حرب أكتوبر على شاشة السينما.. كيف صنعت مصر ذاكرة النصر؟
لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد مواجهة عسكرية عبرت فيها القوات المصرية قناة السويس واقتحمت تحصينات خط بارليف، بل تحولت سريعًا إلى حدث أعاد تشكيل الوعي المصري بعد ست سنوات من نكسة يونيو 1967.
وبينما وثقت البيانات والصور العسكرية وقائع المعركة، تولت السينما مهمة أخرى وهي تحويل الحرب إلى قصص وشخصيات ومشاعر بقيت حاضرة في ذاكرة أجيال لم تعاصر المعركة بنفسها.
وبدأ الهجوم المصري في 6 أكتوبر 1973 بعد سنوات من الإعداد وحرب الاستنزاف، ونجحت القوات المسلحة في عبور القناة واقتحام خط بارليف وإقامة رؤوس كباري شرقها، في تحول عسكري وسياسي كبير.
1974.. عام انفجار سينما أكتوبر
لم تنتظر السينما المصرية طويلًا؛ ففي العام التالي للحرب مباشرة خرجت أربعة أفلام ارتبطت بأكتوبر هي "الرصاصة لا تزال في جيبي" و"أبناء الصمت"، و"الوفاء العظيم"، و"بدور"، قبل أن يظهر "حتى آخر العمر" عام 1975 و"العمر لحظة" عام 1978.
وتصدر "الرصاصة لا تزال في جيبي" للمخرج حسام الدين مصطفى هذه الموجة، مقدمًا رحلة الجندي محمد، الذي جسده محمود ياسين، من صدمة هزيمة 1967 إلى حرب الاستنزاف ثم العبور في أكتوبر.
لم تكن المعركة في الفيلم مشاهد قتال فقط، بل رحلة لاستعادة الثقة والكرامة، وهو ما جعله أحد أكثر الأفلام ارتباطًا بالذاكرة الشعبية للحرب.
وقدمت الدولة دعمًا للعمل، وجرى التصوير في مواقع حقيقية للحرب مع الاستعانة بمتخصصين في تصوير المعارك.
وفي العام نفسه جاء "أبناء الصمت" للمخرج محمد راضي عن سيناريو مجيد طوبيا، ليذهب إلى ما قبل لحظة النصر.
والفيلم اقترب من حياة الجنود خلال حرب الاستنزاف، وتابع سنوات الانتظار والصمود والاستعداد التي سبقت العبور، ليقدم أكتوبر باعتباره حصيلة سنوات طويلة من القتال والتضحيات وليس حدثًا منفصلًا بدأ في السادس من أكتوبر.
الحرب تدخل البيوت والحكايات الإنسانية
اتجهت أفلام أخرى إلى دمج الحرب بالحياة الاجتماعية.. ففي "الوفاء العظيم" أصبحت المعركة مساحة تختبر فيها الشخصيات معنى التضحية والوفاء، بينما مزج "بدور" بين الحارة المصرية والجبهة، قبل أن تدخل الحرب حياة أبطاله وتغير مسارها.
وجاء "حتى آخر العمر" عام 1975 ليرصد كذلك ما تتركه الإصابة في الحرب من آثار جسدية ونفسية على المقاتل وحياته الأسرية.. أما "العمر لحظة" الذي عرض عام 1978 وأخرجه محمد راضي عن قصة يوسف السباعي، فواصل استدعاء الجبهة والجندي المصري، وأصبح بدوره من الأعمال التي ارتبط عرضها تليفزيونيًا بذكرى أكتوبر.
من أكتوبر إلى حرب الاستنزاف
ومع مرور السنوات، اتسعت الذاكرة السينمائية لتشمل العمليات التي مهدت للحرب.. ويبرز هنا "الطريق إلى إيلات" للمخرجة إنعام محمد علي، الذي تناول عملية للقوات البحرية المصرية خلال حرب الاستنزاف، مقدمًا تفاصيل التخطيط والتنفيذ والعمل الجماعي للمقاتلين.
ومن الأعمال المرتبطة بهذه المرحلة أيضًا "أغنية على الممر" و"يوم الكرامة"، ثم جاء "الممر" بعد عقود ليعيد حرب الاستنزاف إلى شاشة السينما بإمكانات إنتاجية أحدث.
والوعي الجماهيري بـ"سينما أكتوبر" لا يدور كله داخل أيام حرب أكتوبر نفسها، بل يمتد إلى حرب الاستنزاف والعمليات العسكرية التي سبقتها.. وهذه المرحلة كانت بالفعل جزءًا أساسيًا من الطريق إلى حرب 1973؛ إذ أسهمت في اكتساب القوات المصرية خبرات قتالية وفي الإعداد للمواجهة التالية.
أفلام قليلة أمام حرب ضخمة
رغم المكانة الاستثنائية للحرب في التاريخ المصري، ظلت الأعمال السينمائية التي تناولتها محدودة مقارنة بضخامة الحدث وتعدد قصصه.. وتكشف مراجعة الإنتاج أن الموجة الأساسية جاءت خلال السبعينيات، ثم تراجعت الأفلام التي تجعل حرب أكتوبر نفسها محورًا مباشرًا للأحداث.
ومع ذلك، نجحت تلك الأفلام القليلة في أداء وظيفة تجاوزت شباك التذاكر، لم تحفظ السينما فقط صورة الدبابة والجندي والقناة، وإنما حفظت الحالة الإنسانية لجيل انتقل من مرارة 1967 إلى لحظة العبور.
وبعد أكثر من نصف قرن، لا تزال هذه الأفلام تعود إلى الشاشات في ذكرى 6 أكتوبر، لتصبح جزءًا من الذاكرة البصرية للحرب، لكنها تترك في الوقت نفسه سؤالًا مفتوحًا أمام صناعة السينما المصرية: هل تكفي مجموعة أفلام صنعت معظمها قبل عقود لرواية عشرات القصص والبطولات التي ما زالت حرب أكتوبر تختزنها؟.