ذكر ردايو /أر تى بى اف/ البلجيكى أنه منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، عادت مسألة توسيع الاتحاد الأوروبي لتتصدر الأولويات الجيوسياسية. غير أن دول الاتحاد السبع والعشرين تتردد في الانتقال من مرحلة الوعود إلى حيز التنفيذ، وذلك بسبب تحديات متعددة تشمل تقاسم التكاليف المالية وضرورة إصلاح المؤسسات والحاجة إلى حماية المصالح الوطنية. .. وينطوي هذا التردد على مخاطر تتمثل في إبقاء الشركاء المستقبليين في حالة انتظار لا نهاية لها وتقويض مصداقية الاتحاد نفسه.
وقال راديو /أر تى بى اف/ البلجيكى اليوم ـ فى تقرير له حول هذا الملف ـ إن 13 عاما مرت دون أن يفتح باب الاتحاد الأوروبي لأعضاء جدد؛ 13 عاما منذ أن أغلقت الدول السبع والعشرون الباب خلف كرواتيا، التي كانت آخر دولة تنضم إلى الأسرة الأوروبية. وفي ذلك الوقت، لم يكن أحد يبدي استعجالا حقيقيا لدعوة "أقارب" جدد للانضمام.
لكن الحرب في أوكرانيا قلبت الموازين رأسا على عقب. فبعد أيام قليلة من بدايتها ، طرقت أوكرانيا باب الاتحاد. وبعد بضعة أشهر، حصلت كل من أوكرانيا ومولدوفا رسميا على وضع الدولة المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لم يعد التوسع أمرا محظورا أو من المحرمات السياسية، بل تحول إلى مسألة جيوسياسية بامتياز.
وقال الراديو إن عبارة "أنتم جزء من الأسرة الأوروبية" رددها الجميع تقريبا - من شارل ميشيل وأورسولا فون دير لاين إلى إيمانويل ماكرون وأولاف شولتس - وكأنها شعار ثابت. وخلال أسابيع قليلة، قوبل "الأقارب الجدد" بترحيب حار وأذرع مفتوحة .. أما اليوم، فقد خفت مظاهر الترحيب الحار، وبات هناك تسع دول مرشحة رسميا للانضمام تنتظر بلهفة عند عتبة الاتحاد الأوروبي. وبعض هذه الدول ينتظر منذ أمد طويل: أكثر من 25 عاما بالنسبة لتركيا، و20 عاما لمقدونيا الشمالية، و15 عاما للجبل الأسود.
ومع ذلك، لم يطرأ أي تغيير على الخطاب الرسمي. لا يزال التوسع ضرورة جيوسياسية ؛ إذ لا مجال لترك "مناطق رمادية" بين الاتحاد وقوى معادية تسعى لبسط نفوذها فيها. وتواصل المفوضية دفع الدول المرشحة نحو "باب الدخول"، لكن كلما اقترب هذا الباب، تعالت أصوات النقاشات الدائرة في "الكواليس".
فضم الجبل الأسود (مونتينيجرو) وسكانه البالغ عددهم 600 ألف نسمة يختلف تماما عن ضم أوكرانيا وسكانها الذين يناهز عددهم 40 مليون نسمة... وهناك تطرح عدة تساؤلات نفسها : من سيدفع؟ ومن سيتلقى الدعم المالي؟ وما مصير السياسة الزراعية؟ وكيف يمكن الحيلولة دون عرقلة عضو جديد لقرارات "الأسرة" بأكملها؟
وفى هذا الصدد ، أشار الراديو إلى أنه في عام 2022، كانت الجيوسياسة قد همشت هذه الأسئلة وجعلتها في مرتبة ثانوية، لكن بعد أربع سنوات، عادت الحسابات والمخاوف لتتصدر المشهد من جديد.
وتسعى ألمانيا وهولندا، على وجه الخصوص، لتجنب التكلفة الباهظة التي قد تترتب على توسيع الأسرة. ولذا، طرحت المفوضية هذا الأسبوع خطة لطمأنة أفراد الأسرة؛ فلا حاجة لإجراء إصلاحات هيكلية كبرى، بل يكفي فقط "إعادة ترتيب الأثاث" وتعديل بضعة بنود في لوائح "أسرة الاتحاد الأوروبي". ويشمل ذلك تسهيل اتخاذ بعض القرارات عبر الانتقال من مبدأ الإجماع إلى التصويت بالأغلبية المؤهلة، وتعزيز الضمانات ضد الانحرافات نحو الحكم الاستبدادي، فضلاً عن تقييد مؤقت لبعض أشكال الدعم المالي ووصول أوكرانيا إلى السوق الأوروبية، وذلك لتهدئة مخاوف من يخشون انضمام هذا "العملاق الزراعي" إلى الأسرة.
ولجعل "الأقرباء" يتقبلون هذا الأمر، قد يسمح للدول المرشحة بالوصول التدريجي إلى بعض البرامج والسوق الموحدة حتى قبل انضمامها .. إنها "حزمة ترحيب" تبدو في جوهرها أقرب إلى "عقد تأمين" للأعضاء الحاليين منها إلى دعوة مفتوحة للانضمام إلى الأسرة.
والتباين مع عام 2022 صارخ للغاية. في ذلك الوقت، جعلت الضرورة السياسية فكرة التوسع أمرا يمكن تصوره؛ أما اليوم، فكلما اقتربنا من اللحظة التي يتعين فيها فتح الباب فعليا، تزايدت التحفظات والاحتياطات.
عندما كان لا يزال يشغل منصب رئيس الوزراء، أوضح ألكسندر دي كرو أن نجاح عملية التوسع يتطلب ألا تكون مجرد إجراء تقني بحت؛ بل يجب أن تحظى بدعم سياسي قوي من القادة، نظرا لما تنطوي عليه من أعباء وتحديات أمام الرأي العام.
واختتم الراديو تقريره بالإشارة إلى أنه بدون هذه الشجاعة السياسية، يتحول الوعد إلى مجرد شعار؛ فمن السهل إخبار "أبناء العمومة" بأنهم جزء من العائلة، لكن فتح الباب لهم مسألة أخرى تماما واستمرار تركهم عند عتبة الباب قد ينتهي به المطاف إلى تعريض مصداقية العائلة بأكملها لـلضياع.
.