أكتوبر.. حين يتحول النصر إلى منهج
د. علي الدكروري
في كل عام تعود ذكرى السادس من أكتوبر، وتعود معها صور العبور، وخط بارليف، والجنود الذين صنعوا لحظة فارقة في تاريخ مصر.
لكنني أعتقد أن قيمة أكتوبر لا يجب أن تتوقف عند استعادة تفاصيل المعركة فقط.
الأهم هو أن نسأل:
ما الذي جعل هذا النصر ممكنًا؟ وكيف يمكن أن نستفيد من هذا المنهج اليوم؟
في السادس من أكتوبر 1973 نجحت القوات المسلحة المصرية في عبور قناة السويس والوصول إلى الضفة الشرقية واقتحام خط بارليف، بعد سنوات من الإعداد والتدريب والتخطيط.
وهنا تبدأ الرسالة التي أراها أهم من الحدث نفسه.
النصر بدأ قبل المعركة
النجاح لا يبدأ في اللحظة التي يظهر فيها أمام الناس.
يوم العبور كان النتيجة النهائية لسنوات من العمل الهادئ، وإعادة البناء، والتدريب، ودراسة التحديات، والاستعداد لكل الاحتمالات.
وهذا درس يتجاوز المجال العسكري.
فالدولة لا تحقق قفزة اقتصادية بقرار واحد.
والشركة لا تصبح قوية يوم افتتاحها.
والإنسان لا ينجح في اللحظة التي يحصل فيها على النتيجة.
كل إنجاز كبير يسبقه إعداد يوازي حجم الهدف.
ولهذا أرى أن أكتوبر يقدم لنا قاعدة مهمة جدًا:
إذا كان الهدف كبيرًا، فلا بد أن يكون الإعداد أكبر.
الإرادة تحتاج إلى العلم
الشجاعة كانت عنصرًا أساسيًا في نصر أكتوبر، لكنها لم تكن وحدها كافية.
كان هناك علم، وهندسة، وتخطيط، وحلول عملية لمواجهة تحديات عسكرية معقدة.
وهذا درس لا يزال صالحًا اليوم.
الدول الحديثة لا تتنافس فقط بما تمتلكه من أرض أو موارد طبيعية، بل بما تمتلكه من معرفة وقدرة على الابتكار.
المعمل أصبح جزءًا من القوة.
والجامعة جزء من القوة.
والمصنع جزء من القوة.
والمهندس والباحث والمبرمج والفني أصبحوا جزءًا من قدرة الدولة على حماية مصالحها وبناء مستقبلها.
لذلك فإن الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والمهارات ليس ملفًا منفصلًا عن قوة الدولة.
إنه أحد مصادر هذه القوة.
عندما يكون الهدف واضحًا
أحد أهم عناصر أكتوبر أيضًا كان وضوح الهدف.
كانت هناك قضية يعرف المجتمع أهميتها، وكان هناك اتجاه وطني واضح نحو استرداد الأرض.
وفي رأيي، تستطيع الدول أن تستفيد كثيرًا عندما تبني التوافق نفسه حول أهداف التنمية الكبرى.
زيادة الإنتاج ليست قضية حكومة فقط.
جذب الاستثمار ليس مسؤولية وزارة واحدة.
تحسين التعليم ليس شأن المدرسة وحدها.
وزيادة الصادرات ليست مهمة المصنع فقط.
كلها أهداف تحتاج إلى دولة وقطاع خاص ومؤسسات ومجتمع يعملون في اتجاه واحد.
فالاختلاف في الرأي طبيعي، لكن النجاح يحتاج في النهاية إلى اتفاق على الهدف حتى لو اختلفت وسائل الوصول إليه.
من تحرير الأرض إلى تعميرها
هناك معنى آخر أراه مهمًا جدًا ونحن نتحدث عن أكتوبر.
استرداد الأرض كان الهدف الأول، لكن الأرض تحقق كامل قيمتها عندما تصبح منتجة.
عندما يُبنى عليها مصنع.
أو مدرسة.
أو جامعة.
أو طريق.
أو مشروع زراعي.
أو مدينة جديدة.
وهنا يصبح البناء امتدادًا طبيعيًا للتحرير.
فالجيل الذي قاتل من أجل الأرض أدى مهمته التاريخية.
والأجيال التالية عليها أن تضيف إلى قيمة هذه الأرض وتبني عليها مستقبلًا يليق بما قدمه من سبقهم.
لكل جيل خط بارليف الخاص به
ربما كانت هذه هي الفكرة التي أراها الأقرب إلى الحاضر.
كل جيل له تحدياته.
جيل أكتوبر واجه مانعًا عسكريًا واضحًا.
أما اليوم، فالتحديات مختلفة.
قد يكون التحدي فجوة تكنولوجية.
أو ضعف الإنتاجية.
أو الاعتماد الزائد على الاستيراد.
أو نقص المهارات.
أو صعوبة المنافسة في سوق عالمي سريع التغير.
لكن المبدأ الذي صنع العبور لا يزال هو نفسه:
نفهم التحدي أولًا، ثم نبحث عن الحل، ثم نبني القدرة اللازمة، ثم ننفذ بثقة.
وهذا هو الفرق بين مجتمع ينتظر أن تتغير الظروف، ومجتمع يقرر أن يغيرها.
القوة الحقيقية هي القدرة على تحقيق الهدف
ومن الدروس المهمة كذلك أن نتائج الحرب لم تتوقف عند ساحة القتال، بل فتحت الطريق أمام مسار سياسي انتهى باستعادة سيناء كاملة.
وهنا يظهر معنى أوسع للقوة.
القوة ليست في استخدام الأدوات العسكرية فقط.
القوة هي أن تمتلك الدولة ما يكفي من القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية والمؤسسية حتى تستطيع حماية مصالحها وتحقيق أهدافها.
ولهذا فإن بناء اقتصاد قوي ومؤسسات قوية ومجتمع متعلم ليس بعيدًا عن مفهوم القوة الوطنية.
بل هو جزء أساسي منه.
ماذا نحتاج أن نتذكر من أكتوبر؟
نحتاج أن نتذكر الشهداء والجنود والقادة الذين صنعوا النصر.
لكننا نحتاج أيضًا أن نحافظ على المنهج الذي صنعه:
التخطيط قبل الحركة.
العلم بجانب الإرادة.
العمل الجماعي قبل النجاح الفردي.
وضوح الهدف.
والثقة بأن الواقع مهما بدا صعبًا يمكن تغييره.
هذه هي الرسالة التي أعتقد أن أكتوبر يستطيع أن يقدمها لكل جيل جديد.
فالأوطان لا تحتاج فقط إلى ذاكرة تحتفظ بما حدث.
تحتاج إلى ذاكرة تساعدها على معرفة كيف نجحت من قبل، وكيف تستطيع أن تنجح مرة أخرى.
أكتوبر بالنسبة لي لم يكن مجرد عبور لقناة السويس.
كان عبورًا من الاعتقاد بأن الواقع لا يمكن تغييره إلى اليقين بأن الإرادة، عندما يساندها العلم والتخطيط والعمل، تستطيع أن تصنع واقعًا جديدًا.
ولذلك ربما يكون أفضل احتفال بأكتوبر اليوم هو ألا نكتفي بالنظر إلى الماضي بفخر، بل أن ننظر إلى المستقبل بالثقة نفسها.
تحية إلى رجال القوات المسلحة المصرية، وإلى أرواح شهدائنا، وإلى كل من شارك في صناعة نصر أعاد لمصر ثقتها في قدرتها على تجاوز أصعب التحديات.
د. علي الدكروري
رائد أعمال ومستشار استراتيجي دولي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية