه مسلم الذي مات غدرًا بعد وعد زائف بالأمان، وليكون أول إنذار مباشر للإمام الحسين وآل بيت النبي بما ينتظرهم في تلك الديار.

في الجزء الثاني من المسرحية "الحسين شهيدًا"، تتواتر الأحداث وتتسارع نحو المأساة، بعد تعرّض قافلة الإمام الحسين لمضايقات على يد الحر الرياحي بأمر من ابن زياد، وينتهي الأمر بمحاصرة القافلة في كربلاء، وهنا يُظهر الشرقاوي المعاناة التي مر بها آل البيت خلال هذه الفترة من تجويع وتعطيش وبطش، بل وينتقل الشرقاوي من السرد التاريخي إلى تشريح النفس البشرية، من خلال تناول الحالة المأساوية التي أصبح عليها وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب عمّ أبي الحسين، والعذابات التي عاشها وحشي خلال السنوات الماضية ندمًا وحزنًا على قتل حمزة.

وفي الجزء الثاني من المسرحية يعرض الشرقاوي لحوارات الكرامة والشهامة والإباء، تلك التي دارت بين زينب وأخيها الحسين، حينما اشتد بهم الجوع والعطش وكاد يفتك بالأطفال والنساء، فسألته إن كان عليهم أن يستسلموا، فيرفض الحسين رفضًا قاطعًا، ويخبرها أن الموت في عزّة نفس وشهامة خير من الخضوع والذل.

صور الشرقاوي مشهد المعركة وموت آل بيت النبي في صورة غاية في القسوة والبراعة. فقبل المعركة رفض ابن زياد الهجوم على معسكر الحسين خشية مواجهته وجهًا لوجه، فيلجأ للخسة والندالة وأمطر معسكر آل البيت بالسهام فأردى كل من فيه، وسط صرخات الأطفال وأنين النساء، وسرعان ما يُستشهد الإمام الحسين مجندلًا، وتنقض ضباع ابن زياد على القافلة لنهب ما تحمله النساء من حلي ومتاع، وسبي ما تبقى منهن، وهو المشهد الأكثر إيلامًا في المسرحية.

تُختتم المسرحية في مجلس يزيد بن معاوية الذي حاول جاهدًا التبرؤ من دم الحسين، لكنّ زوجته فضحت كذبه على الملأ، ليختفي بعدها رأس الحسين في دلالة على نصرة الحق الذي لا يُقهر،. وهنا تخطب السيدة زينب خطبتها الشهيرة محرّضة الناس على مقاومة القهر والظلم في كل مكان وزمان، وليتخذوا من حادثة كربلاء دافعًا للتصدي للطغيان، حتى لا تتحول المأساة إلى حدث تاريخي عابر، بل تصبح رمزًا لكل ثائر يرفض القهر.

وأخيرًا، يُغلق الستار على مناجاة الإمام الحسين للجمهور، مكررًا نداءه "فلتذكروني"، محولًا استشهاده إلى رمز للمقاومة ضد الظلم والطغيان: "فلتذكرونى لا بسفككم دماء الآخرين.. بل فأذكرونى بانتشال الحق من ظفر الضلل.. بل فأذكرونى بالنضال على الطريق.. لكى يسود العدل فيما بينكم.. فلتذكرونى بالنضال".