يورونيوز: الاتحاد الأوروبي والصين أمام عشرة أيام حاسمة لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية
تدخل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين مرحلة حاسمة بعد أشهر من التوترات، في ظل تحديد المفوضية الأوروبية شهر أكتوبر موعدًا نهائيًا لتحقيق نتائج "ملموسة" مع بكين بهدف إعادة التوازن إلى العلاقات التجارية بين الجانبين، في وقت بلغ فيه العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين مستوى قياسيًا قدره مليار يورو يوميًا.
ومن المقرر أن تُجرى محادثات مهمة في بكين نهاية الأسبوع الجاري بين مفوض التجارة بالاتحاد الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش ونظيره الصيني وانج وينتاو، تليها الأسبوع المقبل قمة لقادة الاتحاد الأوروبي تتصدر الصين جدول أعمالها - وذلك بحسب تقرير لشبكة يورونيوز.
ويرى صانعو السياسات الأوروبيون أن الوضع أصبح غير مستدام، مع موجة جديدة من المنافسة الصينية تضغط على القاعدة الصناعية للاتحاد وتهدد آلاف الوظائف، بعد نحو عقدين من بدء التوسع الاقتصادي الصيني السريع.
وقالت المفوضية إن وثيقة فرنسية ألمانية أُرسلت، أمس الاثنين، إلى عواصم الدول الأعضاء ورئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، أشارت إلى أن "صدمة صناعية ضخمة" تؤثر على قطاعات تمثل جوهر النموذج الصناعي الأوروبي، بينها الصناعات الدوائية والطيران والسيارات والأدوات الآلية والكيماويات.
وتسعى بروكسل إلى تحقيق اختراق في المحادثات مع بكين، بعد أسابيع من المناقشات الفنية بين مسؤولي الجانبين، حيث سيجري شيفتشوفيتش الخميس والجمعة محادثات سياسية رفيعة المستوى مع وانج وينتاو.
وكانت المفاوضات قد بدأت في يونيو الماضي، بهدف الحصول على التزامات صينية لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية، وفي مقدمتها تنظيم وصول المنتجات الصينية إلى سوق الاتحاد الأوروبي التي تضم 450 مليون مستهلك، مع سعي الأوروبيين إلى حماية صناعاتهم من موجة الواردات الصينية منخفضة التكلفة.
وقال مفوض الصناعة الأوروبي ستيفان سيجورنيه، في مقابلة مع "يورو نيوز" قبل ثلاثة أسابيع، إن الاتحاد "يفقد آلاف الوظائف كل أسبوع"، مشيرًا إلى فقدان 250 ألف وظيفة صناعية العام الماضي.
كما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى ضمان استمرار صادرات العناصر الأرضية النادرة من الصين، وهي مواد أساسية للصناعة الأوروبية، بعدما فرضت بكين قيودًا عليها خلال حربها التجارية مع الولايات المتحدة عام 2025، قبل استئناف صادراتها لاحقًا، فيما تستمر الهدنة التجارية حتى 10 يناير 2027. وتكتسب محادثات هذا الأسبوع أهمية خاصة بالنسبة للمفوضية، في ظل انتظار قادة الاتحاد نتائج ملموسة خلال اجتماعهم المرتقب الأسبوع المقبل.
وشهد موقف الدول الأعضاء تجاه الصين تحولًا منذ إدراك ألمانيا أن اقتصادها، وهو الأكبر في الاتحاد، أصبح أكثر تعرضًا للمنافسة الصينية. وكانت برلين قد عارضت في 2024 فرض رسوم جمركية أوروبية على السيارات الكهربائية الصينية منخفضة التكلفة، لكنها اقتربت خلال الأسابيع الأخيرة من موقف فرنسا الأكثر تشددًا تجاه بكين. ودعا المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في رسالة إلى فون دير لاين أمس الاثنين، إلى "الاستخدام الكامل" لأدوات الدفاع التجاري القائمة لدى الاتحاد، ووضع "إطار شامل" يتضمن أدوات قانونية جديدة.
وتضمنت الوثيقة المرافقة للرسالة مقترحات من بينها أداة جديدة تكون تحت إشراف المفوضية وتتيح "استجابة حاسمة ومنهجية"، بما في ذلك إجراءات قد تصل إلى "وقف فوري للوصول إلى السوق الموحدة عند الضرورة". ومن شأن الأداة المقترحة أن تدخل حيز التنفيذ ما لم تصوت أغلبية مؤهلة من الدول الأعضاء ضدها، إذ يأمل الزعيمان من خلال تطبيق نظام تصويت بالأغلبية المؤهلة المعكوسة في جعل تحرك الاتحاد الأوروبي أسهل وأسرع.
وفي المقابل، لا تزال إسبانيا من أكثر الدول الأعضاء حذرًا تجاه الصين، رغم سعيها منذ عدة سنوات إلى جذب الاستثمارات الصينية. وقد تؤدي التطورات السياسية الداخلية في إسبانيا، مع دعوة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى إجراء انتخابات جديدة، إلى الحد من قدرة مدريد على معارضة استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه بكين.
وتطالب الشركات الأوروبية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة، رغم مخاطر الرد الصيني، ولا سيما في ظل رغبتها في حماية الصناعة الأوروبية من خلال السياسة التجارية وتقليل اعتماد الاتحاد على الصين، بالنظر إلى نقاط الضعف المرتبطة بهذه التبعية. وأظهرت بكين مخاطر هذا الاعتماد عام 2025 عندما قيدت صادرات العناصر الأرضية النادرة والرقائق الأساسية لصناعة السيارات خلال نزاع شمل شركة "نيكسيريا" الهولندية.
وقالت رابطة الصناعات الألمانية، في تقرير نشرته في 25 سبتمبر الماضي، إن "المنافسة المنهجية مع الاقتصاد الصيني تثير بشكل متزايد تساؤلات حول قدرة اقتصاد السوق الاجتماعي المفتوح على الصمود". وأضافت أن تقليل المخاطر المرتبطة بالصين قد ينطوي على تكاليف، بما في ذلك إجراءات مضادة، إلا أن عدم التحرك سيكون أكثر تكلفة اقتصاديًا على المدى الطويل وغير مسؤول من منظور السياسة الأمنية.
وأطلقت المفوضية الأوروبية في 29 سبتمبر الماضي مشاورات مع الشركات الأوروبية للمساعدة في صياغة إجراءات جديدة، من بينها أداة لتنويع مصادر التوريد، تستهدف معالجة الحالات التي يشكل فيها الاعتماد على دولة واحدة لتوفير سلعة أو منتج خطرًا على أمن الإمدادات في الاتحاد.
وفيما يتعلق بموقف الصين من المفاوضات، لم تحقق المحادثات بين المفوضية وبكين، التي بدأت في يونيو الماضي، تقدمًا كبيرًا، إذ تسعى بكين إلى الحفاظ على وصولها إلى السوق الأوروبية، بينما تسعى المفوضية إلى التفاوض بشأن حصص استيراد بحسب كل منتج. وتمتلك الصين في المقابل ورقة ضغط مهمة، كونها تهيمن عالميًا على إنتاج ومعالجة العناصر الأرضية النادرة، التي تمثل مواد أساسية لصناعات التكنولوجيا الخضراء والدفاع والسيارات في الاتحاد الأوروبي.
ورفضت الصين بالفعل مقترحًا للمفوضية بشأن فرض "قيود طوعية على الصادرات" من السيارات الكهربائية، وقال متحدث باسمها في 20 سبتمبر الماضي إن مثل هذه الإجراءات تتعارض مع "مبدأ المنافسة العادلة". وأكد المتحدث أن موقف الصين ثابت، وأن أي حل بين بكين والاتحاد الأوروبي يجب أن يضمن توازن المصالح، ويتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية والقوانين المحلية لدى الجانبين، ويراعي بالكامل مصالح الصناعات على طرفي المفاوضات.
وتتصاعد التوترات بين الجانبين مع إحجامهما في الوقت نفسه عن اتخاذ خطوات أكثر حدة قد تؤدي إلى حرب تجارية. وقبل بدء المفاوضات في يونيو الماضي، كانت المفوضية قد طرحت بالفعل قانون "تسريع الصناعة" وقانون الأمن السيبراني، بما يفرض قيودًا على وصول الشركات الصينية إلى سوق الاتحاد، ما دفع بكين إلى التهديد باتخاذ إجراءات انتقامية.
ومنذ يونيو الماضي، واصلت المفوضية فتح تحقيقات بشأن منتجات صينية على خلفية ممارسات تجارية غير عادلة، ما أثار استياء بكين، التي منعت خلال الصيف شركاتها من التعاون مع بروكسل في تحقيقات مكافحة الاحتكار. كما أحجمت دول الاتحاد، وفقًا لمصادر مطلعة على الأمر، عن إطلاق تحقيق في قطاع الصناعات الكيماوية قد يؤدي إلى فرض تدابير حماية تشمل رسومًا جمركية وحصصًا للاستيراد.
وقبل أيام من المحادثات التجارية الحاسمة في بكين، صعدت الصين الضغوط على الأوروبيين بإطلاق تحقيق في واردات المواد الكيماوية من الاتحاد الأوروبي، للاشتباه في إغراق السوق الصينية بمادة "بي-نيتروتولوين". وجاءت الخطوة بعد تحقيق أطلقه الاتحاد الأوروبي في سبتمبر الماضي بشأن واردات مادة البولي فينيل كلوريد من دول من بينها الصين.