أحمد عمر هاشم.. حين يصمت المنبر ويبقى صدى الحديث
في مثل هذا اليوم، لا تُستعاد سيرة رجل من رجال العلم فحسب، وإنما تُفتح صفحات من عمر الأزهر، وتعود إلى الذاكرة ملامح عالمٍ حمل الحديث النبوي في قلبه، وجعل من الكلمة رسالة، ومن المنبر أمانة، ومن العلم طريقًا إلى الله.
رحل الدكتور أحمد عمر هاشم، وبقي صوته في ذاكرة من عرفوه وسمعوه؛ صوتٌ اعتاد أن يطرق القلوب قبل الآذان، وأن يستخرج من سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ما يضيء للناس دروبهم، في زمن كثرت فيه الأصوات وقلّت فيه الكلمات التي تسكن القلب.
لم يكن حضوره عابرًا في المشهد الديني والأزهري، فقد امتدت رحلته لعقود بين قاعات العلم ومنابر المساجد وشاشات الإعلام ومؤتمرات الفكر، حاملًا ملامح المدرسة الأزهرية التي تجمع بين أصالة التراث وفهم الواقع، وبين هيبة العالم ودفء الداعية.
وكان الحديث النبوي ميدانه الأثير، فوهب له سنوات عمره بحثًا وتدريسًا وتأليفًا، حتى ترك وراءه تراثًا علميًا امتد إلى طلاب العلم والباحثين، وظل اسمه مرتبطًا بعلوم السنة والدعوة والخطابة.
من قرية في الشرقية إلى رحاب الأزهر
في السادس من فبراير عام 1941، وُلد أحمد عمر هاشم بقرية بني عامر التابعة لمركز الزقازيق بمحافظة الشرقية، ونشأ في بيت ارتبط بالعلم والصلاح، وينتهي نسب عائلته إلى الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما.
وفي الساحة الهاشمية التي حملت اسم عائلته، بدأت ملامح الطريق تتشكل مبكرًا؛ حلقات القرآن والعلم، ومجالس العلماء والصالحين، وطفلٌ وجد نفسه منذ سنواته الأولى قريبًا من الكتاب والعلم والمنبر.
حفظ القرآن الكريم وجوّده وهو في العاشرة من عمره، ثم واصل تعليمه في رحاب الأزهر الشريف، حتى تخرج في كلية أصول الدين عام 1961، وحصل على الإجازة العالمية عام 1967.
وبعدها اتجه إلى قسم الحديث وعلومه، فكان معيدًا بالكلية، ثم حصل على الماجستير عام 1969، وأكمل رحلته العلمية بالحصول على الدكتوراه في التخصص ذاته.
ومنذ ذلك الوقت، لم يعد الحديث بالنسبة إليه مادةً أكاديمية تُدرّس في قاعات الجامعة، وإنما صار مشروع عمر كامل، يبحث في رواياته، ويشرح معانيه، ويقربه إلى الناس بلغة يفهمها القلب قبل العقل.
عالم الحديث الذي حمل العلم إلى المنابر
تدرج أحمد عمر هاشم في السلم الأكاديمي حتى أصبح أستاذًا للحديث وعلومه عام 1983، ثم تولى عمادة كلية أصول الدين بجامعة الزقازيق عام 1987.
وفي عام 1995، وصل إلى رئاسة جامعة الأزهر، ليصبح واحدًا من الوجوه التي ارتبطت بتاريخ المؤسسة الأزهرية في العقود الأخيرة، ثم كان عضوًا بهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.
ولم يتوقف عطاؤه عند الجامعة؛ فشارك في عضوية عدد من المؤسسات والمجالس العلمية والإعلامية والثقافية، من بينها مجمع البحوث الإسلامية والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، كما شارك في العمل العام والثقافي والإعلامي، وتولى رئاسة لجنة البرامج الدينية بالتليفزيون المصري، وعضوية مجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون وغيرها من المواقع.
منبرٌ بدأ مبكرًا.. وصوتٌ لم يفارق الدعوة
ولعل أكثر ما ارتبط باسم أحمد عمر هاشم هو صوته وخطبته؛ فقد ظهرت موهبته في الخطابة منذ طفولته، حتى ألقى أول خطبة جمعة له وهو في الحادية عشرة من عمره خلال شهر رمضان.
كبر الصبي، وكبرت معه الموهبة، حتى صار المنبر واحدًا من أبرز ميادين حضوره.
كان يخرج إلى الناس محملًا بالسيرة النبوية، فيستحضر مواقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويستخرج من الحديث معاني الرحمة والتسامح ومكارم الأخلاق، ويعيد إلى الكلمة الدينية قدرتها على أن تكون نورًا في وقتٍ تزدحم فيه الحياة بالضجيج.
وكان الشعر أيضًا أحد وجوه موهبته، فنظم القصائد في المدح النبوي، وترك ديوانًا شعريًا حمل اسم «نسمات إيمانية»، لتجتمع في تجربته لغة العلم مع رهافة الشعر.
مؤلفات حملت اسمه إلى المكتبة الإسلامية
ترك الدكتور أحمد عمر هاشم عددًا من المؤلفات في الحديث والعلوم الإسلامية، من بينها «الإسلام وبناء الشخصية»، و«من هدي السنة النبوية»، و«الشفاعة في ضوء الكتاب والسنة والرد على منكريها»، و«الإسلام والشباب»، و«قصص السنة»، و«القرآن وليلة القدر»، و«التضامن في مواجهة التحديات».
كما قدم موسوعة معاصرة في علم الحديث، اتجه فيها إلى شرح الأحاديث الصحيحة وترتيبها موضوعيًا وتبويبها فقهيًا، في محاولة لجعل السنة النبوية أقرب إلى القارئ والباحث وطالب العلم.
وهكذا لم يكن أثره مقصورًا على خطبة تُسمع ثم تنتهي، وإنما ترك وراءه كتبًا وأبحاثًا ودروسًا وطلابًا، وهي الأشياء التي تمنح العالم عمرًا آخر بعد الرحيل.
حضور تجاوز حدود مصر
حضر أحمد عمر هاشم العديد من المؤتمرات والندوات العلمية والدينية داخل مصر وخارجها، وشارك في فعاليات بدول عربية وإسلامية وأجنبية، من بينها السعودية والسودان والجزائر والمغرب وماليزيا وباكستان والإمارات والكويت والأردن والعراق، إلى جانب مشاركات في ألمانيا والولايات المتحدة وبلجيكا وإيطاليا وفرنسا.
كما كان له حضور في الحياة العامة والبرلمانية، وشارك في أعمال ومناقشات متعددة داخل المؤسسات التشريعية، إلى جانب نشاطه في عدد من المجالس والهيئات العلمية والثقافية.
وفي عام 2000، وأثناء رئاسته لجامعة الأزهر، دخل اسمه في الجدل الثقافي حول رواية «وليمة لأعشاب البحر» للروائي السوري حيدر حيدر، مطالبًا بسحبها من التداول، في موقف عكس رؤيته آنذاك تجاه ما اعتبره تجاوزًا للثوابت والقيم الدينية.
تكريمٌ لمسيرة امتدت لعقود
لم تمر تلك الرحلة العلمية والدعوية دون تقدير؛ فقد حصل الدكتور أحمد عمر هاشم على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1992، كما تقلد وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى تقديرًا لدوره العلمي والدعوي.
لكن الجوائز، مهما علت قيمتها، تبقى جزءًا صغيرًا من حكاية عالم كان يرى في العلم مسؤولية قبل أن يكون مكانة، وفي الدعوة أمانة قبل أن تكون حضورًا.
ويبقى الآثر
وفي صباح مثل هذا اليوم الثلاثاء 7 أكتوبر 2025، أُسدل الستار على رحلة عمر امتدت لأكثر من ثمانية عقود، عاش خلالها أحمد عمر هاشم بين القرآن والحديث، وبين مدرجات الجامعة ودفء المنبر، وبين صفحات الكتب وأسئلة الناس، رحل الجسد، لكن ما قاله العالم على مدى سنوات طويلة لم يرحل معه.
فالعالِم لا يُقاس فقط بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما تركه في قلوب تلاميذه، وفي صفحات كتبه، وفي ذاكرة من سمعوه يومًا وهو يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا يبقى أحمد عمر هاشم حاضرًا في المكان الذي اختاره لنفسه منذ الصغر.. بين العلم والدعوة، وبين الحديث والمنبر.
ويبقى صدى صوته، كلما ذُكرت السنة النبوية، شاهدًا على رجلٍ أفنى عمره في خدمة حديث المصطفى، حتى صار رحيله نفسه فصلًا جديدًا في سيرة عالمٍ لم يكن يريد من الدنيا أكثر من أن يترك فيها كلمة طيبة.. أو علمًا ينتفع به.. أو قلبًا تذكّر رسول الله صلى الله عليه وسلم.