رئيس مجلس الادارة

عمــر أحمــد ســامي

رئيس التحرير

طــــه فرغــــلي


تحليل: صدمة الديزل.. وقود يشعل تكاليف الاقتصاد العالمي من الشاحنات إلى الغذاء

8-10-2026 | 11:25


تعبيرية

أظهر تحليل لمؤسسة "أكسفورد إيكونوميكس" البريطانية، أن أسواق الديزل العالمية دخلت مرحلة من الصعود الحاد خلال الشهر الماضي، مع بلوغ الأسعار في الولايات المتحدة وأوروبا مستويات قياسية في منتصف سبتمبر الماضي، فيما واصلت الأسعار في آسيا صعودها.

وفق المؤسسة الدولية المتخصصة في الأبحاث والتحليلات الاقتصادية والاستشارات، فقد اقترب سعر الديزل من الضعف منذ اندلاع حرب إيران، ما يحول صدمة الوقود من مجرد زيادة في تكاليف الطاقة إلى تهديد أوسع يطال النقل والإنتاج وسلاسل الإمداد وأسعار السلع حول العالم.

وتابعت، لم يعد الديزل مجرد وقود يحرك الشاحنات والسفن وآلات الحصاد ومعدات البناء والتعدين، بل أصبح أحد المفاتيح الخفية التي تحدد تكلفة حركة الاقتصاد العالمي.

وتضيف المؤسسة في تحليلها ، كلما ارتفع سعره، لم تتوقف الزيادة عند محطة الوقود، وإنما تبدأ رحلة أطول عبر الشاحنات والموانئ والمزارع والمصانع، قبل أن تصل في النهاية إلى أسعار السلع التي يدفعها المستهلك.

وتشير إلى أن موجة الارتفاع الحالية تأتي في وقت تواجه فيه أسواق النفط اضطرابات حادة مرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، ما أعاد أسواق الطاقة إلى دائرة التقلبات العنيفة، ودفع الديزل إلى واجهة المخاوف المتعلقة بتكاليف النقل والإنتاج.

ولفتت إلى أن الضربة المباشرة في القطاعات الأكثر اعتمادا على الديزل، تركزت في مقدمتها على النقل البري والمائي، يليهما التعدين والزراعة، حيث تعتمد الآلات والمركبات المستخدمة في هذه الأنشطة بدرجة كبيرة على الوقود.

لكن حجم الصدمة لا يتساوى بين الاقتصادات ففي الهند، يصل استهلاك الديزل في النقل البري إلى نحو 478 كيلوطنا مكافئ - وحدة قياس كمية الطاقة- نفط لكل مليار دولار من الناتج الحقيقي، مقابل نحو 240 كيلوطنا في الاتحاد الأوروبي و170 كيلوطنا في الولايات المتحدة، ما يعكس اعتماد الهند الكبير على النقل بالشاحنات وانخفاض كفاءة استهلاك الوقود.

وفي النقل المائي، تتصدر المكسيك بنحو 473 كيلوطنا، تليها الهند بنحو 222 كيلوطنا والصين بنحو 157 كيلوطنا، بينما تتقدم اليابان في التعدين بنحو 87 كيلوطنا.

وتكشف هذه الأرقام أن ارتفاع سعر الديزل لا يؤثر على الجميع بالقدر نفسه؛ فحجم الضرر يتوقف على طبيعة الاقتصاد، وكفاءة وسائل النقل، وشبكات الإمداد، ومدى الاعتماد على الآلات التي تعمل بالوقود.

ونبه التحليل، إلى أن صدمة الصعود لا تتوقف عند من يشتري الديزل فالسلع تنتقل من المزارع والمصانع إلى المخازن والموانئ والأسواق، وكل مرحلة من هذه الرحلة قد تحمل معها تكلفة وقود إضافية.
وعندما ترتفع فاتورة الشحن، يسعى الناقلون إلى تمرير جزء من الزيادة إلى العملاء، لتبدأ الصدمة في التحرك عبر سلسلة الإمداد.
وتبدو السلع الثقيلة والأكثر اعتمادا على النقل لمسافات طويلة الأكثر تعرضا لهذا الأثر، بينما تكون الصناعات التي تعتمد على وسائل نقل أقل استهلاكًا للديزل أقل حساسية نسبيًا.

وتزداد حدة التأثير في قطاعات مثل الزراعة والتعدين، التي تجمع بين الاعتماد المباشر على الديزل لتشغيل الآلات وبين الحاجة المكثفة إلى النقل.

أما شركات الأغذية ومنتجو المواد الثقيلة، فقد يصل إليهم الأثر بصورة غير مباشرة من خلال ارتفاع تكاليف الشحن.

وتشير مؤشرات السوق إلى أن انتقال الصدمة بدأ بالفعل، مع ظهور موجة جديدة من ضغوط تكاليف التشغيل على قطاع الشاحنات الأمريكي خلال 2026، يقودها ارتفاع أسعار الديزل، بالتزامن مع صعود أسعار المنتجين في قطاع النقل بالشاحنات.
وهذا يعني أن شركات النقل لا تتحمل كامل الزيادة من هوامش أرباحها، وإنما تمرر جزءًا منها إلى العملاء عبر رسوم الوقود الإضافية وإعادة تسعير خدمات النقل.

وعلى مستوى الدول، يتوقف حجم الصدمة على مزيج من إنتاج النفط المحلي، والطاقة التكريرية، ومدى الاعتماد على استيراد الخام والمنتجات المكررة.

وقد تبدو الدول المنتجة للخام والتي تمتلك طاقات تكرير كبيرة، أكثر قدرة على مواجهة اضطرابات الإمدادات لكن هذه الميزة لا تعني أنها محصنة من ارتفاع الأسعار.

فالنفط والمنتجات المكررة تتحرك داخل سوق عالمية مترابطة، ما يعني أن اضطراب الإمدادات في منطقة واحدة يمكن أن يرفع الأسعار في مناطق بعيدة عنها. ولذلك تظل حتى الدول المنتجة الكبرى معرضة لتداعيات ارتفاع أسعار الخام والديزل عالميًا.

وتقول المؤسسة البريطانية، في النهاية، تكشف صدمة الديزل عن فرق مهم بين نقص الوقود وارتفاع سعره.

فامتلاك النفط الخام والمصافي قد يحمي الدول والشركات من خطر عدم توافر الوقود، لكنه لا يوفر بالضرورة حماية كاملة من ارتفاع تكلفته.

وفي سوق عالمية مترابطة، يمكن أن تتحول أزمة إمدادات في منطقة واحدة إلى فاتورة أعلى للنقل والزراعة والتعدين والتصنيع في مناطق بعيدة.

وهكذا، لا يشتعل الديزل داخل محركات الشاحنات فحسب، بل تمتد حرارته عبر الاقتصاد بأكمله؛ من تكلفة نقل الحبوب والمعادن إلى أسعار الغذاء ومواد البناء، قبل أن تنتهي رحلته عند المستهلك النهائي.